آخر الأخبار

السياسة دونالد ترامب من الهيمنة التقليدية إلى صناعة الأزمات المفتوحة

شارك

السياسة دونالد ترامب من الهيمنة التقليدية إلى صناعة الأزمات المفتوحة
بقلم: خالد خليفة
لا يمكن فهم السياسة الخارجية الأمريكية في عهد دونالد ترامب بوصفها قطيعة مع الماضي، بل هي في جوهرها امتداد متشدد لنهج قديم لهذه السياسة، انتقل من خطاب “القيادة العالمية” و“نشر الديمقراطية” إلى ممارسة إمبريالية أكثر فجاجة صراحة ووضوحا. فالولايات المتحدة لم تتخلَّ يومًا عن منطق الهيمنة، لكنها اليوم تمارسها بوسائل مختلفة، أقل كلفة عسكرية مباشرة، وأكثر اعتمادًا على الحصار، الابتزاز، والعقوبات، إلى جانب خلق أزمات خارجية للهروب من أزماتها الداخلية.
فتاريخيًا، مارست واشنطن هذا النهج بوضوح في الشرق الأوسط. فقد فرضت حصارًا خانقًا على العراق في تسعينيات القرن الماضي، دمّر المجتمع والدولة تدميرا كاملا ابان الرئيس العراقي صدام حسين، ثم تُوّج ذلك بالغزو العسكري واحتلال بغداد عام 2003، في واحدة من أكبر العمليات العسكرية في العصر الحديث. واستمر هذا الغزو لسنوات، كلّف الجيش الأمريكي عشرات آلاف القتلى، واستنزف الخزينة الأمريكية بمئات المليارات من الدولارات، وانتهى بإعدام رئيس دولة، وتفكيك مؤسسات دولة كاملة، وخلق فراغ استراتيجي ما زالت المنطقة تدفع ثمنه حتى اليوم. وفي نهاية المطاف، انسحبت الولايات المتحدة من العراق انسحابًا مرتبكًا، تاركة خلفها قواعد عسكرية وأزمات بنيوية عميقة.
وبعد أكثر من عشرين عامًا، تدرك واشنطن أن تكرار هذا النموذج لم يعد ممكنًا. فالحروب المباشرة أصبحت مكلفة سياسيًا واقتصاديًا، والشارع الأمريكي لم يعد مستعدًا لتحمّل أثمانها. من هنا، انتقلت السياسة الأمريكية، وخصوصًا في عهد ترامب، إلى نموذج جديد: الضغط الأقصى دون احتلال مباشر.
تُعدّ فنزويلا المثال الأوضح على هذا التحول. حيث ان إدارة ترامب، التي لا تملك أي شرعية دولية لغزو دولة ذات سيادة، لجأت إلى سياسات الخنق الاقتصادي طويل الأمد بحجج واهية ومختلفة، ومحاولات الانقلاب، والعقوبات، وصولًا إلى ما يمكن وصفه بعمليات اختطاف سياسية وملاحقات قضائية عابرة للحدود بحق الرئيس نيكولاس مادورو. هذه الخطوات لا تهدف فعليًا إلى “الديمقراطية” كما يُروَّج لها ترامب وادارته، بل إلى إخضاع دولة ترفض الانصياع للإرادة الأمريكية.
ولكن المفارقة الأساسية أن فنزويلا، من حيث المصالح الاقتصادية البحتة، لا تمثل أولوية حيوية للولايات المتحدة. فواشنطن لا تعاني نقصًا في النفط، والبنية التحتية الفنزويلية منهارة وتحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيلها. ما يعني أن الهدف الحقيقي ليس اقتصاديًا فقط، بل سياسي واستراتيجي وهو إعادة فرض الهيمنة الأمريكية على أمريكا اللاتينية، أو ما تُسميه واشنطن تاريخيًا “البوابة الخلفية” للولايات المتحدة.
غير أن هذه السياسة تنطوي على مخاطر جسيمة. فأمريكا اللاتينية اليوم ليست كما كانت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. فهناك وعي قومي متزايد، وتجارب تاريخية مريرة مع الانقلابات والتدخلات الأمريكية، وشعوب باتت أكثر حساسية تجاه أي محاولة هيمنة خارجية. إن ما تقوم به إدارة ترامب في فنزويلا لن يؤدي إلى إخضاع القارة، بل إلى توحيدها تدريجيًا ضد الولايات المتحدة، وتعميق الشك والعداء تجاهها، ليس فقط في أمريكا اللاتينية، بل أيضًا في أوروبا، والشرق الأوسط، وحتى في آسيا.
وفي السياق الدولي الأوسع، تأتي هذه السياسات في لحظة تراجع نسبي للدور الأمريكي. فالصين تواصل صعودها بثبات، وروسيا تفرض نفسها لاعبًا عسكريًا وسياسيًا رغم كلفة حرب أوكرانيا، بينما تفشل واشنطن في تحقيق أي اختراق حقيقي: لا في إنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية، ولا في ترميم علاقاتها المتوترة مع أوروبا وحلف الناتو، ولا في الشرق الأوسط، حيث تحوّل تحالفها غير المشروط مع حكومة نتنياهو إلى عبء استراتيجي وعزلة سياسية.
في الداخل الأمريكي، يبدو أن إدارة ترامب تلجأ إلى تصعيد الأزمات الخارجية للتغطية على أزماتها الداخلية انظر ما قاله الرئيس ترامب مع قناة فوكس نيوز في خضم الازمة مع فنزويلا بان على الحزب الجمهوري ان يكون متيقظا خلال هذه الفترة بمحاولات عزله من قبل الديموقراطيين والانتصار عليه في الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل في الكونجرس إضافة الى الانقسام المجتمعي، تراجع الطبقة الوسطى، أزمات الهجرة، والضغوط المتزايدة من الكونغرس.
وباتت صناعة أزمة الخارجية مع فنزويلا هي بمثابة أداة سياسية للهروب إلى الأمام، وليس تعبيرًا عن قوة حقيقية.
وما نشهده اليوم ليس صعودًا جديدًا للإمبريالية الأمريكية، بل مرحلة ارتباك وانحدار في إدارتها للعالم. إن سياسات الاختطاف، الحصار، والابتزاز لن تعيد للولايات المتحدة هيبتها، بل ستسرّع من تآكل نفوذها، وتدفع دولًا وشعوبًا أكثر إلى البحث عن بدائل دولية. وما جرى في فنزويلا قد يكون بداية سلسلة أزمات ستجعل “الساحة الخلفية” للولايات المتحدة واحدة من أعقد مشاكلها في السنوات المقبلة، ليس فقط في عهد ترامب، بل في عهد الإدارات التي ستليه.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا