رغم بعدها الجغرافي عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن فنزويلا موطن لمئات الآلاف من العرب ومنهم من تقلد مناصب رسمية وسياسية هامة فيها، وأشهرهم طارق العيسمي، السوري من أم لبنانية الذي عينه الرئيس آنذاك، نيكولاس مادورو، نائباً تنفيذياً له عام 2017.
لا يوجد حصر لعدد الفنزويليين من أصل عربي أو المهاجرين العرب في فنزويلا. لكن يقدر أرماندو مراد، ممثل الجامعة الثقافية اللبنانية في العالم المسؤول عن مكتب فنزويلا، الجالية العربية أو عربية الأصل هناك بنحو مليون ومائتي ألف، وأكثرهم من السوريين.
وقد بدأت هجرة العرب لفنزويلا خلال أزمات شهدها الحكم العثماني للمنطقة عام 1880، ثم توالت موجات الهجرة الاقتصادية إليها منذ الخمسينات حين كانت تعيش انتعاشة اقتصادية بسبب مواردها الطبيعية.
وأصبحت فنزويلا وطناً لجالية لبنانية هاجرت عقب الحرب الأهلية في لبنان في سبعينات القرن الماضي.
وكانت فنزويلا واحدة من الدول الخمس المؤسسة لمنظمة الدول المصدرة للنفط أوبك عام 1960 في بغداد مع كل من إيران والعراق والكويت والسعودية.
ثم جاءت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 وما تبعها من قرار أوبك لحظر تصدير النفط العربي للولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية، ليمنح فنزويلا فرصة رفع سعر نفطها إلى أكثر من ثلاثة أضعاف.
لا يقتصر التقارب بين فنزويلا وبعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على النفط وحده، بل يقوم أيضاً على تشابه إيديولوجي وعداء مشترك للسياسات الأمريكية، تعزز منذ عهد هوغو تشافيز واستمر في عهد نيكولاس مادورو.
منذ نفذت واشنطن عمليتها العسكرية في كراكاس واعتقلت مادورو، يكرر وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في مقابلاته مع الإعلام الأمريكي ذكر "إنهاء وجود إيران وحزب الله في فنزويلا" كواحد من أهداف العملية.
وفي مقابلة على قناة ABC الأمريكية قبل أيام، قال روبيو في ردّه على أسئلة حول ما طرحه ترامب بشأن إدارة واشنطن لفنزويلا في هذه المرحلة، إن واشنطن تريد وضع حد لما وصفه بـ "تحويل حزب الله وإيران فنزويلا إلى ملعبهم الخاص".
وتتهم واشنطن حزب الله بالضلوع في غسيل الأموال وتهريب المخدرات في فنزويلا لتمويل أنشطته.
وخلال جلسة استماع في الكونغرس في أكتوبر العام الماضي، قال مارشال بلنغسلي، مساعد وزير الخزانة الأمريكية السابق لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب إن" فنزويلا باتت المسهل الرئيسي لتحركات وعمليات حزب الله في أمريكا اللاتينية" وإنها في عهد تشافيز فتحت مجالاً لحزب الله بأن يقوم بأنشطة مختلفة من بينها بناء مركز تدريب شبه عسكري على جزيرة مارغريتا. وإن وجود وتوسع حزب الله في فنزويلا زاد بشكل كبير في عهد مادورو.
واتهم بلنغسلي طارق العيسمي، الذي كان قبل نيابته لمادورو، رئيس وكالة الجوازات الفنزويلية بـ"إدارة وتسهيل تزوير عدد كبير من الجوازات الفنزويلية لأعضاء من حزب الله وحماس". وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على العيسمي عام 2017 متهمة إياه بالضلوع في تجارة المخدرات.
في حلقة أعداء الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، تبرز كل من فنزويلا وإيران. والدولتان تعانيان من عقوبات أمريكية مطولة ومشددة عليهما وتتمتعان بثروات طبيعية ظلت لفترة طويلة خارج السيطرة الأمريكية.
العلاقات بين واشنطن وكاراكاس سيئة منذ عهد تشافيز وازدادت قطيعة بتولي مادورو الرئاسة عام 2013.
وبلغت العقوبات ذروتها في 2019 عندما فرضت واشنطن حظراً على النفط الفنزويلي. لكن فنزويلا استمرت في تصدير كميات هامة من نفطها بطرق تعتبرها الولايات المتحدة غير قانونية أو ما يعرف بـ"أساطيل الظل" وهي سفن شحن تعمل بشكل غير علني لنقل النفط الخاضع لعقوبات، خارج أطر الرقابة.
وبنفس الطريقة أيضاً تصدر إيران الكثير من نفطها رغم العقوبات الأمريكية.
إذ تستمر العقوبات الأمريكية على إيران رغم تخفيف أو رفع العقوبات الأممية والأوروبية التي فرضت عليها بسبب برنامجها النووي.
تساعد إيران فنزويلا بالتمويل والمعدات والخبرات لإعادة تشغيل مصافي النفط الفنزويلية. ووقع البلدان اتفاقاً بقيمة 110 مليون يورو عام 2022 لتأهيل وفتح مصفاة "ال باليتو" الرئيسي، وذلك في إطار وثيقة تعاون استراتيجي شامل لمدة عشرين عاما.
لم يكن واضحاً أبداً ماكانت تجنيه إيران من مكاسب مالية مقابل مساعدة فنزويلا في هذا المجال، يقول هومايون فلكشاهي، المحلل المختص في تحليل حركة النفط الخام المرتبطة بديناميكيات السوق والعوامل الجيوسياسية في مؤسسة كبلر لبي بي سي.
لكن هذا التعاون الاقتصادي، جعل من البلدين حليفين سياسيين أيضاً.
ويرى فلكشاهي أن هذا التعاون الفنزويلي الإيراني يشوبه تناقض واضح بالنظر إلى أن البلدين يتنافسان على السوق الصينية للنفط وهي السوق الأكبر لكليهما، يصدران لها نفطهما عبر نفس الطريقة باعتماد"أساطيل الظل".
ويرى فلكشاهي أنه مهما كان اتجاه التغيير الذي قد يطرأ على انتاج وتصدير النفط الفنزويلي، ستكون إيران المستفيدة منه.
إذا حوصر النفط الفنزويلي وقل تصديره، سيكون لإيران نصيب أكبر في السوق الصينية. وإذا رفع الحظر عن النفط الفنزويلي وصدر بشكل قانوني ستنفرد إيران بشحنات الظل وترفع تصديرها، يقول فلكشاهي لبي بي سي.
بعيداً عن التعاون النفطي، تتهم الولايات المتحدة إيران وفنزويلا أيضاً بالتعاون العسكري. حيث قال بيان لوزارة الخزانة الأمريكية نهاية شهر ديسمبر/ كانون الأول 2025 إن ايران تزود فنزويلا بطائرات بدون طيار منذ عام 2006 وأعلن البيان عقوبات على عدد من الشركات والأشخاص من البلدين بتهمة تجارة الأسلحة.
رحبت الحكومة الإسرائيلية بالعملية الأمريكية في فنزويلا. إذ نشر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تغريدة على X يهنئ فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ما يصفه ب "قيادته الجريئة والتاريخية دفاعًا عن الحرية والعدالة."
بينما قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، إن الولايات المتحدة تصرفت "كقائد للعالم الحر".
هذا الترحيب الإسرائيلي الشديد ليس غريباً بالنظر إلى تحول العلاقة بين فنزويلا وإسرائيل من "الصداقة"، كما وصفت خلال زيارة شيمون بيريز إلى كراكاس عام 1995، إلى العداء. وقد بدأت العلاقة بين البلدين تتدهور منذ بداية حكم هوغو تشافيز نهاية التسعينات.
أدان تشافيز بشدة إسرائيل خلال حربها مع حزب الله في لبنان عام 2006 وسحب سفير بلاده من إسرائيل.
ووصف تشافيز الحرب الإسرائيلية في غزة عام 2009 بأنها عملية "إبادة" واعترفت فنزويلا رسمياً بدولة فلسطين منذ 2009 وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل.
وفي أزمة الرئاسة الفنزويلية في 2019 انضمت إسرائيل إلى الدول التي أنكرت شرعية مادورو ودعمت معارضه خوان غوايدو.
منذ عهد تشافيز توطدت العلاقات بين فنزويلا وشمال أفريقيا.
كانت علاقة تشافيز وثيقة بالزعيم الليبي معمر القذافي، وكان الرجلان يقودان نظامان اشتراكيان ويشتركان أيضاً في عداء معلن لأمريكا.
أما الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، فيقف تمثاله النصفي في العاصمة الفنزويلية كراكاس، منذ 2013، عندما نصبته الحكومة الفنزويلية تكريما لما وصفتهم بـ"أبطال وبطلات أفريقيا".
وتحتل قضية الصحراء الغربية، حيزاً من اهتمام فنزويلا.
إذ تعترف فنزويلا منذ الثمانينات بالصحراء الغربية جمهورية مستقلة وتربطهما علاقات دبلوماسية رسمية. بينما توجد سفارة للجمهورية العربية الصحراوية في كراكاس.
ولم تخف حكومة مادورو يوماً دعمها الصريح والواضح لجبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب.
ويرتبط هذا الموقف أيضاً بمتانة العلاقات بين فنزويلا والجزائر، التي تدعم هي الأخرى جبهة البوليساريو في مطلبها.
ورغم العلاقات الوثيقة بين البلدين لم تصدر الجزائر تعليقاً رسمياً على "اعتقال" الرئيس الفنزويلي.
ويرجح الكاتب الصحافي الجزائري علي بوخلاف أن بلاده تريد تفادي التصادم مع ترامب لا سيما أن ما يحصل بعيد وغير مرتبط بمصالح الجزائر بشكل مباشر، كما يقول.
وقال بوخلاف لبي بي سي إن تغيير النظام في فنزويلا لن يؤثر بشكل كبير على الجزائر حتى في موقفها الثابت من قضية الصحراء الغربية. إذ أن دعم فنزويلا لاستقلال الصحراء الغربية، حسب رأيه، لم يكن له ثقل يشكل ضغطاً في هذا الاتجاه.
وكان نيكولاس مادورو قد زار الجزائر عام 2022 حيث التقى بنظيره عبد المجيد تبون. وأكد اللقاء على تناغم مواقف البلدين بشأن عدد من القضايا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
قال تبون في مؤتمر صحفي بعد اللقاء إنه ونظيره الفنزويلي متفقان بشكل تام "على أساس النضال من أجل مساعدة الشعب الفلسطيني في بناء دولته" و" مساعدة الشعب الصحراوي للحصول على استفتاء تقرير مصيره واستقلاله" بالإضافة إلى دعم السماح للشعب الليبي بإجراء انتخابات حرة يختارون فيها من يريدون أن يمثله.
وأعلن الطرفان رفع سقف التعاون بين بلديها ليشمل مجالات مختلفة من بينها التعاون الاقتصادي.
وعن موقف المغرب قال الدكتور عبد الفتاح الفاتحي، مدير مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية في المغرب لبي بي سي، إنه رغم غياب موقف رسمي فإن المملكة ترحب بانتهاء حكم مادورو الذي كان موقفه الداعم لجبهة البوليساريو يشكل عبئاً عليها.
وبحسب الفاتحي، فإن الدعم الفنزويلي لجبهة البوليساريو لم يكن سياسياً فقط، وإنما كان مالياً وعسكرياً أيضاً وبالتالي فإن سقوط حكومة مادورو وتمكين المعارضة التي تدعم بالأساس موقف المغرب المتمسك بالحكم الذاتي للصحراء الغربية تحت السيادة المغربية سيضعف الجبهة الداعمة للبوليساريو ويزيد موقف المغرب صلابة من حيث رقعة المؤيدين له.
ليس من الواضح حتى الآن ما سيؤول إليه الوضع في فنزويلا، لكن مهما كان توجه النظام الجديد في البلد الأمريكي اللاتيني، فسيكون صداه واسعا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة