آخر الأخبار

ربَّ عامٍ نستقبله خيرٌ من عام نودّعه

شارك

قال تعالى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}.
سادت لفترةٍ طويلة فكرةٌ مفادها أن الجيل القديم، جيل الأجداد الذين عايشوا أواخر العهد العثماني، ثم الانتداب البريطاني، ثم النكبة وما تلاها، كان جيلًا بسيط الثقافة، محدود القدرات، ضعيف الوعي.
وجاءت أجيال لاحقة، في ظل الصحوة الإسلامية والتيارات الوطنية والقومية، وهي تظنّ أن الخلاص الحتمي قد بات قريبًا، وأنها تحمل مفاتيح النهضة والتغيير.

مصدر الصورة

ثم جاءت أيامنا هذه..
فإذا بي أجد نفسي مثقلًا بواجب الاعتذار لأجدادٍ عاشوا أقسى الظروف، وواجهوا أشدّ المحن، ومع ذلك ثبتوا على الأرض، وصانوا الهوية، وحافظوا على الوجود في زمنٍ كان البقاء فيه إنجازًا بحدّ ذاته.

وهنا يفرض السؤال الكبير نفسه اليوم:
هل نُخَب هذا الزمن وقياداته وأرباب الأسر من الآباء والأمهات خيرٌ ممن سبقوهم فعلًا؟
وهل الجيل القادم سيكون أفضل من الجيل الحاضر؟

قال النبي عليه الصلاة والسلام موجّهًا إلى هذا المعنى:
"كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته".

لِننظر بصدقٍ حولنا: إلى شبابنا، إلى ما يشغلهم، إلى أولوياتهم، إلى أحلامهم وهمومهم. ثم لنعقد مقارنةً عادلة مع غيرنا من الشعوب، لا بقصد جلد الذات، ولا من باب التقليل من شأننا، بل بقصد المراجعة والتصحيح واستعادة البوصلة.

وأنا هنا لا أتحدث عن الصناعات ولا الأبحاث العلمية ولا الاكتشافات الكبرى، بل عن الأساس الذي تُبنى عليه كل نهضة: التربية، وإدارة الأسرة في الأفراح كما في الأزمات، والحفاظ على تماسك البيت الواحد الصغير من التشرذم والانهيار.
فقد حمّلَنا اللهُ هذه المسؤولية بوضوح حين قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}.

فإذا صلح هذا البيت الصغير، صلح ما بعده، وإذا تماسكَت الأسرة، اشتدّ عود المجتمع، وحينها فقط يمكن أن ننظر بثقة إلى ما هو أكبر. أما إذا تهاوى الأساس، فلن تُجدي نفعًا أعظم الإنجازات، لأن أمةً تتفكك بيوتها، لا يُقيمها تقدّمٌ بلا قيم.
فالتاريخ لا يُقاس بالشعارات، ولا تُبنى الأمم بالادعاء، وإنما تُصان بالوعي، وتنهض بالمسؤولية، وتستمر بصدق الانتماء.

ذاتَ يومٍ قال لي أحدُ الأصدقاء كلامًا لا يزال يطرق ذهني بقوّة:
نحن مدينون بالاعتذار لآبائنا وأمهاتنا الكبار! أولئك الذين أنجبوا عشرة أبناء وأكثر، في ظروف قاسية وإمكانات محدودة، وربّوهم تربية متواضعة لكنّها ثابتة، ووفّروا لهم حياة كريمة بحدّها الأدنى، وأعدّوهم– دون تنظير، ولا دورات، ولا خبراء– لمواجهة الحياة ومسؤولياتها.

أما نحن اليوم، فننجب اثنين أو ثلاثة، ومع ذلك نعجز في كثير من الأحيان عن التفاهم معهم، أو تربيتهم تربية تُحصّنهم أمام قسوة الواقع، وتؤهلهم لتحمّل أعبائه.

كلّ يوم نسمع عن شابٍ ورّط أهله في مصائب ومشاكل وديون، جرّت العائلة إلى سنوات من التيه والإنهاك، وغالبًا ما تنتهي بتفككٍ أسري، وفرطٍ في العقد الاجتماعي، وانكسارٍ في هيبة العائلة ودورها.

ليس في هذا الكلام اتهامٌ لجيل، ولا تمجيدٌ أعمى لآخر، بل هو وقفة صادقة مع الذات:
ماذا فقدنا في الطريق؟
وأين اختلّ ميزان التربية والمسؤولية؟
وكيف تحوّل القليل إلى عبء، بعد أن كان الكثير سببًا في التماسك والصبر؟

ربما لم يكن آباؤنا أكثر علمًا، لكنهم كانوا أوضح بوصلة، وأشدّ حضورًا، وأقرب إلى معنى المسؤولية الجماعية.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا