آخر الأخبار

مولد الرسول القائد

شارك

مولد الرسول القائد
المحامي علي حيدر
تحيي الأمتان الإسلامية والعربية هذا الأسبوع ذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وتصادف هذا العام ذكرى مرور ١٥٠٠ عام على ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب التقويم الهجري، و١٤٤٥ عاماً بحسب التقويم الميلادي. وهذه الذكرى العطرة تتطلب منا أن نقف ونتفكر ونتأمل في معنى ولادة قائد قد رعى وأنشأ جيلاً كاملاً من القادة في شتى مجالات الحياة، وأسس مدرسة في القيادة خلال وقت قصير، استمرت على مدار قرون وما زالت.
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قائداً صانعاً ومبلوراً لهوية متماسكة وفاعلة، ومؤسساً لثقافة وحضارة متكاملة تدعم – فيما تدعم – التميز العلمي والاجتماعي، وترتكز إلى منظومة قيمية، وتبني مشروعاً أخلاقياً يهدف إلى سعادة الإنسان من خلال تحقيق الفرد لذاته في الوجود، ومن خلال البعد الروحي الميتافيزيقي. كان قائداً انتهج طريق الفضائل، وهي طريق الوسطية التي تحافظ على التوازن والاعتدال، فلا تفريط ولا إفراط.
إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان وما يزال – رغم الغياب الجسدي – شخصية مُلهمة ومحفزة وموجهة وعميقة، قادرة على فهم الواقع وإيجاد الحلول للمشاكل بصبر وحكمة وأناة وعقلانية. ويشكل الرسول العظيم نموذجاً للاقتداء والمحاكاة، فهو قائد واجه المشكلات والصعوبات وتحدى المعيقات، وانتفض ضد الظلم والعصبية والفوضى والفلتان والعدوان وسياسات القوة والإكراه والقسوة والتعذيب والقمع والإذلال والإهانة والحرمان والاجتثاث والانتقام والتطرف وغسل الأدمغة والغضب والاغتصاب والإهمال والفساد والانتهازية والوصولية.
إن طفولة الرسول صلى الله عليه وسلم وظروف نشأته تحتم علينا أن نتوقف عند الكثير من المحطات والتفاصيل حتى قبل البعثة النبوية، لكي نستنبط مفاهيم ودلالات مثل: الاعتماد على الذات، وتحمل المسؤولية، والكرامة، والحرية، والمساواة، والجمال، والعدل، وتفهم المواقف الاجتماعية والنفسية وتغييرها بحكمة، والتعاطف والتراحم والتواصل بين الناس، بالإضافة إلى أهمية الفرد والأسرة والمجتمع، والفكر النقدي، ومراجعة الأحداث وتقييمها والتعلم منها، والإخلاص والمثابرة، ومواجهة التابوهات والتقاليد الفاسدة.
وعندما بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم كان "المجتمع العربي كالبحيرة الراكدة". وفعلت بعثته – كما يقول البروفيسور محمود مزروعة –: "ما تفعله الصخرة الضخمة إذا ألقيت في قلب هذه البحيرة، فأثارت موجات متتابعة مركزها محل البعثة، ثم انتشرت تلك الموجات إلى كل الأنحاء شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، فقد حركت البعثة عقول الناس وأحيت موات قلوبهم، فأخذوا يتساءلون عن حقيقة آلهتهم، وعن حقيقة ما يدينون به...".
ولا يمكن الحديث عن الرسول القائد دون ذكر الهجرة، سواء إلى الحبشة أو إلى المدينة المنورة، حيث صيغت صحيفة المدينة التي نظمت العلاقة بين سكانها وأرست أسس بناء الحضارة الإسلامية. ويؤكد المفكر علي شريعتي في كتابه الهجرة والحضارة، وبعد تحليل ظهور حوالي ٢٧ حضارة منذ القدم حتى الآن، أنه لا يمكن أن تتشكل حضارة دون أن تسبقها هجرة.
وفي هذا المقام يحضرني ما قاله جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة في أول هجرة في الإسلام:
"أيها الملك: كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم، ونهانا عن الفواحش... فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله. فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان... فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك".
هذا النص من أقرب النصوص إلى قلبي، لأنه يعيدنا إلى اللحظات المؤسسة للإسلام. ومن خلال محاججة ومناظرة حقيقية، تحضر شخصية القائد (الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف ينظر إليه أتباعه) وتحضر الرؤية الواضحة للحياة من خلال الإسلام، وتحضر القيم الإنسانية التي يدعو لها الإسلام، كما تحضر الأخوة وشراكة الأهداف التي تتفوق على العصبية القبلية. وتتجلى التضحية والقناعة والمثابرة، والتواصل مع أصحاب الديانات الأخرى من أجل حياة أفضل للبشرية. ويحضر العدل وحسن الظن بالحاكم العادل، وتحضر القدرة والبلاغة في صياغة الأهداف والادعاءات الخارجة من قلب التجربة.
ما أحوجنا اليوم إلى استبطان القيم المذكورة في النص وترجمتها إلى ممارسات، وما أحوجنا أن نهاجر من عوالم العنف والكذب والقطيعة والانتهازية والفساد والكسل والتخاذل والغيبة والنميمة والظلم واللامبالاة والكراهية، إلى عوالم صدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار وعمل الفضيلة، وحفظ واحترام حقوق الضعيف، وعدم الاستقواء، وتعزيز الثقة بين القائد وجمهوره، ووضوح الرؤية، وعدم الانصياع للأوهام، والنظر إلى المستقبل، وعدم التنازل، واحترام الذات والآخر، والربط بين القول والعمل، والسعي نحو التغيير والإصلاح وتحمل المسؤولية.

مصدر الصورة المحامي علي حيدر


علينا أن نتذكر اللاجئين الفلسطينيين، وخصوصاً الذين يُهجرون كل يوم في قطاع غزة ويعانون ما لم يتحمله بشر في العصر الحديث، ونتذكر المهاجرين العرب وغيرهم ممن هُجروا من أوطانهم. هذه بعض المعاني التي يمكن أخذها من كل الهجرات في الإسلام، وهي دعوة للهجرة من الذات الفردية والجمعية إلى ذات فردية وجمعية أفضل.
لقد جعل الإسلام الأخلاق أساساً، و"ما كان الإسلام يوماً – كما يقول الدكتور جاسم محمد الدوري في كتابه آداب السلوك: محمد القدوة والمثال – مصدراً لخصام أو عدوان أو إراقة دماء أو تخريب ألفة، ولا كان صلى الله عليه وسلم يدعو إلى كراهية دينية أو تفرقة عنصرية أو حزبية، بل إلى إزالة التعصب والحقد وثأر الجاهلية، وإبدالها برحمة ورأفة ربانية. فالقرآن الكريم يرفع من كرامة الإنسان وقدسية حياته، ويضع كل العلاقات الإنسانية على قيم التراحم والتآخي والتعارف والعدل".
هذا قليل من كثير، فشخصية الرسول القائد – من حيث الصفات والممارسات والرؤية وإقناع الناس وتجنيدهم واتباعهم له عن طيب خاطر وقناعة وإيمان، وتوفير الموارد النفسية والاجتماعية والبشرية والمادية لتحقيق الرسالة التي أتت لتتمم مكارم الأخلاق – هي نموذج مميز في القيادة.
فأين "قادة العالم وخصوصاً قادة العرب والمسلمين" مما يحدث من قتل وتجويع وتهجير وإبادة وظلم لأطفال ونساء وشيوخ قطاع غزة؟! ألم ينكشفوا على الشمائل المحمدية والصفات القيادية؟
فلنستحضر شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في حياتنا اليومية في كل لحظة وآن، ففيها الدروس والعبر الكفيلة بإنارة الطريق، وخصوصاً في هذا الواقع الصعب والمركب الذي تعيشه أمتنا الإسلامية والشعوب العربية بشكل عام، والشعب الفلسطيني بشكل خاص، والعالم أجمع.

كل العرب المصدر: كل العرب
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا