نحو تمثيل سياسي ديمقراطي: لا للمحاصصة، نعم للجسم الناخب الشعبي
بقلم: محمد دراوشه
في كل دورة انتخابية جديدة، تعود الأحزاب العربية إلى طاولة المفاوضات محملةً بهمّ تجاوز نسبة الحسم، لا بهمّ تمثيل المجتمع العربي بشكل حقيقي. تتكرر مشاهد المحاصصة، وتُعاد صياغة التحالفات على أساس الحفاظ على مواقع حزبية، لا على أساس مشروع سياسي جامع. هذه الآلية، التي باتت تُدار كصفقة بين مكاتب حزبية، هي في جوهرها معطوبة، وتُكرّس أزمة التمثيل بدلًا من حلّها.
المحاصصة الحزبية ليست حلًا، بل هي جزء من المشكلة. هي محاولة لإبقاء أحزاب فقدت حضورها الشعبي على قيد الحياة، عبر توزيع المقاعد مسبقًا بين أطراف غير قادرة على اجتياز نسبة الحسم بقدراتها الذاتية. هذا النهج لا يُنتج عملًا سياسيًا حقيقيًا، ولا يُعيد الثقة للجمهور، بل يُعمّق الفجوة بين المواطن والعمل السياسي، ويُساهم في تراجع نسبة التصويت، كما شهدنا في الانتخابات الأخيرة.
أنا مع إقامة قائمة عربية واحدة، ولكن بشرط أن تكون قائمة ديمقراطية، تمثل المجتمع العربي بكل أطيافه، لا أن تكون تحالفًا مغلقًا بين جهات تحتكر المواقع السياسية وتمنع التمثيل الحقيقي. المطلوب ليس فقط وحدة شكلية، بل وحدة تستند إلى قواعد شعبية، تُعيد الاعتبار للعمل السياسي كأداة للتغيير، لا كوسيلة للبقاء في المشهد.
من هنا، أطرح فكرة إقامة جسم ناخب شعبي، يُشكّل أساسًا لاختيار ممثلي القائمة العربية الموحدة. هذا الجسم يجب أن يُبنى على قاعدة التمثيل السكاني لكل بلدة عربية، بحيث يُمنح كل تجمع سكاني عددًا من الأصوات يتناسب مع عدد سكانه. يتم انتخاب هؤلاء الممثلين محليًا، على غرار الانتخابات البلدية، مع الأخذ بعين الاعتبار القوائم التي لم تتجاوز نسبة الحسم، لضمان تمثيل أوسع.
هذه الآلية تُعيد القرار إلى الناس، وتُخرج الأحزاب من دائرة التفاوض المغلق إلى فضاء العمل الجماهيري. فبدلًا من أن تُقرّر المكاتب الحزبية من يدخل ومن يُقصى، يُصبح المواطن هو من يُحدد، وفقًا لعملية انتخابية شفافة وعادلة. كما أنها تُتيح الفرصة لتمثيل الشباب، والنساء، والمستقلين، وكل من يشعر اليوم أن العمل السياسي لا يُعبّر عنه.
إن بناء جسم ناخب شعبي ليس مهمة سهلة، ولكنه ضرورة تاريخية. فالمجتمع العربي في البلاد يمر بمرحلة دقيقة، تتطلب إعادة بناء الثقة، وتجديد الخطاب السياسي، وتوسيع دائرة المشاركة. لا يمكن أن نُواجه التحديات القادمة بذات الأدوات التي فشلت في الماضي. ولا يمكن أن نُعيد إنتاج ذات التحالفات التي أثبتت محدوديتها.
المطلوب اليوم هو شجاعة سياسية، تضع مصلحة الناس فوق مصلحة الأحزاب، وتُعيد الاعتبار للديمقراطية الداخلية، وتُؤسس لتمثيل حقيقي يُعبّر عن تطلعات المجتمع العربي، لا عن مصالح ضيقة. فالوحدة الحقيقية لا تُبنى على المحاصصة، بل على المشاركة، والعدالة، والشفافية.
ختامًا، أدعو كل القوى السياسية، وكل النشطاء، وكل من يؤمن بضرورة التغيير، إلى تبني هذا الطرح، والعمل على تحويله من فكرة إلى مشروع. فالمجتمع العربي يستحق تمثيلًا أفضل، ويستحق أن يكون شريكًا في صناعة القرار، لا مجرد متفرج على صفقات تُعقد باسمه.