في خضم الصراع العالمي الذي تخوضه إسرائيل ودوائرها الإعلامية والسياسية من أجل تحرير المخطوفين والأسرى الإسرائيليين من أيدي حركة حماس، أظهرت هذه الدولة، حكومةً وشعبًا، مدى إصرارها على قيمة الإنسان الإسرائيلي واليهودي. فقد بدت مستعدة لدفع أثمان باهظة، بل وحتى خوض مواجهات عسكرية طويلة المدى قد تتسع إقليميًا أو عالميًا، من أجل إعادة هؤلاء الأسرى، سواء أكانوا أحياءً أم أمواتًا، إلى ما يسمى بأرض إسرائيل. ويعكس هذا الإصرار قناعة راسخة لدى المجتمع الإسرائيلي بأن حياة الفرد اليهودي وكرامته لا تُقدَّران بثمن، وأن الأرض هنا ليست فقط موطنًا للعيش وإنما موطن أيضًا للموت والدفن.
ومن خلال هذا الخطاب، تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى ترسيخ فكرة أن الإنسان اليهودي يشكّل قيمة عليا يجب الحفاظ عليها مهما كانت التضحيات. هذه الرؤية تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مكانة الإنسان، يهوديًا كان أم عربيًا، في هذه البلاد. وفي هذا الصدد يمكن القول إن هذا النقاش المتعلق بحياة اليهودي إذا كان حيًا أو ميتًا ودفنه في هذه البلاد يتعلق، بطبيعة الحال، بتوطيد أسس الأسطورة الصهيونية، بحيث إن هذه الأسطورة غير واثقة من نفسها. وعلى مدى عشرات السنين تحاول القيادة الإسرائيلية إعطاء الانطباع بأن مكانة اليهودي، ولاحقًا الإسرائيلي، يجب أن تتجسّد بدفنه فقط في هذه البلاد.
وهكذا كانت المفاوضات مباشرة بعد كافة الحروب مع الدول العربية بعد أعوام 1956 و1967 و1973، ولاحقًا مع الأطراف الفلسطينية واللبنانية، حيث حاربت إسرائيل كثيرًا من أجل استرجاع جثث أسراها، ودَفعت أثمانًا غالية مقابل تلك الجثث. وفي عام 1982 تم تبادل أسرى بين إسرائيل والفلسطينيين، وكذلك في عام 1985 مع الجبهة الشعبية القيادة العامة، بقيادة أحمد جبريل. أما أكبر تبادل للأسرى فكان مع الأسير الحي جلعاد شاليط، حيث جرى الإفراج عنه مقابل 1150 فلسطينيًا، من بينهم يحيى السنوار.
لقد استطاعت إسرائيل أن تعطي الانطباع بأن الشخص الإسرائيلي، حيًا كان أم ميتًا، يساوي الكثير. وفي هذا الشأن اندلعت الصراعات والحروب بين الجانب الإسرائيلي والعربي. إلا أن ما حدث في السابع من أكتوبر أظهر تناقضًا، ففي الوقت الذي تعطي فيه إسرائيل انطباعًا بأن الأسرى الإسرائيليين يساوون الكثير، فإنها في حقيقة الأمر غير معنية بعملية تبادل حقيقية تفضي إلى إنهاء الحرب بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
ومما تعلمناه عن الحروب أنها تهديد للقيم الأساسية، لكنها محدودة بالوقت والزمان، ولها نهاية زمنية، وهذا ما حدث في المئات من المعارك والحروب التي وقعت بين الشعوب منذ القرون الوسطى وحتى اليوم. تبدأ الحرب عندما تُهدَّد القيم الاستراتيجية لطرفٍ ما، لكنها تكون محدودة المدة وتنتهي بعد فترة معينة. غير أن ما تفعله القيادة الإسرائيلية اليوم يعطي الانطباع بأن هذه الحرب لن تنتهي، وأن استمراريتها إلى ما لا نهاية.
ويمكن القول إن هناك عاملين أساسيين في هذه الرؤية. العامل الأول أن إسرائيل، في حقيقة الأمر، لم تحقق أهدافها الاستراتيجية من هذه المعركة التي يرى كثير من الأطراف والمحللين أنها بدأت منذ السابع من أكتوبر. واليوم تحتفل إسرائيل بمرور عشرين عامًا على انسحابها من غوش كتيف بقيادة أريئيل شارون، وقد جاء هذا الانسحاب مع ترك غزة محاصَرة وخاضعة لسيطرة تامة، إذ كانت تستورد القمح والطحين والغذاء والشراب عبر ميناء أشدود، كما أُغلق المطار الذي أقيم في غزة وأُغلقت المنافذ البحرية على مدى أكثر من عشرين عامًا أمام سكان القطاع. وقد وُضع نحو مليوني فلسطيني تحت حصار خانق أدى إلى مأزق اقتصادي كبير، وانعدام استقلال سياسي واقتصادي. وما أراده نتنياهو من ذلك هو تقوية حركة حماس لتكون عاملًا سياسيًا قويًا لا يتصالح مع السلطة الفلسطينية في رام الله بقيادة أبو مازن، وهو ما يمنع إقامة دولة فلسطينية، إلى أن انفجرت الأوضاع فيما وصلت إليه في السابع من أكتوبر.
أما العامل الثاني، الذي يسعى نتنياهو لتحقيقه، فهو استمرار هذه الحرب وطرد السكان وتنفيذ سياسة الترانسفير ضد سكان قطاع غزة من أجل تحقيق، في نهاية الأمر، دولة إسرائيل الكبرى التي لا يمكن أن تقوم داخلها أي بنية تسمى "دويلة فلسطينية" أو كيانًا فلسطينيًا. فوالده كان من مستشاري زئيف جابوتنسكي الذي آمن بأرض إسرائيل الكبرى، وقد قُتل أخوه في عملية عنتيبي عام 1976. وفي النهاية يريد نتنياهو تحقيق أحلام والده، تلميذ جابوتنسكي، المتعلقة بإقامة دولة إسرائيل الكبرى النقية واليهودية. وتتماثل هذه الفكرة مع التصور القائل إن الأسرى والمخطوفين اليهود يجب أن يكون موطنهم فقط في دولة اليهود، وأن على إسرائيل أن تخوض حربًا ضروسًا لتحقيق ذلك، ليكونوا في أرض إسرائيل الكبرى. وهذا ما يتماهى مع أحلام نتنياهو واستمراره في الحرب.