من رحم المعاناة تولد الفكرة.. كيف تحدت التونسية خديجة الجلولي الإعاقة الحركية؟
"رغم تجند الجميع لمساعدتي، كنت أشعر في أعماقي أنني أشكل عبئا عليهم، لأنني كنت أعتبر أن ذلك يتطلب منهم جهدا ووقتا مقتطعا من يومهم"، هذا ما باحت به خديجة الجلولي لـ DW عربية وهي تصف مشاعرها إزاء تكريس والدتها وشقيقها وقتهما للتنقل بها يوميا إلى مكان دراستها.
لكن من رحم المعاناة تولد الفكرة، وهنا تقول خديجة بحزم "قررتُ الاعتماد على نفسي والبحث عن حل يمكّنني من التنقل بشكل مستقل ودون مساعدة". فكيف كان مشوار خديجة للوصول إلى هذا الهدف؟
الحاجة أم الاختراع
أنهت خديجة دراستها الجامعية عام 2015 في اختصاص الصناعات الغذائية، لكنها لم تجد فرصة عمل تتناسب مع تكوينها، فاضطرت في البداية إلى العمل في مجال آخر بعيد عن اختصاصها. وأثناء المقابلات المهنية الأولية مع أصحاب المؤسسات، لمست ترددا في توظيفها بمجرد علمهم بأنها من ذوي الإعاقة.
تلزم القوانين المرتبطة بالتشغيل في تونس المؤسسات التي تضم 100 عامل فما فوق بتشغيل نسبة لا تقل عن 2% من طاقم العمال لديها، وتوظيف عامل على الأقل إذا كان عدد العمال يتراوح بين 50 و99 عامل.
خديجة جالولي: التنقل ليس مجرد وسيلة للنقل، بل هو "بوابة إلى الاستقلالية والكرامة والمشاركة الاجتماعية".صورة من: HAWKARلكن مع ذلك تقول خديجة إن المؤسسات لم تكن في الغالب منفتحة على هذه القوانين في عمليات التوظيف كما أن البنية التحتية ووسائل النقل العام لا تساعد ذوي الإعاقة على المجازفة والاقبال على المبادرة الخاصة.
وبين ما يضمنه القانون وما يعيشه الأشخاص ذوو الإعاقة في حياتهم اليومية، تبرز فجوة واضحة.
فالبنية التحتية في كثير من الأماكن لا تراعي خصوصيات مستخدمي الكراسي المتحركة: أرصفة غير مهيأة، وغياب المنحدرات والمصاعد، ومداخل يصعب الوصول إليها، فضلا عن محدودية التجهيزات الملائمة في بعض محطات النقل والحافلات وعربات المترو. والنتيجة أن حقاً مكفولا على الورق قد يتحول، في الواقع، إلى رحلة مليئة بالعوائق ، تجعل التنقل باستقلالية تحديا يوميا.
مع ذلك سعت خديجة الى التفكير خارج الصندوق. فبدل البحث عن وظيفة فكرت في إنشاء مشروعها الخاص، بدءا من عام 2016.
وبدأت خديجة جلولي وفق ما ترويه لـDW عربية، بالبحث أولا عن حلول لمشكلة التنقل التي تعيشها بنفسها، فهي تستخدم كرسيا متحركا ولا تملك رخصة قيادة. وبعد تواصلها مع أصحاب مشاريع مماثلة، تساءلت: لماذا لا أصنع السيارة بنفسي؟ وطرحت الفكرة على أشخاص من ذوي الإعاقة ، ولاحظت ترحيبا بها.
كان مخطط خديجة هو تفادي أخطاء المشاريع السابقة التي حاولت حل هذه المعضلة عبر تطوير استخدامات السيارات العادية لجعلها ملائمة لذوي الإعاقة وهو ما أدى دائما الى قصور ونقائص واضحة بسبب اختلاف الاحتياجات في صفوف من يعانون من صعوبات في الحركة.
لذلك أرادت خديجة تصميم سيارة تكون موجهة من البداية لمستخدم الكرسي المتحرك، بحيث تتيح له البقاء على كرسيه وتوفر له سهولة الحركة والرؤية والقيادة.
اختارت خديجة الجلولي أن تفكر خارج الصندوق. فبدلا من البحث عن وظيفة قررت أن تبدأ مشروعها الخاص في عام 2016. جزء من قصة "أربع عجلات نحو الحرية: قصة خديجة جالولي التي تحدت الإعاقة"صورة من: HAWKARلم تكن الانتقادات ونظرات المشككين كافية لثنيها عن التجربة. وتروي خديجة فكرتها لـDW عربية "لم أكن أخشى الفشل فقد اعتدت على مواجهة الانتقادات.. ولو كنت أعيرها اهتماماً، لكنت بقيت في بيتي".
وما كان يشغل بال خديجة كان يشكل تحديا للآلاف من ذوي الحركة المحدودة في مثل وضعها، وهو ما جعل المشروع يجد في بداياته تجاوبا غير متوقع ويمثل حلا طال انتظاره.
وتعكس الأرقام الرسمية بالفعل حجم الحاجة إلى مثل هذه الحلول. فوفق التعداد العام للسكان لعام 2024، يعيش في تونس نحو 375 ألف شخص بإعاقة شديدة، أي 3.3 بالمئة ممن تبلغ أعمارهم خمس سنوات فأكثر، فيما تبلغ نسبة من يواجهون صعوبات في المشي بدرجات مختلفة، 6.4 بالمئة، بحسب المعهد الوطني للإحصاء.
عربة خاصة لكل زبون
عام 2018، أسست خديجة شركتها الخاصة وأطلقت عليها اسم "هاوكار"، وهو اسم مشتق من اسم الصقر باللغة الإنجليزية. وينطوي على رمزية تشير إلى الحرية والاستقلالية، وهما القيمتان اللتان تسعى خديجة إلى منحهما للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية من خلال سيارتها، وفق الموقع الرسمي للشركة.
وتحرص خديجة عند التعريف بسيارتها بأنها مشروعه مختلف، فهي ليس سيارة اعتيادية أو عربة سيارة رباعية العجلات وإنما تشبه إلى حد ما عربات الغولف.
من الخلف، يكشف تصميم عربة "هاوكار" عن الفكرة التي قامت عليها: لا حاجة إلى مغادرة الكرسي المتحرك للدخول إلى العربة. وهناك باب خلفي واسع يتيح إدخال الكرسي مباشرة، قبل تثبيته في مكان مخصص أمام لوحة القيادة، ثم يربط السائق حزام الأمان. أما أدوات التحكم، فيمكن تكييفها وفق احتياجات كل مستخدم بشكل مختلف عن الآخرين؛ إذ يمكن تركيب دواستي التسارع والفرامل على اليمين أو اليسار، وكذلك تغيير موقع المقود.
يكشف تصميم مركبة "هوكار" عن الفكرة الكامنة وراءها: فلا حاجة إلى النزول من الكرسي المتحرك للصعود إليها.صورة من: HAWKARوتتميز العربة بزجاج أمامي يغطي مساحة كبيرة حتى تتيح للسائق رؤيا أكثر وضوحا للطريق. وتعرض لوحة القيادة بيانات أساسية، من بينها مستوى شحن البطارية والسرعة، كما تتحقق من شروط السلامة، مثل إغلاق الباب بإحكام وثبات الكرسي، قبل السماح للعربة بالتحرك.
وتُشحن "هاوكار" من مقبس كهربائي منزلي، كما يتيح تصميمها إمكانية الركن بشكل عرضي لتسهيل النزول مباشرة على الرصيف، إلى جانب طريقة الركن التقليدية. ولا يتوقف العمل عند التصميم الحالي، إذ يطور الفريق حالياً المستوى الأول من أنظمة مساعدة السائق، فيما يجري العمل على مستوى ثانٍ بالتعاون مع شركاء المشروع.
يحظى المشروع بدعم من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي والشركة الفرنسية المتخصصة في الحلول الإلكترونية لقطاعات النقل والطاقة والمركز الدولي للنهوض بالأشخاص ذوي الإعاقة والصندوق التونسي للتأمين التعاوني الفلاحي.
اعتراف محلي ودولي
نجحت خديجة في الحصول على رخصة القيادة وقد عرضت النسخة الأولى من عربتها أمام عيون وعدسات المصورين والصحفيين والنشطاء وممثلي الشركات والجمعيات وبعض الأشخاص من ذوي الحركة المحدودة ، خلال شهر سبتمبر/أيلول الماضي، في القطب التكنولوجي بالغزالة القريب من العاصمة.
وقبل ذلك جاء الاعتراف مبكرا من الخارج، فقد فازت خديجة بجائزة الأثر الاجتماعي من النمسا في أكتوبر/تشرين الأول عام 2017 وجائزة الكرة الأرضية للطاقة العالمية والتي تُمنح للمشاريع المستدامة والصديقة للبيئة عام 2021.
وفي يونيو/حزيران 2024 وقفت خديجة ممثلةً للشباب في الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مقر منظمة الأمم المتحدة بنيويورك، لعرض تجربتها. وقالت يومها إن التنقل ليس مجرد وسيلة نقل، بل "بوابة نحو الاستقلالية والكرامة والمشاركة الاجتماعية". ودعت إلى مضاعفة الجهود الدولية لإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة وإشراكهم في القرارات المتعلقة بإيجاد حلول للتحديات التي يواجهونها.
كما أُدرج اسم خديجة عام 2026 ضمن قائمة "الأصوات النسوية البارزة في مجال الأعمال".
ماذا بعد الاختبار
لا تزال العربة اليوم في طور الاختبار والتجربة. وتقول خديجة إن الشركة ستقدم، قريباً خلال شهري نوفمبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول، عرضا لاختبارات القيادة على العموم لتجربتها وتقديم الملاحظات.
يكشف تصميم مركبة "هوكار" عن الفكرة الكامنة وراءها: "قصة خديجة الجلولي التي تحدت الإعاقة"صورة من: HAWKARوتتطلع خديجة إلى أبعد من ذلك، حيث أطلعت DW عربية رغبتها في تصدير العربة إلى دول افريقية، خاصة تلك التي تعتمد نظام المدن الذكية، حيث يحتاج كبار السن وذوو الحركة المحدودة إلى هذا النوع من العربات.
ولا تقتصر منتجات الشركة على العربة، إذ يعمل فريقها على تطوير منتج ثانٍ وهي عجلات مستوحاة من عجلات الدراجات الكهربائية، جرى تكييفها لتُركّب مباشرة على الكرسي المتحرك، بما يمنح مستخدمه قدرة أكبر على الحركة والاستقلالية. وتختتم خديجة حديثها بنبرة تختصر حجم طموحها وإصرارها: "نطمح إلى أن نكون روّاد التنقل الكهربائي للأشخاص ذوي الإعاقة".