أعادت الانتخابات المغربية لعام 2026 ترتيب مواقع القوى السياسية داخل مجلس النواب، لكنها لم تؤد إلى توسع مماثل في قاعدة المشاركة السياسية. وبين صعود حزب الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى، والتراجع الكبير للتجمع الوطني للأحرار، والعودة اللافتة لحزب العدالة والتنمية، برزت خريطة حزبية جديدة لا يمكن تفسيرها بعدد المقاعد وحده، بل بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها حجم الأصوات، وقوة التنظيم، والجغرافيا الانتخابية، ونفوذ المرشحين محليا، والقواعد التي تحكم تحويل الأصوات إلى مقاعد.

وتتناول الورقة البحثية "تشريعيات المغرب 2026، دلالات النتائج وإعادة تشكيل المشهد السياسي"، لـ عبد الرفيع زعنون، الباحث المشارك بالمعهد المغربي لتحليل السياسات، هذه التحولات من خلال سؤال يتجاوز تحديد الفائز في اقتراع 23 سبتمبر/أيلول 2026، إلى البحث في طبيعة التغيير الذي أصاب موازين القوة، هل أعادت الانتخابات ترتيب مواقع الأحزاب فقط، أم امتد أثرها إلى آليات إنتاج القوة الانتخابية وتحويلها إلى تمثيل برلماني وقدرة على بناء التحالفات والتأثير في القرار السياسي؟

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 ما بعد هرمز.. سوريا بوابة الخليج نحو المتوسط وأوروبا
* list 2 of 2 ماذا يريد الناخب الإسرائيلي؟ end of list

وجاء الاقتراع في سياق سياسي واجتماعي اتسم بمفارقة بين توسع استحقاقات "الدولة الاجتماعية" وتسارع المشروعات الاستثمارية الكبرى من ناحية، وضغوط القدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات العامة من ناحية أخرى. وعلى الرغم من أن الحكومة السابقة استندت إلى أغلبية برلمانية واسعة وفرت لها استقرارا عدديا، فإن هذا الامتداد داخل المؤسسات لم يقابله حضور اجتماعي مماثل، في ظل تحديات تتعلق بقدرة الأحزاب على تجديد أدوات التأطير والوساطة وبناء علاقات أكثر استقرارا مع الفئات الاجتماعية المختلفة، ولاسيما الشباب.

مصدر الصورة عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلال تجمع انتخابي قبيل الانتخابات التشريعية في الرباط، المغرب (أسوشيتد برس)

من الحملة إلى الصندوق.. كيف تغيرت موازين القوة؟

لم تحدث انتخابات 2026 قطيعة مع الهندسة الانتخابية التي استقرت منذ اقتراع 2021؛ فقد استمر نظام التمثيل النسبي وإلغاء العتبة واحتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين بدلا من المصوتين، مع توزيع المقاعد المتبقية وفقا لقاعدة أكبر البقايا. وأسهمت هذه القواعد في توسيع التمثيل الحزبي والحد من احتكار القوى الكبرى للمقاعد، لكنها زادت أيضا حدة التنافس على المرشحين أصحاب النفوذ المحلي، حتى أصبح انتقال المنتخبين بين الأحزاب أحد موضوعات السجال الانتخابي.

إعلان

وظل مجلس النواب مكونا من 395 عضوا، منهم 305 أعضاء عن الدوائر المحلية و90 عن الدوائر الجهوية المخصصة للنساء. واتجهت إصلاحات 2026 كذلك إلى تسهيل دخول الشباب إلى المنافسة، ولاسيما بعد أن أعادت احتجاجات جيل "زد" مطالب هذه الفئة إلى الواجهة. وسهلت شروط الترشح المستقل لمن تقل أعمارهم عن 35 عاما، مع اشتراط 200 توقيع على الأقل عن كل مقعد مخصص للدائرة، فضلا عن دعم مالي يصل إلى نحو 75% من مصاريف الحملات الشبابية المستوفية للشروط القانونية. كما توسعت حالات عدم الأهلية المرتبطة بالجرائم الماسة بنزاهة الانتخابات، وارتفع سقف مصاريف الحملة إلى 600 ألف درهم مع تشديد متطلبات التصريح بالإنفاق ومراقبة التمويل.

وفرضت البطالة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية نفسها على البرامج الانتخابية، لكن الحضور المكثف لهذه القضايا لم ينتج اختلافا جوهريا بين أحزاب الأغلبية السابقة حول الاتجاهات العامة للسياسات. فقد تقاطعت برامجها حول ترسيخ الدولة الاجتماعية، وإصلاح الصحة والتعليم، وتحفيز الاستثمار والتشغيل، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، واستكمال المنشآت المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.

وفي المقابل، حاولت بعض قوى المعارضة نقل المنافسة من الاختلاف حول السياسات إلى مساءلة البيئة السياسية والمؤسساتية التي تصنع فيها هذه السياسات. فجمع العدالة والتنمية بين القضايا الاجتماعية والمطالبة بالإصلاح السياسي وتكريس الاختيار الديمقراطي، وربط التقدم والاشتراكية مطالبه الاقتصادية والاجتماعية بتوسيع الحريات وتقوية دولة المؤسسات وتخليق الحياة العامة، بينما وضع تحالف اليسار مقترحاته في إطار أوسع لإصلاح العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وانعكس هذا التمايز على الخطاب الانتخابي. فقد اعتمد العدالة والتنمية على إعادة التعبئة التنظيمية وشخصنة الخطاب، مع التركيز على ملفات الفساد والإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، بينما دعا التقدم والاشتراكية إلى "تصويت عقابي" يحاسب مكونات الأغلبية على حصيلتها، وركز تحالف اليسار على الفصل الفعلي للسلطات وإجراءات أكثر جذرية لتحقيق العدالة الاجتماعية.

ولم تدخل مكونات الأغلبية السابقة الحملة باعتبارها كتلة واحدة تدافع عن حصيلة حكومية مشتركة. فقد دافع التجمع الوطني للأحرار عن حصيلة خمس سنوات من الحكم، بينما سعى الأصالة والمعاصرة والاستقلال إلى إظهار مسافة أكبر تجاه بعض الخيارات التي أثارت استياء اجتماعيا. وبذلك تحولت الحملة، في جانب منها، إلى منافسة بين شركاء الحكومة السابقة على توزيع المسؤولية عن حصيلتها، وليس فقط إلى مواجهة بين الأغلبية والمعارضة.

وكانت شبكات التواصل الاجتماعي حاضرة بقوة في الحملات، سواء في بناء صور القيادات والمرشحين أو نشر الرسائل والرد على الخصوم، لكنها لم تلغ أهمية العمل الميداني. فالحضور الرقمي لا يتحول تلقائيا إلى أصوات، وظلت النتيجة مرتبطة بقدرة الأحزاب والمرشحين على نقل التفاعل الإلكتروني إلى تعبئة حقيقية داخل الدوائر الانتخابية.

وتقوم إحدى أهم أفكار الورقة على التمييز بين ثلاثة مستويات للقوة الانتخابية، قوة تصويتية يقيسها عدد الأصوات، وقوة برلمانية يقيسها عدد المقاعد، وقوة ائتلافية تتحدد بموقع الحزب في مفاوضات تشكيل الحكومة. ولا تتطابق هذه المستويات بالضرورة؛ فقد يخسر حزب جزءا من أصواته، لكنه يزيد عدد مقاعده، وقد يمتلك حزبا آخر كتلة برلمانية كبيرة من دون أن تتحول بالضرورة إلى الوزن نفسه في عملية تشكيل الحكومة.

مصدر الصورة قيادات من حزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة خلال مؤتمر صحفي عقب مشاورات سياسية لتشكيل الحكومة الجديدة (الأوروبية)

وبهذا المقياس، أحدثت انتخابات 2026 تغييرا واضحا في ترتيب الأحزاب. فقد انتقل حزب الأصالة والمعاصرة من المركز الثاني إلى الأول، وارتفع رصيده من 87 إلى 97 مقعدا، بينما سجل التجمع الوطني للأحرار أكبر تراجع، فانخفض من 102 إلى 66 مقعدا. وفقد حزب الاستقلال 16 مقعدا ليستقر عند 65 مقعدا، في حين حقق العدالة والتنمية عودة كبيرة، فانتقل من 13 إلى 54 مقعدا، مستعيدا جزءا مهما من وزنه البرلماني بعد تراجعه في انتخابات 2021.

إعلان

لكن مقارنة الأصوات تكشف صورة أكثر تعقيدا. فقد ارتفع رصيد العدالة والتنمية في الدوائر المحلية من 322,758 صوتا عام 2021 إلى 696,031 صوتا عام 2026، بزيادة بلغت نحو 115.7%، بينما هبط رصيد التجمع الوطني للأحرار من 2,099,036 إلى 718,630 صوتا، بانخفاض بلغ نحو 65.8%. كما تراجع الأصالة والمعاصرة بنحو 25.5%، والاستقلال بنحو 41.2%.

وهنا تظهر واحدة من أبرز مفارقات النتائج، تصدر الأصالة والمعاصرة البرلمان وزيادة عدد مقاعده، رغم انخفاض كتلته التصويتية. وهي مفارقة تبرز أثر الهندسة الانتخابية وتوزيع الأصوات والجغرافيا الانتخابية في تحديد النتيجة النهائية، وتؤكد أن ترتيب الأحزاب بحسب المقاعد لا يقدم وحده الصورة الكاملة لموازين القوة.

كما تراجع مجموع مقاعد الأحزاب الثلاثة التي شكلت الحكومة السابقة من 270 مقعدا عام 2021 إلى 228 مقعدا في 2026، بفارق 42 مقعدا، لكنها احتفظت مجتمعة بالقدرة الحسابية على تجاوز الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعدا.

ولا ترى الورقة أن هذه النتائج يمكن اختزالها في "عقاب انتخابي" للحكومة السابقة. فلو تعامل الناخبون مع أحزابها الثلاثة باعتبارها كتلة واحدة مسؤولة عن الحصيلة، لكان التراجع أكثر تقاربا بينها. لكن جانبا كبيرا من الانتقادات المتعلقة بالغلاء وتضارب المصالح تركز على التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة عزيز أخنوش، بينما حاول الأصالة والمعاصرة خلال الحملة اتخاذ مسافة من بعض الخيارات الحكومية التي أثارت استياء اجتماعيا. ومن ثم تداخل في تحديد النتائج الأداء السياسي، والقدرة التنظيمية، والنفوذ المحلي للمرشحين، وفاعلية شبكات التعبئة.

غير أن الرقم الذي يغير زاوية قراءة الانتخابات كلها هو نسبة المشاركة. فقد تراجعت من 50.18% عام 2021 إلى 38.02% عام 2026. ولم ينخفض معدل المشاركة وحده، بل تقلص عدد المسجلين من نحو 17.5 مليون ناخب إلى 15.8 مليونا، بانخفاض يناهز 1.7 مليون مسجل. ومع اجتماع الظاهرتين، انخفض عدد المصوتين من نحو 8.8 ملايين إلى قرابة ستة ملايين.

ولا تختزل الورقة هذا العزوف في كونه احتجاجا سياسيا غير معلن، بل تربطه بعوامل متعددة، في مقدمتها تراجع جاذبية العرض الحزبي واتساع الفجوة بين التحولات الاجتماعية وأدوات التأطير والوساطة. ويكشف ضعف انخراط الشباب انتخابيا جانبا من المشكلة؛ إذ لم تمثل الفئة العمرية بين 18 و24 عاما سوى نحو 4% من مجموع المسجلين.

ويصبح انخفاض المشاركة نفسه عاملا مؤثرا في النتيجة؛ فكلما ضاقت قاعدة المصوتين ازدادت أهمية قدرة الأحزاب على تعبئة الناخبين الأكثر استعدادا للذهاب إلى الصندوق. ومن هذه الزاوية، استفاد العدالة والتنمية وتحالف اليسار بصورة أكبر من حضورهما التنظيمي، بينما استندت معظم الأحزاب الأخرى بدرجة أكبر إلى النفوذ المحلي للمرشحين وشبكات الأعيان.

وتضيف الجغرافيا الانتخابية بعدا آخر إلى تفسير النتائج. فبحسب التقديرات التي تعتمدها الورقة، ينتمي 222 نائبا من أصل 395 إلى دوائر يغلب عليها الطابع القروي، في حين يتركز نحو 63% من السكان في المدن. ويأتي نحو 65% من نواب الأصالة والمعاصرة من هذه الدوائر، ونحو 60.5% من نواب التجمع الوطني للأحرار، بينما ينتمي نحو 80% من نواب العدالة والتنمية إلى دوائر حضرية.

وهكذا تظهر طريقتان مختلفتان لإنتاج القوة الانتخابية، نموذج تبرز فيه إعادة تعبئة القاعدة الحزبية والخطاب السياسي بصورة أكبر، كما في حالة العدالة والتنمية، ونموذج تتداخل فيه قوة الحزب مع قوة المرشح وشبكاته المحلية، كما يظهر بدرجة أكبر لدى الأصالة والمعاصرة.

وظل العامل الشخصي مؤثرا بدوره. فقد عزز عبد الإله بنكيران الحضور التعبوي للعدالة والتنمية، وظل عزيز أخنوش بارزا في حملة التجمع الوطني للأحرار رغم انتخاب محمد شوكي رئيسا للحزب، بما أبقى الحزب مرتبطا بصورة رئيس الحكومة وحصيلتها. أما الأصالة والمعاصرة، فعزز موقعه بانضمام فوزي لقجع، مستفيدا من رصيده الجماهيري وخبرته في إدارة الشأن المالي العام.

إعلان

ولا تنفصل هذه العوامل عن أثر النظام الانتخابي. فقد أظهرت محاكاة للنتائج على أساس الأصوات الصحيحة وعتبة 3% أن توزيع المقاعد كان سيختلف في 13 دائرة من أصل 104، مع إعادة توزيع 25 مقعدا. وكان الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية سيحققون مكاسب إضافية مقابل تراجع تمثيل بعض القوى الأصغر، بما يدعم فرضية أن القواعد المعمول بها حدت من تحول التفوق التصويتي لبعض الأحزاب إلى مكاسب مماثلة في المقاعد.

مصدر الصورة رئيس الوزراء المغربي عزيز أخنوش (أرشيفية -غيتي)

من الصندوق إلى الحكومة.. ثلاث خرائط محتملة للأغلبية

بعد إعلان النتائج، انتقلت المنافسة من صناديق الاقتراع إلى عملية تشكيل الحكومة. فالفصل 47 من الدستور يجعل تصدر انتخابات مجلس النواب أساسا لتعيين رئيس الحكومة، بينما يشترط الفصل 88 حصول الحكومة على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، أي 198 صوتا من أصل 395.

ومنح حصول الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدا الحزب موقع المبادرة، لكنه أبقاه بعيدا عن القدرة على تشكيل الحكومة منفردا. وبعد تعيين الملك محمد السادس، في 29 سبتمبر/أيلول 2026، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيلها، لم يعد السؤال متعلقا بمن سيقود الحكومة، وإنما بمن سيشارك فيها، وما التوازنات التي ستقوم عليها الأغلبية الجديدة.

فقد انتقل الأصالة والمعاصرة من موقع الشريك الثاني في الأغلبية السابقة إلى موقع الحزب المتصدر، بينما فقد التجمع الوطني للأحرار الصدارة التي مكنته من قيادة الحكومة، لكنه احتفظ بكتلة من 66 نائبا تمنحه وزنا تفاوضيا مهما. أما الاستقلال، فعلى الرغم من تراجعه، فقد حافظ على 65 مقعدا، بما يتيح له التحرك بين أكثر من صيغة ائتلافية.

وترسم الورقة ثلاثة مسارات رئيسية أمام تشكيل الحكومة. يقوم الأول على "الاستمرارية المعدلة"، أي إعادة إنتاج الائتلاف السابق نفسه بقيادة الأصالة والمعاصرة، إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، بإجمالي 228 مقعدا. وتوفر هذه الصيغة قدرا من الاستمرارية في إدارة المشروعات والسياسات التي عملت عليها الأحزاب الثلاثة خلال الولاية السابقة، كما تقلل كلفة التفاوض على برنامج جديد بحكم خبرتها في الحكم معا.

لكن المشكلة السياسية في هذا الخيار هي أن الأصالة والمعاصرة سيكون مطالبا بالتوفيق بين قيادة الحكومة والحفاظ على التمايز الذي بناه عن شريكيه أثناء الحملة. كما سيجد التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام تحول كبير في موقعه، من حزب يقود الحكومة إلى حزب يشارك فيها تحت قيادة شريكه السابق.

أما المسار الثاني فيقوم على تغيير الشركاء مع الإبقاء على قدر من الاستمرارية في التوجهات العامة، من خلال أغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري، بإجمالي 208 مقاعد، أي بفارق عشرة مقاعد عن عتبة التنصيب. ويمكن توسيع الإسناد البرلماني بانضمام الحركة الديمقراطية الاجتماعية، ليرتفع إلى 216 مقعدا.

ومن شأن هذه الصيغة أن تمنح الأصالة والمعاصرة قدرة أكبر على إدارة التوازنات الداخلية للحكومة؛ إذ يؤدي خروج التجمع الوطني للأحرار إلى جعل الاستقلال الشريك الكبير الوحيد إلى جانبه، بينما تدخل بقية المكونات بأوزان برلمانية محدودة. وفي المقابل، ينتقل الأحرار إلى المعارضة بكتلة برلمانية كبيرة نسبيا.

ويقوم المسار الثالث على تشكيل أغلبية موسعة، من خلال الانفتاح على الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، بحيث يتراوح حجمها، بحسب تركيبتها، بين 210 و236 مقعدا. ولا تتحدد أهمية هذه الصيغة بحجم الأغلبية فقط، وإنما بما يترتب عليها من إعادة تشكيل المعارضة؛ فكل قوة تنتقل منها إلى الحكومة تقلص قاعدتها وتغير توازناتها.

وتبرز ضمن الاحتمالات أغلبية تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي، وهي صيغة تعني بناء أغلبية جديدة خارج الائتلاف السابق، وإعادة رسم خطوط التماس بين الحكومة والمعارضة.

لكن تشكيل أغلبية برلمانية واسعة لا يلغي مشكلة أخرى تلفت إليها الورقة، الحكومة المقبلة، مهما بلغ عدد النواب الذين يؤيدونها، ستنبثق من انتخابات شاركت فيها نسبة أقل من الناخبين مقارنة بعام 2021. ولهذا لا يتعلق التحدي فقط بالوصول إلى عتبة 198 نائبا، وإنما بقدرة الحكومة على تحويل شرعيتها البرلمانية إلى سند سياسي واجتماعي أوسع.

مصدر الصورة نشطاء مغاربة من «مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين» خلال وقفة أمام البرلمان في الرباط دعما للشعب الفلسطيني ورفضا للتطبيع مع إسرائيل (الأوروبية)

الأحزاب تحتفظ بالبرلمان.. لكن المجتمع يتحرك خارجها

لا تقف دلالات الانتخابات عند تغيير الحزب المتصدر أو إعادة بناء الأغلبية، بل تمتد إلى طبيعة عمل النظام الحزبي نفسه. فقد أفرز الاقتراع برلمانا تتوزع فيه القوة بين أكثر من مركز، بما يجعل التفاوض وإعادة بناء التوازنات والمساءلة جزءا أساسيا من التفاعلات السياسية خلال الولاية الجديدة.

إعلان

وسيكون أداء المعارضة جزءا من هذا الاختبار. فوجود العدالة والتنمية وتحالف اليسار في المعارضة، مع احتمال بقاء التقدم والاشتراكية خارج الحكومة، يمكن أن يمنح المعارضة وزنا وتنوعا أكبر، ويفتح المجال أمام بناء تقاطعات حول قضايا الإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية والحكامة والحقوق والحريات. لكن العدد وحده لا يضمن الفاعلية؛ إذ يتوقف الأمر على قدرة هذه القوى على تحويل حضورها البرلماني إلى اقتراح ورقابة ومساءلة.

وفي الوقت نفسه، تؤكد النتائج أن الأحزاب ما زالت البوابة الرئيسية للولوج إلى البرلمان. فعلى الرغم من المقتضيات التي وسعت إمكان الترشح خارج التنظيمات الحزبية، لم تتجاوز اللوائح غير المنتمية حزبيا لائحتين من أصل 1850 لائحة. ويعكس ذلك طبيعة المنافسة التي تحتاج إلى تزكية سياسية وشبكات تعبئة وموارد تنظيمية وقدرة ميدانية على إدارة الحملة، وهي إمكانات تجعل التنظيم الحزبي الطريق شبه الوحيد إلى المؤسسة التشريعية.

وظهرت من داخل الأحزاب نفسها مؤشرات على تجدد جزئي في النخب، مع نجاح عدد من المرشحين الشباب في الفوز بمقاعد في دوائر محلية تنافسية، بينهم مرشحون في بداية العشرينات يخوض بعضهم تجربته الانتخابية الأولى. لكن الاختبار التالي سيكون قدرتهم على تحويل الحضور الانتخابي إلى ممارسة تمثيلية ذات مصداقية، وما إذا كان ذلك سيمهد لتعزيز مشاركة الشباب في الانتخابات الجماعية والجهوية المقررة في 2027.

غير أن المفارقة الأهم تتمثل في أن استمرار مركزية الأحزاب في إنتاج التمثيل السياسي لا يعني أنها ما زالت تحتفظ بالمركزية نفسها في إنتاج المطالب الاجتماعية. فقضايا القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم أصبحت تتبلور في أحيان كثيرة في الفضاء الرقمي ومن خلال أشكال التعبير والاحتجاج المجتمعي قبل أن تصل إلى الأحزاب وبرامجها.

وهكذا بات المشهد موزعا بين مجال مؤسساتي تتنافس فيه الأحزاب على المواقع الحكومية والبرلمانية، ومجال اجتماعي ورقمي ينتج المطالب والضغوط خارج قنوات الوساطة التقليدية. ويصبح أحد التحديات الرئيسية أمام الأحزاب خلال المرحلة المقبلة هو ردم الفجوة بين حركة المجتمع وعمل المؤسسات، والتقاط هذه المطالب وتحويلها إلى برامج ومبادرات وقرارات، بدلا من استدعائها فقط خلال الحملات الانتخابية.

مصدر الصورة داخل مركز اقتراع خلال الانتخابات التشريعية في الرباط، المغرب (أسوشيتد برس)

ويزيد صعود الأعيان والمرشحين أصحاب النفوذ المحلي من تعقيد هذه المشكلة. فاستقطاب شخصية تمتلك شبكة انتخابية جاهزة يمكن أن يمنح الحزب مكسبا سريعا، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى بناء قاعدة حزبية مستقرة، لأن جزءا من القوة الانتخابية يظل مرتبطا بالمرشح وشبكته أكثر من ارتباطه بالتنظيم.

وتنشأ من هنا مفارقة بين الحزب بوصفه مؤسسة يفترض أن تنتج النخب وتبني استمرارية تنظيمية وسياسية على المدى الطويل، وبين حاجته إلى استقطاب شخصيات ذات حضور انتخابي جاهز لتعزيز قدرته التنافسية على المدى القصير.

ولهذا تكتسب الانتخابات المحلية المقبلة أهمية خاصة؛ فهي ستختبر قدرة الأصالة والمعاصرة على تحويل صدارته في مجلس النواب إلى امتداد أقوى داخل الجماعات والجهات، كما ستختبر قدرة العدالة والتنمية على نقل عودته البرلمانية إلى حضور محلي أوسع واستعادة جزء من موقعه في إدارة الشأن الترابي.

وتمتد المسألة إلى طبيعة السلطة التنفيذية نفسها. فثقل المشروعات الإستراتيجية والضغوط الاجتماعية يزيد الحاجة إلى مسؤولين يجمعون الخبرة الإدارية بالغطاء السياسي والقدرة على التواصل وتحمل تبعات القرار. ولهذا لا ترى الورقة أن المعضلة يمكن اختزالها في الاختيار بين "السياسي" و"التكنوقراطي".

فالمحاصصة الحزبية لا تضمن وحدها الكفاءة في إدارة الملفات المعقدة، كما أن توسيع حضور الكفاءات التقنية من دون وضوح مسؤوليتها السياسية يمكن أن يزيد المسافة بين صناعة القرار وآليات المحاسبة. ومن ثم، يصبح الرهان متعلقا بقدرة الحكومة على بناء سلطة تنفيذية يكون فيها موقع القرار واضحا، والمسؤول عن نتائجه قابلا للتحديد والمساءلة أمام البرلمان والناخبين.

وتخلص الورقة إلى أن انتخابات 2026 أحدثت إعادة ترتيب مهمة للمشهد السياسي المغربي أكثر مما أحدثت قطيعة معه. فقد تغيرت مواقع القوى الرئيسية، وانتقلت الصدارة إلى الأصالة والمعاصرة، وعاد العدالة والتنمية بقوة، وتراجع التجمع الوطني للأحرار، وأصبحت عملية بناء التحالف الحكومي نفسها مجالا جديدا لإعادة توزيع القوة.

لكن هذه التحولات حدثت من دون توسع في قاعدة المشاركة؛ بل تراجعت نسبة المشاركين وعدد المسجلين، وظل انخراط الشباب محدودا. كما أظهرت النتائج أن القوة الانتخابية لا يصنعها اسم الحزب وحده، وإنما تنتج من تفاعل الأداء السياسي والتنظيم والقدرة على التعبئة والجغرافيا الانتخابية والحضور المحلي للمرشحين والقواعد التي تحول الأصوات إلى مقاعد.

ومن هنا، لن يكون المعيار الحقيقي لقياس أثر انتخابات المغرب 2026 هو فقط الحزب الذي تصدر أو أسماء الأحزاب التي ستدخل الحكومة، وإنما ما إذا كانت إعادة توزيع القوة داخل البرلمان ستنتقل إلى طريقة عمل المؤسسات وعلاقتها بالمجتمع.

فالمفارقة التي تتركها الانتخابات واضحة، المنافسة بين الأحزاب على السلطة أصبحت أشد، بينما أصبحت قاعدة المشاركين في اختيار هذه السلطة أضيق؛ والأحزاب ما زالت تملك الطريق إلى البرلمان، في الوقت الذي يتشكل فيه جانب متزايد من المطالب والضغوط الاجتماعية خارج قنواتها التقليدية.

_______________

الدراسة كاملة (اضغط هنا)