أدى هجوم خاطف شنه الحوثيون المتحالفون مع إيران في سبتمبر إلى بسط الجماعة سيطرتها على معظم الساحل اليمني للبحر الأحمر، ومنحها نفوذاً على أحد الممرات البحرية الاستراتيجية في واحد من أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم.

ويحذر خبراء من أن مكاسب الحوثيين الإقليمية قد تصب أيضاً في مصلحة اثنين من أخطر فروع تنظيم القاعدة: تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية (AQAP) وحركة الشباب في الصومال.

وخلال هجوم استمر 5 أيام، استولت قوات الحوثيين على ميناء المخا، واجتاحت بلدة ذباب الساحلية وجزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم جزيرة بريم، في مضيق باب المندب. وبحلول 14 سبتمبر، كان الحوثيون أحكموا سيطرتهم على جزيرتي حنيش الكبرى وحنيش الصغرى، وهما جزء من أرخبيل استراتيجي في البحر الأحمر.

وأدى التقدم الحوثي السريع، الذي أفادت تقارير بأنه جاء بتوجيه من مستشارين إيرانيين، إلى اختراق الخطوط الدفاعية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والمرتبطة بشكل وثيق بالسعودية، والتي اضطلعت بدور رئيسي في عمليات مكافحة الإرهاب ضد تنظيم القاعدة.

واحتفى الحرس الثوري الإيراني، وهو القوة النافذة في إيران والتي تصنفها وزارة الخارجية الأميركية، إلى جانب الحوثيين، كمنظمة إرهابية أجنبية، بهذه الانتصارات ووصفها بأنها “ نصر إلهي “.

ويقول خبراء إن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وحركة الشباب في القرن الأفريقي، وهما مدرجان على القائمة الأميركية للتنظيمات الإرهابية، قد يستفيدان من تقدم الحوثيين الذي دفع الحكومة اليمنية إلى الخروج من الساحل المطل على البحر الأحمر.

وقالت سمر أحمد، وهي محللة في شؤون الصراع اليمني مقرها واشنطن: “هذا التوسع الإقليمي يمنح تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وحركة الشباب هامشاً غير مسبوق للتحرك، ووصولاً مباشراً إلى مراكز لوجستية خاضعة لسيطرة الحوثيين”.

ومع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز بسبب الحرب مع إيران، ازدادت أهمية باب المندب.

ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، مر عبر المضيق نحو 5.6 مليون برميل من النفط يومياً خلال الربع الأول من عام 2026 ، ارتفاعاً من 3.9 مليون برميل يومياً في الفترة نفسها من العام السابق.

ويمر نحو 14% من التجارة البحرية العالمية و30% من حركة الحاويات عبر البحر الأحمر، وفق تقرير صدر عام 2024 عن المنتدى الدولي للنقل التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

ومن يسيطر على شواطئ المضيق يمتلك نفوذاً على أحد الشرايين الاقتصادية الرئيسية في العالم. وعلى الجانب اليمني، أصبح الحوثيون الطرف المسيطر الآن، وهو ما قد يعود بالفائدة أيضاً على فروع تنظيم القاعدة.

مصدر الصورة

تحالف قائم على المصالح

بسبب العداء التاريخي لتنظيم القاعدة تجاه الشيعة، لا يُعد التنظيمان حليفين طبيعيين. لكن منذ عام 2023، تحدث خبراء الأمم المتحدة عن علاقة متنامية قائمة على المصالح بين الحوثيين وحركة الشباب، أحد أخطر فروع تنظيم القاعدة.

فقد سافر مدربون حوثيون إلى الصومال، بينما توجه مقاتلون من حركة الشباب إلى اليمن لتلقي التدريب. كما تمكنت الحركة من الوصول إلى طرق وشبكات ومعلومات استخباراتية وأسلحة أكثر تطوراً، ولا سيما الطائرات المسيّرة.

وقالت أحمد: “العلاقة بين الحوثيين والقاعدة تحالف نفعي قائم على المصالح والملاءمة، وليست اندماجاً أيديولوجياً”.

وأضافت أن وجود سيف العدل، الزعيم الفعلي لتنظيم القاعدة، في إيران لأكثر من عقدين، يرجح أن يعزز هذه الروابط، في انعكاس لنهج الحوثيين القائم على إبرام تفاهمات مع خصوم أيديولوجيين على المدى الطويل، لتحقيق مكاسب تكتيكية فورية.

وقالت إن استيلاء الحوثيين على مناطق استراتيجية في غرب اليمن، مثل المخا الواقعة شمال باب المندب، قد يعزز طرق التهريب والتعاون مع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وحركة الشباب.

ولم يتسن الوصول إلى المتحدث باسم الحوثيين في صنعاء للتعليق. إلا أن قادة حوثيين سبق أن انتقدوا تنظيم القاعدة، رغم أن الجماعة المتحالفة مع إيران أقرت بوجود عمليات تبادل أسرى مع التنظيم المتشدد.

وتؤكد إيران باستمرار أن الحوثيين حركة مستقلة وليست وكيلاً تابعاً لها.

وترى أحمد أن الصلات بين الحوثيين وفروع القاعدة قد تخلق تهديداً بحرياً من جبهتين عبر باب المندب وخليج عدن، من خلال الجمع بين الصواريخ الباليستية الحوثية والزوارق السطحية غير المأهولة من اليمن، وبين قدرات حركة الشباب المتطورة انطلاقاً من الصومال.

وقالت لـ “الحرة”: “الحوثيون يمررون الآن تكنولوجيا متطورة للطائرات المسيّرة والمتفجرات إلى حركة الشباب لإقامة كماشة بحرية منسقة من جانب الحرس الثوري الإيراني، تمتد على ضفتي باب المندب”.

وأضافت: “هذا النقل التقني غير المتكافئ يرفع قدرات حركة الشباب من مجرد المراقبة الأساسية إلى استخدام طائرات مسيّرة هجومية مسلحة، وأسلحة بعيدة المدى من الساحل ضد السفن التجارية والعسكرية القريبة من الشاطئ”.

لكن دانييلي غاروفالو، وهو محلل متخصص في شؤون الإرهاب مقره إيطاليا، حذر من المبالغة في تفسير مكاسب الحوثيين في سبتمبر. وقال إنه لا توجد أدلة كافية للاستنتاج بأن المكاسب الإقليمية أدت تحديداً إلى زيادة التعاون بين الطرفين.

وقال: “التوسع الإقليمي يخلق فرصاً جديدة للتعاون، لكنه لا يثبت بحد ذاته أن هذا التعاون يحدث بالفعل”.

مصدر الصورة

فرص آخذة في التطور

قال غاروفالو إن زيادة سيطرة الحوثيين على الموانئ والمناطق الساحلية والطرق البحرية قد توسع المجال المتاح للشبكات التي تنقل الأسلحة والأفراد والتكنولوجيا والأموال بين اليمن والصومال.

وأضاف أن التعاون بين الجماعتين، الذي يتسم إلى حد كبير بطابعه النفعي والظرفي “قد يتطور الآن إلى بنية تحتية لوجستية إقليمية أكثر استقراراً تربط اليمن بالقرن الأفريقي”.

وقال: “إن تجدد الصراع والمزيد من تفكك البيئة الأمنية في اليمن قد يخلقان مساحة إضافية لتحرك تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية”.

وفي أغسطس، ذكر تقرير للجنة مراقبة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي أن العلاقة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية تطورت إلى “شراكة ميدانية أقوى قائمة على تنسيق المعلومات الاستخباراتية”، أتاحت للتنظيم الحصول على أسلحة لم تكن متاحة له في السابق.

وقال التقرير: “لوحظ وجود مقاتلين من تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في مناطق يسيطر عليها الحوثيون، وهم يقاتلون إلى جانب الحوثيين ضد حكومة اليمن”.

وترى فاطمة أبو الأسرار، مؤسسة The Ideology Machine، وهي مطبوعة متخصصة في الحرب الأيديولوجية الاستبدادية في الشرق الأوسط، أن الروابط القائمة على المصالح بين الحوثيين والجماعات السنية المتطرفة تأتي في إطار نمط أوسع حوّل الميليشيا القبلية الصغيرة في السابق إلى قوة رئيسية.

وقالت، في إشارة إلى مساعي الجماعة لتعزيز نفوذها: “لا تقف أي أيديولوجيا في طريق توسع الحوثيين وترسيخ وجودهم داخل البلاد وتحقيق أهدافهم طويلة الأمد”.

وأضافت أبو الأسرار أن الحوثيين، بخلاف جماعات سنية مثل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وحركة الشباب، اتبعوا نهجاً أكثر استراتيجية وتعلموا من أخطاء الجهاديين السنة من خلال تجنب المواجهة مع القوى الإقليمية والدولية الكبرى.

وقالت: “استراتيجيتهم طويلة الأمد تتمثل في فرض تكاليف اقتصادية على دول أخرى من خلال خوض حرب غير متماثلة عبر الاقتصاد، ومن خلال تصعيد محدود ضد شركاء الولايات المتحدة”.

كما ترى أن لدى الحوثيين أسباباً تكتيكية للتعاون مع الجماعات السنية المتطرفة. فمنذ ظهوره في تسعينيات القرن الماضي، عارض تنظيم القاعدة الملكية السعودية وسعى إلى إسقاطها.

وقالت: “ينبغي النظر إلى التهديد الحوثي والتهديد السني باعتبارهما متداخلين إلى حد كبير، في ضوء الهجمات الواسعة التي يشنها الحوثيون مؤخراً على المملكة وحلفائها في اليمن”.

ويتبع الحوثيون وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وحركة الشباب مذهبين وأيديولوجيتين مختلفين. فقد نشأ الحوثيون من المذهب الزيدي الشيعي في اليمن، بينما يتبنى تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية أيديولوجية سنية متطرفة معادية بشدة للشيعة.

وقال غاروفالو إنه لا ينبغي الخلط بين العداء الأيديولوجي وبين عدم الاستعداد للتعاون.

وأضاف: “لا يزال تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية والبيئة الأوسع لتنظيم القاعدة معاديين للحوثيين أيديولوجياً، لكن هذا العداء لا يحول دون التفاهم التكتيكي أو التعاون القائم على المصالح عندما تتقاطع المصالح”.

وقال إن مسؤولي مكافحة الإرهاب والخبراء يشعرون الآن بالقلق من أن جماعات مسلحة، ليست متحدة رسمياً، بدأت في بناء شبكات لوجستية متينة يمكنها استخدامها في وقت تسعى فيه إلى تحقيق أهداف متشابهة.

وقالت المحللة المقيمة في واشنطن، أحمد، إن الاختلافات الدينية ستحد من التعاون بين الحوثيين والجهاديين السنة “لكنها لم تتغلب على مصالحهم الاستراتيجية”.

وأضافت: “إيران هي التي نسقت هذا التحالف في الغالب. وطالما أنه يعود بالفائدة على إيران والحوثيين، فإنه سيستمر”.