في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تواجه مصر تداعيات متزامنة لاضطرابات البحرين الأسود والأحمر، في وقت تعتمد فيه بدرجة كبيرة على الأسواق الخارجية لتأمين جانب من احتياجاتها من السلع الإستراتيجية، وفي مقدمتها القمح والذرة والزيوت، بينما تضغط اضطرابات البحر الأحمر على حركة السفن العابرة ل قناة السويس، أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للبلاد.
ففي البحر الأسود، دفعت التطورات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا مصر إلى تنويع مصادر وارداتها واللجوء إلى أسواق بديلة، لكنْ بتكلفة أعلى ومدة شحن أطول، في وقت تُظهر فيه بيانات الأشهر الأخيرة تراجعا في كميات القمح الواردة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
أما في البحر الأحمر، فتسعى مصر إلى التعامل مع تراجع حركة الملاحة عبر قناة السويس، من خلال استعادة خطوط ملاحية وخدمات تدريجيا، إلى جانب توسيع دورها كمركز لوجستي عبر النقل البري ومناطق التخزين والترانزيت.
وفي هذا السياق، يرى هشام سليمان، مدير شركة "ميدترنين ستار" لتجارة واستيراد الحبوب في مصر، أن كميات القمح التي دخلت السوق المصرية خلال الأشهر الأخيرة لا تزال أقل من المستويات اللازمة لبناء مخزونات مرتفعة، مشيرا إلى وصول نحو 500 ألف طن في يونيو/حزيران الماضي مقابل 820 ألف طن في الشهر نفسه من العام المنصرم، و350 ألف طن في يوليو/تموز مقابل 840 ألف طن، و650 ألف طن في أغسطس/آب مقابل 1.3 مليون طن، فيما بلغت الواردات خلال النصف الأول من سبتمبر/أيلول نحو 147 ألف طن.
وأضاف في حديث للجزيرة نت أن موقف الحكومة أفضل نسبيا من القطاع الخاص بفضل جمع نحو 4.7 ملايين طن من القمح المحلي، إلا أن مصر لا تزال بحاجة إلى مواصلة الاستيراد حتى نهاية العام لتأمين احتياجات السوق.
ويشهد البحر الأسود تصعيدا ضمن الحرب الروسية الأوكرانية، حيث علّقت غالبية محطات تصدير الحبوب في ميناء نوفوروسيسك الروسي عملياتها إثر أضرار نجمت عن هجمات شنتها طائرات مسيرة أوكرانية.
وأوضح سليمان أن مصر بدأت بالفعل تنويع مصادر وارداتها بعيدا عن البحر الأسود، بعد أن كانت روسيا وأوكرانيا تستحوذان على نحو 85% إلى 90% من الواردات. وزاد الاعتماد على رومانيا وبلغاريا، إلى جانب شحنات من الولايات المتحدة وكندا وأستراليا.
وأشار إلى أن مصر لديها نحو 22 منشأ معتمدا لاستيراد الحبوب، ما أتاح للمستوردين التحرك نحو أسواق بديلة، مع استمرار وصول شحنات روسية وأوكرانية، ولكنْ بكميات أقل من السابق.
ويرى سليمان أن التحدي الرئيسي أمام التوسع في الأسواق البديلة يتمثل في ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين، خاصة مع صعود أسعار النفط والتوترات في منطقة الشرق الأوسط، ما أدى إلى اتساع الفارق بين تكلفة القمح القادم من البحر الأسود والشحنات القادمة من الأسواق الأبعد.
وأشار إلى أن الشحنات من أمريكا الجنوبية، على سبيل المثال، قد تستغرق نحو 25 إلى 28 يوما، مقابل نحو 4 إلى 5 أيام للشحنات القادمة من البحر الأسود، وهو ما يرفع التكلفة النهائية للسلعة ويزيد الضغوط على المستوردين.
ورغم التراجع المسجل في الأشهر الأخيرة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، زادت واردات مصر من القمح بنحو 48% خلال النصف الأول من العام الجاري إلى نحو 7.7 ملايين طن، بحسب بيانات حصلت عليها "الجزيرة نت".
وكانت واردات البلاد قد تراجعت بنحو 8% في 2025 إلى 13.2 مليون طن، متأثرة بارتفاع الأسعار العالمية وتراجع الطلب المحلي، في وقت ظلت فيه روسيا وأوكرانيا من أهم مصادر القمح المستورد إلى السوق المصرية.
وفيما يخص سوق الذرة، قال سليمان إن التوترات الجيوسياسية أدت أيضا إلى تغيير خريطة المشتريات المصرية، موضحا أنه لم تدخل أي شحنات ذرة من أوكرانيا إلى مصر منذ مايو/أيار الماضي، فيما اتجهت السوق المصرية إلى تعويض جزء من الكميات من البرازيل والأرجنتين.
وأضاف أن المستوردين ما زالوا يتعاملون بحذر في تكوين مخزونات كبيرة، في ظل عدم وضوح مسار المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا واحتمال تغير الأسعار حال عودة حركة التجارة بصورة طبيعية، وهو ما قد يسبب خسائر للمستوردين الذين يشترون كميات كبيرة بأسعار مرتفعة.
وزادت أسعار الذرة الصفراء، وهي مكون رئيسي في صناعة الأعلاف، في مصر بنسبة 33% خلال سبتمبر/أيلول الجاري، لتسجل نحو 16 ألف جنيه للطن، مقابل 12 ألف جنيه في أغسطس/آب الماضي.
كما ارتفعت أسعار فول الصويا بنحو 22% خلال الشهر ذاته، لتصل إلى 27 ألف جنيه للطن، مقارنة بنحو 22 ألف جنيه سابقا.
وبموازاة ذلك، ترى أميرة شوقي، رئيسة مجلس إدارة شركة "ليونز" للخدمات اللوجستية وعضو مجلس إدارة شعبة النقل الدولي واللوجستيات في مصر، أن تداعيات التوترات في البحر الأحمر وضعت قناة السويس أمام ضغوط كبيرة، بعد التراجع الحاد في أعداد السفن العابرة خلال الأزمة، ما انعكس على إيراداتها باعتبارها أحد المصادر الرئيسية للعملة الأجنبية في مصر، وبالتالي على ميزان المدفوعات.
وأضافت للجزيرة نت أن تداعيات الأزمة فتحت، في المقابل، فرصا أمام مصر لتعزيز دورها كمركز لوجستي يربط الشرق بالغرب عبر أراضيها، وليس فقط من خلال قناة السويس كممر ملاحي.
وأوضحت شوقي أن بعض الخطوط الملاحية بدأت الاعتماد على النقل البري ونقل البضائع عبر مصر، خاصة مع التسهيلات الجمركية وإتاحة مناطق لتخزين البضائع وإعادة نقلها لاحقا، إلى جانب إزالة بعض المعوقات أمام حركة بضائع الترانزيت، بما يوفر بديلا أسرع رغم ارتفاع تكلفته.
وأشارت إلى أن ارتفاع تكاليف التأمين والنوالين البحرية، أي تكلفة نقل البضائع عبر السفن من ميناء الشحن إلى ميناء الوصول أو التفريغ المتفق عليه في عقد النقل البحري، جعل النقل البري عبر الأراضي المصرية أكثر تنافسية كحل بديل للممرات البحرية في بعض الحالات.
وأضافت أن الأزمة أظهرت فرصا أوسع لتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية، عبر استغلال المخازن والمصانع وإقامة أنشطة تصنيع وخدمات مرتبطة بسلاسل الإمداد، معتبرة أن تداعيات الأزمة قد تفتح المجال أمام مكاسب جديدة لمصر رغم تأثيرها السلبي على حركة الملاحة.
وبدأت قناة السويس خلال الفترة الأخيرة استعادة جزء من الحركة التي فقدتها خلال الأزمة. وارتفعت إيرادات القناة في أغسطس/آب الماضي بنحو 56.7% على أساس سنوي، لتسجل نحو 567.1 مليون دولار، بالتزامن مع زيادة عدد السفن العابرة إلى 1358 سفينة بارتفاع 27%، فيما زادت الحمولات الصافية بنحو 51.1%.
وخلال أول 8 أشهر من 2026، ارتفعت إيرادات قناة السويس بنحو 26.5% على أساس سنوي، لتصل إلى 3.45 مليار دولار، مقابل نحو 2.73 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، مع عبور 9602 سفينة بزيادة 17.4%.
كما ارتفعت حمولات سفن الحاويات إلى 72.1 مليون طن صاف مقابل 46.7 مليون طن، بنمو 54.2% على أساس سنوي، بما يعكس تحسنا تدريجيا في حركة الملاحة وإيرادات القناة مقارنة بالمستويات المنخفضة المسجلة خلال الأزمة.
وكانت حركة الملاحة عبر قناة السويس قد تراجعت بشكل حاد منذ مطلع 2024، مع بدء الحوثيين في اليمن استهداف سفن الشحن الدولية في جنوب البحر الأحمر، في إطار التطورات المرتبطة بالحرب في غزة.
لكنّ الحركة بدأت تتحسن تدريجيا خلال الفترة الأخيرة، مع نقل شركات شحن المزيد من خدماتها من طريق رأس الرجاء الصالح إلى قناة السويس، حيث أعلنت "ميرسك" و"هاباغ لويد" الأسبوع قبل الماضي إعادة 4 خدمات مشتركة إضافية إلى القناة، بعد استئناف خدمات أخرى خلال يوليو/تموز وأغسطس/آب.
وأعلنت هيئة قناة السويس في وقت سابق أنها استعادت خدمات تديرها شركات شحن كبرى، من بينها "سي إم إيه سي جي إم" و"ميرسك" و"إم إس سي" و"هاباغ لويد" و"كوسكو".
وشهد سبتمبر/أيلول أول عبور باتجاه الجنوب لسفينة تابعة لـ"كوسكو" منذ بدء التوترات في البحر الأحمر و باب المندب.
ويأتي تحسن حركة الملاحة أيضا في ظل الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز منذ بدء الحرب بين إسرائيل وإيران، إلى جانب توجه جزء من صادرات النفط السعودية عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يقلل اعتمادها على مسارات التصدير عبر مضيق هرمز.
ورغم التحسن الأخير، لا تزال أعداد السفن العابرة وإيرادات القناة أقل بكثير من مستويات ما قبل حرب غزة، إذ سجلت القناة إيرادات قياسية بلغت 10.2 مليارات دولار في 2023.
وتتوقع هيئة قناة السويس ارتفاع إيراداتها خلال العام الجاري إلى ما بين 5.8 و6 مليارات دولار، مقابل 4.1 مليارات دولار في 2025، بحسب تصريحات رئيس الهيئة أسامة ربيع في برنامج حواري تلفزيوني محلي الأسبوع الماضي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة