آخر الأخبار

حزب اليسار الألماني .. أين يقف في الجدل حول معاداة السامية؟

شارك
تتباين الآراء حول مدى خطورة مشكلة حزب اليسار مع معاداة السامية والتيارات اليسارية المتطرفةصورة من: Chris Emil Janssen/picture alliance

في نهاية شهر أغسطس/ آب، نظّم حزب اليسار الألماني (دي لينكه) في حي نويكولن، أحد أبرز معاقله في العاصمة الألمانية برلين، تجمعًا انتخابيًا استعدادًا لانتخابات برلمان الولاية التي جرت لاحقًا في 20 سبتمبر/أيلول. وحمل التجمع شعار "غاضبون من الرأسمالية !" ، فيما حرص الحزب على استقطاب جمهور أوسع بدعوة مغني الراب دهبفليكس لإحياء فقرة فنية. غير أن غضب المغني كان موجّهًا أيضًا إلى إسرائيل ، إذ قدّم خلال الفعالية أغنيته "أوقفوا الإبادة الجماعية".

"الموت للجيش الإسرائيلي"

ويُقصَد بذلك الممارسات الإسرائيلية  في الحرب، والتي تصنفها الكثير من منظمات حقوق الإنسان ولجنة تابعة للأمم المتحدة على أنها إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة .

وتوجد في تلك الأغنية عبارة تُمجِّد العنف بشكل واضح: "الموت لجيش الدفاع الإسرائيلي" (Death to the IDF). لاحقًا برّر أعضاء حزب اليسار في حي نويكولن دعوتهم للمغني المثير للجدل بموقفه المناهض للحرب والإبادة الجماعية. وقالوا إن هذه الأغنية، التي تحتوي على دعوات للعنف، لم تكن مدرجة في البرنامج المتفق عليه، وإن هذه الحادثة يجري حالياً التحقيق فيها داخليًّا.

هذا، وقد نأت إليف إيرالب ، مرشحة حزب اليسار الرئيسية لانتخابات برلين، بنفسها عن هذه الأغنية المعادية للسامية. وقالت في حوار مع DW: "لقد انتقدت دائمًا مثل هذه الحوادث بوضوح وأكدتُ أيضًا أن هذا غير مقبول. أنا أقف بكل وضوح مع حماية الحياة اليهودية، تمامًا كما أقف مع حماية حياة الفلسطينيين والمسلمين. وأريد وضع برامج لجميع هذه المجموعات أيضًا".

هل تحكم برلين قريبًا رئيسة بلدية يسارية؟

على الأرجح ستحصل إليف إيرالب على هذه الفرصة عندما تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها في انتخابات برلين وتحقيقه المركز الأول بنسبة 25.7 بالمائة. وهذه النسبة كافية لتشكيله حكومة ائتلافية مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي (حصل على 12.1 بالمائة) و حزب الخضر (حصل على 14.3 بالمائة).

لقد شهدت برلين وجود مثل هذا التحالف المعروف باسم "الائتلاف الأحمر-الأحمر-الأخضر"، بسبب ألوان أحزابه، في الفترة بين عامي 2016 و2023. وبعد عام من تشكيله استقال عدة نواب من حزب اليسار احتجاجًا على ما اعتبروه اتجاهات معادية للسامية داخل الحزب. وكان السبب الرئيسي للخلافات داخل حزب اليسار هو الهجوم الإرهابي الذي شنته حركة حماس الإسلاموية المتطرفة على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 . ويوجد تقليديًا داخل حزب اليسار تيار قوي مؤيد للفلسطينيين.

زعيمة حزب اليسار، إينيس شفيرتنر، تؤكد خلال المؤتمر الاتحادي للحزب، دعم حماية الحياة اليهودية في ألمانيا وترفض جميع أشكال معاداة السامية.صورة من: Michael Bahlo/dpa/picture alliance

"نحن نتصارع حول كيفية وصف الواقع"

وكذلك جرت في المؤتمر الاتحادي لحزب اليسار، الذي عقد في يونيو/ حزيران بمدينة بوتسدام، نقاشات مثيرة للجدل حول كيفية تصنيف حزب اليسار رسميًا لحرب غزة. وفي النهاية أيّدت الأغلبية وصف العملية العسكرية الإسرائيلية بأنها إبادة جماعية . وقد بررت زعيمة حزب اليسار، إينيس شفيرتنر، هذا القرار بقولها: "نحن نتصارع حول كيفية وصف الواقع، لأن معاناة الفلسطينيين وتجويع عشرات الآلاف منهم ليست أموراُ لا نبالي بها".

وفي المقابل، تستند إسرائيل إلى حقها في الدفاع عن النفس في أعقاب الهجمات الإرهابية التي وقعت في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وترفض اتهامها بارتكاب إبادة جماعية. وتقول إن ارتفاع أعداد الضحايا هو نتيجة للحرب التي تشنها الجماعات الإرهابية الفلسطينية، وليس نتيجة لرغبة في إبادة الفلسطينيين.

"نحن نحمي الحياة اليهودية - هنا وفي كل مكان"

وأكدت زعيمة حزب اليسار، إينيس شفيرتنر في مؤتمر الحزب قائلة: "نحن نحمي الحياة اليهودية - هنا وفي كل مكان". وأدانت في الوقت نفسه جميع أشكال معاداة السامية بقولها: "يجب ألا يخشى أي أب أو أم في هذا من إرسال طفله إلى مدرسة يهودية. ويجب ألا يخشى أحد في هذا البلد من زيارة كنيس يهودي أو ارتداء الكيباه (القلنسوة اليهودية) في الشارع".

قبل ثلاثة أشهر من انعقاد المؤتمر الاتحادي العام لحزب اليسار، أثار فرع الحزب في ولاية ساكسونيا السفلى جدلاً واسعاً بقرار مثير للجدل نصَّ على أن: "حزب اليسار في ساكسونيا السفلى يرفض الصهيونية كما هي قائمة وواقعة اليوم". وبهذا الموقف عارض فرع الحزب في هذه الولاية أحد الجوانب العديدة للحركة الصهيونية، التي نشأت في أواخر القرن التاسع عشر ردًا على معاداة السامية واضطهاد اليهود. وكان هدفها إقامة دولة يعيش فيها اليهود بأمان، وقد تحقق ذلك سنة 1948.

"معاداة السامية": حتى الخبراء يختلفون حول تعريفها

أين يقع الخط الفاصل بين النقد المشروع لسياسة إسرائيل ومعاداة السامية؟ هذا السؤال كثيرًا ما يُطرح على شتيفاني شولر-شبرينغوروم، مديرة مركز أبحاث معاداة السامية في جامعة برلين التقنية ومؤلفة مشاركة لما يعرف باسم إعلان القدس حول معاداة السامية (JDA).

وهذا الإعلان الصادر في عام 2021 هو بديل لتعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة (IHRA) الصادر عام 2016. وبهذا البيان ردّت مجموعة دولية من أكاديميين وخبراء على ما يعتبر من وجهة نظرهم عدم وضوح في التمييز بين الخطاب المعادي للسامية والنقد المشروع لإسرائيل والصهيونية بحسب تفسير التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة.

هل يتحرك البعض عمدًا في منطقة رمادية؟

وترى المؤرخة شولر-شبرينغوروم أن قرار حزب اليسار في ولاية ساكسونيا السفلى بشأن الصهيونية "غامض" وهو بالتالي إشكالي. وتقول إن صياغة العنوان تعتبر بمثابة بوابة اتهام لإنكار حق إسرائيل في الوجود.

وفي هذا الصدد تساءلت خلال حوار مع DW: "لماذا يستخدم مصطلح الصهيونية عندما يتعلق الأمر بسياسات دولة؟". واتهمت شولر-شبرينغوروم حزب اليسار في ساكسونيا السفلى بالتحرك عمدًا في منطقة رمادية.

واستثنت الأستاذة شولر-شبرينغوروم قيادة حزب اليسار على المستوى الاتحادي من انتقاداتها بشكل واضح. فقد نأت القيادة الثنائية آنذاك، المكونة من إينيس شفيرتنر ويان فان آكن (الذي لم يعد يشغل منصبه حالياً)، بنفسها بوضوح عن القرار المتعلق بالصهيونية في ولاية ساكسونيا السفلى، حيث صرحا قائلين: "لا مجال لأي تسويات بشأن المقترحات التي تشكك في المبادئ الراسخة لحزبنا". وعقّبت شولر-سبرينغوروم قائلة: "أجد ذلك موقفًا جديرًا بالثقة إلى حد كبير ".

أندرياس بوتنر، مفوض مكافحة معاداة السامية في ولاية براندنبورغ، استقال من حزب اليسار احتجاجًا على قرار فرع الحزب في ولاية ساكسونيا السفلىصورة من: Soeren Stache/dpa/picture alliance

مفوض مكافحة معاداة السامية يستقيل من حزب اليسار

وردًا على قرار فرع الحزب في ولاية ساكسونيا السفلى، استقال من حزب اليسار أندرياس بوتنر، مفوض مكافحة معاداة السامية في ولاية براندنبورغ . وقد برر قرار استقالته لـDW بقوله إن معاداة الصهيونية تعتبر في جوهرها معاداة للسامية لأنها تشكّك في حق إسرائيل في الوجود .

وموضوع معاداة السامية لم يلعب لفترة طويلة أي دور في حملة انتخابات برلين - حتى ظهور مغني الراب دهبفليكس في نويكولن. وبالنسبة لشتيفان إيفرز، المرشح الرئيسي للحزب المسيحي الديمقراطي ، من الواضح أن: "معاداة السامية لم تعد منذ فترة طويلة مجرد زلة لسان غير مقصودة داخل فرع حزب اليسار في برلين، بل هي جزء من نظامه السياسي". ويتهم إيفرز منافسته، إليف إيرالب، بالتستر على ذلك.

لقد ظهر اسم حزب اليسار آخر مرة في تقارير المكتب الاتحادي لحماية الدستور (المخابرات الداخلية) عام 2020. وفي هذه التقارير تم التركيز فقط على وجود تيارات مناهضة للرأسمالية، مثل المنصة الشيوعية ، داخل حزب اليسار. ولكن موضوع معاداة السامية لم يذكر ضمن هذا السياق.

أعده للعربية: رائد الباش


DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا