قد يحمل الفوز غير المسبوق لحزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت شرقي ألمانيا منعطفاً سياسياً غير مسبوق في تاريخ ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية ، إذ قد يقوم الحزب، المصنف في هذه الولاية يمينيا متطرفا مؤكدا، للمرة الأولى في تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية، بتشكيل حكومة ولاية ولاية ساكسونيا-أنهالت، بعد فوزه مؤخرا بأغلبية مقاعد برلمان الولاية.
ومع هذا التقدم الانتخابي ، تصاعدت في الأوساط السياسية والإعلامية والأمنية نقاشات واسعة حول مصير المعلومات العسكرية الحساسة التي تتاح عادة لحكومات الولايات الألمانية، خاصة في ظل مواقف معلنة لعدد من قيادات الحزب تُوصف بأنها متقاربة مع روسيا ومنتقدة لسياسات حلف شمال الأطلسي (الناتو).
يتركز الجدل حول ما يُعرف بـ"خطة العمليات الألمانية" (Operationsplan Deutschland)، وهي وثيقة سرية للغاية تتجاوز ألف صفحة، وتتضمن الترتيبات الأساسية للدفاع الوطني والدفاع المشترك مع حلف الناتو في حالات الأزمات أو الحروب.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام ألمانية، بينها القناة الثانية الألمانية (ZDF) وموقع "شبيغل أونلاين"، تحتوي الخطة على معلومات تتعلق بتحركات القوات العسكرية والمسارات اللوجستية وآليات دعم الحلفاء، إضافة إلى الدور المحوري الذي تؤديه ألمانيا كمركز عبور رئيسي لقوات الناتو نحو الجبهة الشرقية في حال وقوع مواجهة مع روسيا.
وتتوافر نسخة من هذه الخطة لدى حكومات الولايات الألمانية الست عشرة.
في هذا السياق، نقلت شبكة "ناخريشتن هويته" عن باستيان إرنست، رئيس اتحاد قوات الاحتياط في الجيش الألماني والنائب في البوندستاغ عن حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي ، مطالبته باستعادة "خطة العمليات الألمانية" من مقر رئاسة حكومة ولاية ساكسونيا-أنهالت إذا تولى حزب البديل من أجل ألمانيا الحكم في ماغدبورغ ، عاصمة الولاية.
وقال إرنست لـ"شبكة التحرير الألمانية (RND): "حزب البديل من أجل ألمانيا يمثل خطراً كبيراً على بلدنا".
وأضاف: "إذا تولى الحزب الحكم في ساكسونيا-أنهالت، فمن شبه المؤكد أن خطة العمليات الألمانية وغيرها من المعلومات ذات الصلة ستتسرب إلى روسيا. ولذلك يجب استعادة الخطة من ساكسونيا-أنهالت".
واقترح إرنست حلاً بديلاً يتمثل في إيداع الخطة بشكل دائم لدى وزارة الدفاع الألمانية، بحيث لا يُسمح بالاطلاع عليها إلا بإذن مسبق، مشيراً إلى أنه في حالات الحرب تتمتع الحكومة الاتحادية بصلاحيات أوسع في التعامل مع الولايات وإدارة الملفات الدفاعية.
وتستند هذه المخاوف إلى الانتقادات المتكررة الموجهة لحزب البديل بسبب موقفه من روسيا واعتراضه على بعض سياسات الناتو والدعم الغربي لأوكرانيا.
ويرى عدد من الخبراء أن وصول الحزب إلى مواقع تنفيذية قد يثير تساؤلات حول مستوى حماية المعلومات العسكرية السرية، حتى في ظل غياب أي دليل مباشر على إمكانية حدوث تسريب فعلي لتلك المعلومات.
ووفقاً لشبكة التحرير الألمانية، فقد أبدى وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، خلال اجتماع مع خبراء الدفاع في أحزاب الائتلاف الحاكم في برلين، تأييده لإمكانية استعادة الخطة من ولاية ساكسونيا-أنهالت.
طبقا لوسائل إعلام: أيد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إمكانية استعادة الخطة من ولاية ساكسونيا-أنهالت.صورة من: Stefan Sauer/dpa/picture allianceفي المقابل، يحذر منتقدو هذه الطروحات من أن حرمان حكومة منتخبة ديمقراطياً من الوصول إلى معلومات رسمية قد يثير تساؤلات قانونية ودستورية، كما قد يعكس مستوى مرتفعاً من عدم الثقة بين مؤسسات الدولة.
ورغم ذلك، يرى عدد من المسؤولين أن حساسية الوثائق العسكرية تبرر الاحتفاظ بها مركزياً داخل وزارة الدفاع، مع فرض قيود خاصة على آليات الاطلاع عليها.
من جهته، يرفض حزب "البديل من أجل ألمانيا" بشكل متكرر الاتهامات التي تربطه بروسيا أو تصوره كتهديد للأمن القومي الألماني، ويعتبر أن مثل هذه الاتهامات تُستخدم سياسياً لعزله من قبل الأحزاب التقليدية. ويؤكد الحزب أنه يدعو إلى سياسة أكثر براغماتية تجاه موسكو وإلى إعادة بناء العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها.
بينما يرى خصومه أن هذه المواقف تصب في مصلحة الكرملين . كما يعارض الحزب بعض جوانب سياسة الناتو والدعم العسكري الواسع لأوكرانيا ، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أنه يعمل ضمن الإطار الدستوري الألماني ويمثل شريحة من الناخبين الألمان.
صورة من الأرشيف: زعيمة حزب "البديل" أليس فايدل في كلمة بالبوندستاغ. يرفض حزب "البديل" اتهامات التقارب مع روسيا ويعدّها محاولة لعزله سياسياً، مؤكداً دعوته إلى علاقات أكثر براغماتية مع موسكو.صورة من: Michael Kappeler/dpa/picture allianceونقل موقع "شبيغل أونلاين" اليوم الاثنين (14 سبتمبر/أيلول 2026) عن إفادة لصحيفة "دي فيلت" ذكرتها قبل شهرين أن عدداً من الوزارات الاتحادية يدرس إجراءات تضمن استمرار الحركة العسكرية وخطط الدعم اللوجستي حتى في حال عدم تعاون حكومة ولاية معينة مع الترتيبات الدفاعية المطلوبة.
وفي هذا الإطار، صرح خبير الدفاع في حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي ، رودريش كيزيفيتر، للصحيفة آنذاك (يوليو/ تموز الماضي) بأن الكرملين يسعى إلى استغلال الانقسامات داخل ألمانيا بشأن روسيا لجعل البلاد "أقل موثوقية قدر الإمكان" كمركز لوجستي لحلف الناتو . كما أشارت التقارير إلى أن مسؤولين في وزارة الداخلية الاتحادية يدرسون تدابير مضادة للتعامل مع حكومات ولايات قد تعارض بعض الترتيبات الأمنية والعسكرية.
تكشف هذه القضية عن حجم القلق الذي يسود الأوساط الأمنية الألمانية في ظل التوتر المستمر مع روسيا، كما تعكس التحدي المعقد الذي تواجهه الديمقراطيات الغربية في الموازنة بين احترام خيارات الناخبين ونتائج الانتخابات من جهة، وضمان حماية أسرار الأمن القومي والالتزامات العسكرية تجاه الحلفاء من جهة أخرى.
وفي المحصلة، تشير تحليلات وسائل إعلام ألمانية، بينها قناة "آر تي إل"، إلى أن جوهر الاتهامات المطروحة حالياً ضد حزب البديل من أجل ألمانيا يقوم على توقعات ومخاوف سياسية وأمنية مرتبطة ب مواقفه من روسيا ، وليس على وقائع موثقة تثبت حدوث تسريب فعلي لمعلومات سرية من جانب الحزب حتى الآن.
مراجعة: عبده جميل المخلافي
المصدر:
DW