في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد تلقيها ضربة موجعة في 11 سبتمبر/أيلول 2001، انتقلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) من التجسس وسرقة أسرار الدول الأجنبية إلى القتل وبناء السجون السرية، بل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية في ما أطلقت عليها الولايات المتحدة "الحرب على الإرهاب"، بحسب ضباط ومحللين سابقين بالوكالة.
فالوكالة التي تتولى مسؤولية حماية الولايات المتحدة لم تكن تبحث عن الحقيقة ولا عن العدالة، وإنما عن الانتقام، وهو ما جعلها تعلن استعدادها لخوض هذه الحرب فورا وفي كل مكان، حسب ما أورده فيلم "من الصدمة إلى الحرب الشاملة"، الذي بثته قناة الجزيرة في الذكرى الـ25 للهجوم الذي غير وجه العالم.
فقد استخدمت الوكالة ملايين الدولارات لتليين مواقف أمراء حرب سابقين في أفغانستان من أجل القضاء على تنظيم القاعدة ومؤسسه أسامة بن لادن، وكذلك حركة طالبان التي كانت تحميه.
ولم يتطلب إسقاط طالبان على يد الأمريكيين، ومن قاتل معها من الأفغان، أكثر من شهرين. لكن وكالة الاستخبارات الأمريكية اكتشفت أن إسقاط بن لادن، ليس بالسهولة نفسها، فقررت إبقاء القوات في أفغانستان للإشراف على تغيير النظام، ودعمت حامد كرزاي لحكم البلاد، وزودته بأموال كانت سببا في إفساد حكومته، كما يقول تيم واينر الذي عمل مراسلا لصحيفة " نيويورك تايمز" بين عامي 1993 و2009.
ولم يكن لدى الأمريكيين أي دليل على ارتباط القاعدة بالعراق، كما قال مراسل صحيفة واشنطن بوست جوبي واريك، لكن تيم واينر، يقول إنهم قرروا أنه كان يطور أسلحة دمار شامل خلال حربه مع إيران (1980-1988)، فلا بد أنه ما زال يطورها في 2001.
وعلى الفور، كلفت "سي آي إيه" مهمة معرفة ما تحتويه ترسانة صدام حسين من أسلحة الدمار الشامل، وكانت معلوماتها محدودة جدا فأرسلت جواسيس لتعقب هذه الأسلحة وجمع كل ما يمكن جمعه من معلومات، وفق ما أكدته فاليري بليم التي عملت ضابطة في "سي آي إيه" بين عامي 1985 و2005.
لكن الفرق الميدانية لم ترصد دليلا واضحا على وجود أي أسلحة دمار بالعراق، حسب ما قاله مدير وحدة مكافحة الإرهاب في "سي آي إيه" آنذاك روبرت غرينيه.
وكانت الوقائع تؤكد عدم وجود أي أسلحة دمار شامل بالعراق، كما تقول فاليري بليم. لكن رجال الاستخبارات تعاملوا مع هذه المعلومات على أنها بلا قيمة، وهو ما عزاه تيم واينر، إلى معرفتهم بأن الرئيس بوش الابن ذاهب للحرب على أي حال.
ورغم انتفاء أدلة إدانة العراق، فقد طلب بوش الابن من وزير خارجيته كولن باول الترويج للحرب أمام الأمم المتحدة والعالم، وأصبح الرجل مطالبا ببناء حجة لغزو العراق، لكنه كان متشككا، وفق ما قاله تيم واينر وجوبي واريك.
بل إن باول كان حائرا بشأن الخطوة التالية، وقال إنه سيعرض حجة الحرب على العراق أمام الأمم المتحدة، مضيفا أنهم اختاروه لهذه المهمة بسبب شعبيته الجارفة، حسب ما قاله مدير مكتبه لورانس ويلكرسون، الذي قال إنه كُلف بإعداد ما سيعرض أمام المنظمة الدولية، وإن كان يجب أن يستقيل فورا.
وقال ويلكرسون إن مدير وكالة الاستخبارات آنذاك جورج تينيت، وضع أمامه هو وباول اثنين فقط من بين 3500 محلل كانوا يعملون في الوكالة وقتئذ، مضيفا "كان عليَّ أن أدرك حقيقة أن هذا العرض ملفق بالكامل".
وقد أكد تيم واينر كلام ويلكرسون بقوله إن تينيت استبعد محللين استخباريين عبروا عن شكوكهم بشأن وجود أسلحة دمار شامل في العراق، مشيرا إلى أنه كان يحد من الأصوات المعارضة، وهو أمر لا يدخل ضمن مهام عمله.
ولم يكن باول معارضا للحرب، لكنه كان متشككا فيما تقوم به إدارة بوش الابن، فسأل جورج تينيت، إن كان واثقا من كل كلمة كتبت في العرض الذي سيقدم للأمم المتحدة، فأجاب مدير "سي آي إيه": "نعم".
بعد هذه الإجابة، أبلغ كولين باول مدير "سي آي إيه" بأنه سيكون جالسا خلفه أمام الكاميرا، وهو أمر غير معهود، حسب ويلكرسون، الذي قال إن وزير الخارجية المخضرم أراد أن يقول: "حسنا، العالم لن يلومني وحدي".
وبنت "سي آي إيه"، فرضية امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل على أساس شهادة المهندس العراقي المنشق رافد أحمد علوان الذي كان يحمل الاسم الحركي "كيرف بول".
بيد أن المحلل السابق بالوكالة جيري واتسون أكد أنه لم يكن يسمع بهذا العميل، وأنه قرر التقصي عنه فعرف من عائلته أنه ترك عمله في الهندسة الكيميائية منذ سنوات طويلة، مضيفا "لقد كذب على الألمان وأبلغهم بأنه واصل عمله في مركز هندسي حتى مارس/آذار 1999 حين غادر العراق إلى ألمانيا".
لذلك، لم تكن الضابطة السابقة فاليري بليم تصدق ما يقوله كولن باول أمام الأمم المتحدة، وقد أكدت خلال حديثها أنها "شعرت بالغثيان لأنها عرفت أن بلادها ذاهبة لغزو العراق بذريعة غير حقيقية".
وحاول واتسون نشر هذا التقرير الذي ينفي رواية كيرف بول، لكنه منع من ذلك. كما اتهمت فاليري بليم وزوجها بالخيانة لأنهما عارضا الحرب وحاولا قول الحقيقة.
ففي أوائل عام 2002، كانت فاليري بليم تعمل سرا مع الوكالة، وكان زوجها جوزيف ويلسون دبلوماسيا مخضرما، وطلبت منه "سي آي إيه" التأكد من محاولة حصول صدام حسين على اليورانيوم من النيجر، لتصنيع قنبلة نووية.
لكن ويلسون أخبرهم بأن دبلوماسيين أمريكيين على الأرض أكدوا له زيف هذه المزاعم، ومع ذلك سافر والتقى من يعرفهم هناك وعاد بنفس النتيجة التي تقول فاليري بليم إن وكالة الاستخبارات أكدت وصولها إلى البيت الأبيض.
لكن جورج بوش الابن تجاهلها تماما عندما أكد خلال خطاب الاتحاد عام 2003 أن لديه معلومات استخبارية بأن صدام حسين يحاول شراء أدوات تصنيع سلاح نووي، وهو ما ولد شعورا لدى ويلسون بأن ثمة من يضخم الأمور من أجل الحرب.
وبعد 4 أشهر من الحرب، نشر ويلسون مقالا تحدث فيه عن المعلومات التي قدمها لوكالة الاستخبارات المركزية، وهو ما ردت عليه الإدارة بكشف عمل فاليري بليم مع "سي آي إيه" عن طريق أحد الصحفيين، في مخالفة واضحة للقانون وبسوء نية، كما يقول مراسل واشنطن بوست جوبي واريك.
وهكذا، ذهبت الولايات المتحدة وعدد قليل من حلفائها لغزو العراق دون موافقة مجلس الأمن ولا المجتمع الدولي، استنادا إلى معلومات أكدت وكالة الاستخبارات المركزية صحتها، ولم تتمكن كل سنوات الاحتلال من تأكيدها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة