( CNN ) -- فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العديد من مسؤولي إدارته وحلفائه بوعده بمنح جميع البالغين الأمريكيين مبلغ 5000 دولار في حال احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس؛ مما أدى إلى حالة من الاستنفار الداخلي، الخميس، لمحاولة بلورة تفاصيل هذا الوعد، وذلك حسبما صرح شخصان مطلعان على الأمر لشبكة CNN.
وأطلق ترامب هذا الوعد خلال كلمته في مؤتمر الحزب الجمهوري المخصص لانتخابات التجديد النصفي، وذلك بعد مناقشة الفكرة مع دائرة ضيقة فقط من المستشارين السياسيين المقربين - بمن فيهم جيسون ميلر وجيمس بلير - وفقاً لما ذكره مستشار سياسي لترامب لـ CNN.
وترك هذا الأمر معظم المسؤولين في الإدارة غير مستعدين للتعامل مع تداعيات مقترح تبلغ تكلفته تريليون دولار، وهو مقترح واجه بالفعل انتقادات واسعة النطاق بسبب تكلفته الباهظة ومدى قابليته للتنفيذ .
وسارع العديد من المشرعين الجمهوريين إلى انتقاد الفكرة، واصفين إياها بأنها حيلة غير مدروسة تسبق انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، ومن شبه المستحيل تمريرها عبر الكونغرس، فضلاً عن كونها تنتهك العديد من المبادئ الاقتصادية الجوهرية للحزب، وحتى بين الحضور في قاعة المؤتمر، سادت حالة من التشكيك .
وقالت ويلما ماي، وهي مالكة شركة صغيرة في أرلينغتون، لـ CNN في دالاس: "أنا لست من مؤيدي الحصول على أشياء مجانية. كنت أفضل أن يخصص مبلغ الـ 5000 دولار لسداد العجز المالي ".
لغز
وأثار الوعد قلق خبراء الاقتصاد الجمهوريين وبعض حلفاء ترامب المقربين؛ إذ اعتبره البعض محاولة فاشلة تهدف فعلياً إلى رشوة الناخبين لضمان بقاء الجمهوريين في السلطة .
وقال ستيفن مور، وهو مستشار اقتصادي لترامب يعارض الفكرة: "إنه لغز يحاول الجميع كشف حقيقته: من صاحب هذه الفكرة؟ فالمشكلة في إرسال شيكات للناس تكمن في أن ذلك يؤدي في الواقع إلى عواقب اقتصادية سلبية ".
ولم يقدم ترامب سوى القليل من التفاصيل حول المقترح خلال خطابه الأربعاء، مكتفياً بالإشارة إلى أنه قد يتم تمويله من الإيرادات المحصلة نتيجة للرسوم الجمركية المفروضة على السلع الأجنبية.
وكان ترامب طرح سابقاً أفكاراً حول سلسلة من "التوزيعات المالية" الأخرى لجميع الأمريكيين بتمويل من إيرادات الرسوم الجمركية أو ومصادر أخرى، لكنه لم يفِ بأي منها حتى الآن .
والخميس، قضى مسؤولو البيت الأبيض الصباح في سباق مع الزمن لتحديد الترتيبات اللوجستية اللازمة للوفاء بهذا الوعد الأخير غير المسبوق، وذلك حسبما أفاد أحد المسؤولين.
غير أن ورقة حقائق لاحقة أصدرها البيت الأبيض أشارت إلى أن تلك الجهود لا تزال قيد الإعداد؛ إذ لم تقدم الورقة أي تفاصيل حول كيفية تخطيط الحكومة لتمويل هذه المدفوعات أو مصدر تلك الأموال .
وقال البيت الأبيض، دون الخوض في تفاصيل محددة: "القيادة ذاتها التي حطمت القيود القديمة لما كانت واشنطن تعتبره ممكناً، مستعدة الآن لوضع 5000 دولار مباشرة في جيوب الأمريكيين ".
وفي المقابل، نفى مسؤول في البيت الأبيض فكرة أن يكون ترامب فاجأ مساعديه، مصرحاً لـ CNN ، أنه "ناقش هذه الفكرة مع كبار موظفيه في الفترة التي سبقت الخطاب، ولم يكن هناك أي مفاجأة ".
وفي بيان، لم يتطرق المتحدث باسم البيت الأبيض، ديفيس إنجل، بشكل مباشر إلى احتمالية دفع مبلغ 5000 دولار لجميع البالغين الأمريكيين في حال احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ .
وقال إنجل: "لطالما شكك المتشائمون والمشككون في قدرات الرئيس ترامب، ومع استمرار دعم الشعب الأمريكي، سيواصل الرئيس تحقيق نتائج ملموسة ".
حالة الإحباط تتزايد
ويأتي وعد ترامب المفاجئ في وقت يواجه فيه صعوبة في احتواء حالة الإحباط المتزايدة لدى الناخبين بشأن تكاليف المعيشة وسياساته الاقتصادية؛ حيث أظهرت استطلاعات الرأي على مدى أشهر استياءً عميقاً لدى الأمريكيين من طريقة تعامل الرئيس مع ملف التضخم .
كما أدت الحرب المستمرة على إيران إلى تفاقم الوضع الاقتصادي العام الذي يواجهه الجمهوريون، حيث ارتفعت أسعار البنزين والديزل مجدداً وبشكل حاد في الأسابيع الأخيرة، دون وجود نهاية واضحة للأزمة في الأفق. وتزامناً مع تجمع الحزب الجمهوري في دالاس هذا الأسبوع، تجاوزت أسعار النفط القياسية -سواء العالمية أو الأمريكية- حاجز الـ 100 دولار للبرميل، في حين سجل سعر الديزل مستوى قياسياً بلغ 5.98 دولار للجالون في المتوسط، الخميس .
وقلل ترامب مراراً من شأن المخاوف المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف، واصفاً، الأربعاء، هذه القضية بأنها "مفتعلة من قبل الديمقراطيين للإضرار به سياسياً"، ومؤكداً أن الولايات المتحدة تمر بـ "أنجح عامين من الناحية المالية وعلى كافة الأصعدة الأخرى".
ومع ذلك، وفي إقرار ضمني بأن المصاعب الاقتصادية تشكل عبئاً على الحزب الجمهوري، سعت الإدارة في الأسابيع الأخيرة بشكل متزايد إلى تسليط الضوء على خطوات تهدف إلى خفض بعض التكاليف اليومية، مثل أسعار اللحم البقري المفروم وبعض الأدوية .
يُذكر أن ترامب -الذي أقر إرسال دفعتين من شيكات التحفيز المالي بقيمة 1200 دولار للأمريكيين خلال جائحة كوفيد-19 عام 2020- عاد مراراً لطرح فكرة إرسال مبالغ نقدية مباشرة للناخبين كوسيلة لكسب الدعم السياسي.
وفي العام الماضي، طرح فكرة توزيع أرباح وزارة الكفاءة الحكومية بقيمة 5000 دولار، مرتبطة بالتوفير المزعوم الناتج عن تقليصه لأعداد الموظفين الفيدراليين.
ومؤخراً، وعد ترامب بإصدار شيكات بقيمة 2000 دولار تُموَّل من إيرادات الرسوم الجمركية، غير أن أياً من الأمرين لم يتحقق .
وتواجه أحدث مقترحات ترامب فرصاً أضعف للتحقق؛ وهو واقع دفع الكثير من المشككين - بمن فيهم بعض حلفاء ترامب - إلى استبعاد الفكرة واعتبارها مناورة سياسية بحتة .
وكتب جو لونسديل، وهو متبرع للحزب الجمهوري ومقرب من دونالد ترامب الابن، على منصة "إكس" ،الأربعاء: "للتوضيح، أنا أؤيد بشدة الفوز في انتخابات التجديد النصفي، وأحب الكثير مما تقوم به هذه الإدارة، لكنني أعارض بشدة أسلوب الرشاوى القائم على إلهاء الشعب بوعود مادية سطحية".
وذكرت مصادر مطلعة أن لونسديل شارك في استضافة حفل كبير لجمع التبرعات على هامش المؤتمر، الأربعاء، بحضور ترامب الابن وشخصيات جمهورية بارزة أخرى .
وسيتعين على الجمهوريين في الكونغرس صياغة وإقرار تشريع يُجيز دفع مبالغ تتجاوز تريليون دولار؛ وهو مبلغ يعادل أكثر من نصف إجمالي الإنفاق الحكومي التقديري (غير الإلزامي) للسنة المالية 2025، وفقاً لمكتب الميزانية في الكونغرس.
ورغم أن بعض المشرعين أيدوا الفكرة على الفور، حيث وعد السيناتور بيرني مورينو من ولاية أوهايو بإعداد مشروع قانون بحلول شهر نوفمبر ،إلا أن المقترح فاجأ قيادة الحزب الجمهوري التي لم تجرِ أي مناقشات مسبقة بشأنه، وذلك حسبما أفاد شخص مطلع على الأمر .
وفي مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" بُثت الخميس، بدا أن ترامب يقر بأن الكونغرس سيحتاج إلى الموافقة على المقترح، ملقياً باللوم على الديمقراطيين في عرقلة قدرته على الوفاء بهذا الوعد في وقت أبكر.
لكنه عاد وناقض نفسه في مقابلة مع شبكة CBS ، حيث قال إنه رغم أن الجمهوريين "سيفعلون ذلك إذا دعت الحاجة"، إلا أنه يعتقد بإمكانية صرف هذه المدفوعات دون الحاجة إلى إجراء تشريعي من الكونغرس .
كما تعتمد الفكرة على احتفاظ حزب الرئيس بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ؛ وهي نتيجة لانتخابات التجديد النصفي من شأنها أن تخالف اتجاهات استطلاعات الرأي والسوابق السياسية الممتدة لعقود .
وقال نيوت غينغريتش، الرئيس الجمهوري السابق لمجلس النواب: "الخطر يكمن في أن الطريقة التي طُرحت بها الفكرة ستجعلها تبدو وكأنها مجرد حيلة دعائية"، وأضاف أنه سبق وتحدث مع ترامب حول توزيع الأموال الناتجة عن الرسوم الجمركية، لكنه فوجئ بإعلان الأربعاء .
مخاوف اقتصادية
وهناك أيضاً مخاوف اقتصادية جمّة تجعل من غير المرجح أن يتجاوز هذا المقترح كونه مجرد مادة للنقاش السياسي؛ إذ سيحدث مقترح ترامب عجزاً بقيمة 1.2 تريليون دولار في الميزانية الفيدرالية التي تعاني أصلاً من مستويات ديون تتزايد بسرعة، وذلك وفقاً لتقديرين على الأقل .
ولن تكفي عائدات الرسوم الجمركية لتغطية سوى جزء ضئيل جداً من هذه التكلفة.
ووفقاً لمؤسسة الضرائب البحثية التي تميل إلى اليمين فإن الرسوم الجمركية الجديدة المقررة لعام 2027 لن توفر سوى إيرادات تكفي لتغطية نحو عُشر التكلفة الإجمالية .
وقالت إريكا يورك، كبيرة الاقتصاديين في المؤسسة، في بيان: "إن دفع مبالغ نقدية ممولة عبر العجز بهذا الحجم من شأنه أن يبعث برسالة إلى الأسواق مفادها أن الولايات المتحدة ليست جادة في ترتيب أوضاعها المالية".
وأضافت: "من شأن ذلك أن يرفع مخاطر زيادة أسعار الفائدة، ويزيد من الضغوط التضخمية، ويُفاقم المشكلات ذاتها التي يحاول هذا المقترح ’حلها ‘".
ووصفت مجموعة أخرى معنية بمراقبة الميزانية الفيدرالية هذه الفكرة بأنها "خطيرة مالياً، ومتخلفة اقتصادياً، وتفتقر إلى الجدية تماماً ".
وقالت مايا ماكغينيس، رئيسة "لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة"، في بيان: "هذا المخطط السياسي غير المدروس جيداً سيزيد الأمور سوءاً؛ إذ سيؤدي إلى تفاقم العجز بشكل هائل، وتأجيج التضخم، ورفع تكاليف الاقتراض في جميع قطاعات الاقتصاد ".
ويأتي مقترح ترامب في وقت تغرق فيه الولايات المتحدة في هوة ديون تزداد عمقاً؛ فقد بلغ الدين الفيدرالي مستوى قياسياً عند 40 تريليون دولار في منتصف أغسطس/ آب، وهو مؤشر مقلق ستكون له تداعيات على المواطنين والشركات والحكومة لسنوات قادمة .
وحتى في حال عدم صرف هذه التوزيعات النقدية، تشير التوقعات إلى أن الحكومة الفيدرالية ستسجل عجزاً في الميزانية يقارب 1.9 تريليون دولار في السنة المالية 2027، التي تبدأ في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول .
وقال مور: "هذا ليس مقترحاً لتحفيز النمو الاقتصادي"، مضيفاً أنه حتى لو توفرت الأموال لدى الجمهوريين للإنفاق، لكان من الأفضل استثمارها في مجالات أخرى.
وأضاف: "بهذا المبلغ، كان بالإمكان خفض ضريبة الرواتب بمقدار نقطة مئوية واحدة أو نقطتين، أو خفض ضريبة الدخل بمقدار نقطتين إلى ثلاث نقاط؛ فهذه الخطوات كانت ستوفر حافزاً اقتصادياً حقيقياً ".
المصدر:
سي ان ان