في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
سلواد (رام الله)- "رحنا نسرق تين من تيناتنا".. بهذه العبارة، وبحرقة شديدة، استهلّت المسنة الأمريكية الفلسطينية منى عياد (75 عاما) حديثها عن الاعتداء الذي تعرضت له هي وأختها عالية (65 عاما)، حين حاولتا الوصول إلى أرض العائلة.
ورث زوج منى الأرض عن أجداده، وأفنى عمره في إعمارها وزراعتها بمختلف أنواع الأشجار، قبل أن يأتي مستوطن بخيمة وقطيع أغنام، ويقيم بؤرة استيطانية على جبل العاصور، ينطلق منها للاعتداء على الفلسطينيين ومنعهم، بقوة السلاح، من الوصول إلى أراضيهم.
منى وأختها عالية لا تحملان فقط ذاكرة العائلة المرتبطة بهذه الأرض، بل تحملان أيضا الجنسية الأمريكية. فهل تحميهما هذه الجنسية من تكرار اعتداءات المستوطنين؟ وماذا تفعل السفارة الأمريكية حين يكون ضحايا العنف في الضفة الغربية من مواطني الولايات المتحدة؟
صباح 29 أغسطس/آب الماضي، وكما اعتاد الفلاحون الفلسطينيون قطف التين في البكور، أو كما يقول الفلاحون: "على الندى يا تين"، حيث تكون حبات التين باردة، متماسكة، وحلوة المذاق قبل أن تلسعها حرارة الشمس، توجهت منى وعالية عياد إلى أرضهما في الجهة الشرقية من بلدة سلواد، في مغامرة تقول عالية -للجزيرة نت- إنها توقعت مسبقا ألا تمر بسلام.
تروي منى وعالية تفاصيل التنكيل الذي تعرضتا له، حين هاجمتهما مجموعة من المستوطنين؛ انتزعوا ثمار التين من أيديهما وألقوها أرضا، ثم انهالوا عليهما بالضرب المبرح، من دون مراعاة لسنهما. ولا تزال آثار الضرب واضحة على يديهما وجانبي جسديهما.
وتشير منى إلى أن المستوطنين المعتدين كانوا ملثمين، واستخدموا "دبسات" (عصيا ثقيلة)، وحاولتْ عالية القفز من الشجرة للوصول إلى هاتفها المحمول، إلا أن المستوطنين استولوا عليه. كما حاولوا انتزاع مفتاح السيارة منها، فقاومت بشدة، قبل أن يباغتها أحدهم بضربة قوية على رقبتها وبطنها.
تصف عالية رحلة هروبها الشاقة، إذ ركضت مسافات طويلة وهي تعاني من آلام في ركبتيها، حتى وصلت إلى الشارع الرئيسي المؤدي إلى بلدتها وهي في حالة من الذعر، وظلت تلوح للسيارات المارة، إلى أن تمكنت أخيرا من استيقاف مركبة أوصلتها إلى وسط البلدة.
هذه هي المرة الأولى التي تحاول فيها منى الوصول إلى أرضها منذ بداية العام، بسبب الخطورة الشديدة لاعتداءات المستوطنين المتكررة على المنطقة.
ورغم أن منى وعالية تحملان الجنسية الأمريكية، فإن السفارة الأمريكية لم تعقب على الاعتداء الذي تعرضت له المواطنتان، ولم تتواصل معهما. وفي المقابل، لم تتواصل الأختان مع السفارة، إذ لا تتوقعان أن توفر لهما جنسيتهما أي حماية من اعتداءات المستوطنين. وتقول منى: "لا يحمي إلا رب العالمين! السياسة الأمريكية والإسرائيلية وجهان لعملة واحدة".
ومنذ نحو شهر، تعيش عائلة المواطن الفلسطيني الأمريكي لؤي أبو ريدة، من بلدة قصرة جنوب نابلس، و3 عائلات أخرى حصارا يفرضه جيش الاحتلال والمستوطنون، دون أي مؤشرات على انتهاء الأزمة.
ويقول أبو ريدة -للجزيرة نت- إنه تواصل مع السفارة الأمريكية وأعضاء في الكونغرس، للمطالبة بأبسط حقوقه كأن يتمكن من الدخول إلى منزله والخروج منه بحرية، دون أي تغيير على أرض الواقع، بينما طلبت منه سفارة بلاده العودة إلى إجراءات التنسيق مع "الارتباط" وهو جهة اتصال بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
تحدث أبو ريدة عن مفارقة في مسألة الحماية التي يفترض أن توفرها له جنسيته الأمريكية، إذ أكد أن السفارة أبلغته بأن وجود الجيش أمام منزله يهدف إلى حمايته، بينما يقول إن هذا الوجود نفسه يقيد حركته، في وقت يواصل فيه المستوطنون التحرك بحرية في محيط المنزل.
ومنذ عام 2003 استشهد ما لا يقل عن 14 فلسطينيا أمريكيا، وفق منظمة "داون" الأمريكية، بينما أفادت رسالة لأعضاء في مجلس الشيوخ يطالبون فيها بالتحقيق في تلك الحالات باستشهاد 9 مواطنين أمريكيين في الضفة الغربية منذ يناير/كانون الثاني 2022، بينهم 4 منذ تولي دونالد ترمب الرئاسة في 20 يناير/كانون الثاني 2025.
وأُعيد تأكيد العدد الأخير في أغسطس/آب 2026 في مشروع قرار يقوده السيناتور كريس فان هولن الذي يطلب من وزارة الخارجية تقديم معلومات للكونغرس بشأن هذه الحالات والتحقيقات فيها.
والشهداء منذ مطلع عام 2022 هم:
تواصلت الجزيرة نت مع السفارة الأمريكية في القدس، وسألتها عن موقفها من اعتداءات المستوطنين على مواطنين أمريكيين في الضفة الغربية، وما إذا كانت ستتخذ أي إجراءات لحمايتهم.
وجاء رد السفارة مكتوبا ومذيلا باسم القسم الصحفي في وزارة الخارجية الأمريكية، ومفاده أن الوزارة "تجري حوارا منتظما مع شركائها بشأن سبل تعزيز الاستقرار والأمن في الضفة الغربية".
وأضاف المكتب الصحفي أن الولايات المتحدة "تدين العنف الإجرامي الذي يرتكبه أي طرف في الضفة الغربية"، وتدعم "إجراء تحقيقات مناسبة، ومساءلة قانونية، وإجراءات قضائية بحق المسؤولين عنه".
وجاء في الرد أن إدارة الرئيس ترمب "تأخذ التزامها بمساعدة المواطنين الأمريكيين في الخارج على محمل الجد"، وأنها "تتابع الوضع عن كثب".
وتعقيبا على ما يراه المواطنون الأمريكيون تجاهلا لظروفهم، يقول المحلل السياسي والمختص بالشأن الأمريكي رائد نعيرات إن جوهر الصراع لا ينبغي أن يُختزل في جنسية الضحية، سواء كانت أمريكية أو فرنسية أو بريطانية "فالاعتداء في حقيقته هو اعتداء على الهوية الفلسطينية وعلى الأرض والإنسان الفلسطيني بصفة عامة، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى".
وتطرق نعيرات في حديثه -للجزيرة نت- إلى زيارة السفير الأمريكي مايك هاكابي لبلدة ترمسعيا صباح أمس السبت في أعقاب اعتداءات المستوطنين، موضحا أنها حملت في طياتها "رسائل سلبية ومثيرة للقلق (…) فالاهتمام الدبلوماسي المركز على تلك البلدة، لكون شريحة واسعة من سكانها يحملون الجنسية الأمريكية، يكرس فكرة أن الفلسطيني الأمريكي هو الوحيد الذي يستحق الالتفات إليه".
ويشدد على أن المطلوب "موقف مبدئي يدين الاستيطان كمنظومة إرهابية متكاملة"، مشيرا إلى مواقف السفير هاكابي الداعمة للاستيطان وتصريحاته التي وصف فيها المستوطنين المعتدين بأنهم "مجموعة" أو "حفنة"، معتبرا ذلك "محاولة لصناعة رواية جديدة تهدف إلى شرعنة الوجود الاستيطاني في جوهره من خلال عزل هذه الأفعال ووصفها بأنها استثنائية أو صادرة عن قلة، فيتم الإيحاء بأن المنظومة الاستيطانية الكبرى مقبولة أو شرعية".
ويعيش في الولايات المتحدة نحو 250 ألف فلسطيني وفق تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2022، بينما تشير تقديرات وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2023 إلى أنه يعيش في الضفة الغربية ما بين 45 و65 ألفا من حملة الجنسية الأمريكية.
وعموما ينحدر أغلب المواطنين الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الأمريكية من محافظة رام الله والبيرة وتحديدا بلدات: ترمسعيا، وسلواد، وسنجل، ودير دبوان والبيرة، إضافة إلى عدد من سكان القدس.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة