آخر الأخبار

كيف تبدو الحياة اليوم لمن عايش الموت من مسافة صفر؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- لم يكن يظهر من أبيه سوى نصف جسده السفلي، أما نصفه الآخر فقد كان مطمورا تحت 3 طبقات من الركام. هرول المسعف عبد القادر أحمد نحو قدمي والده، وانكفأ عليهما يقبّلهما وهو يجهش باكيا "طلبتها ونلتها يابا ".

أعاد هذا المشهد عبد القادر إلى حوار قديم، حين قطع أبوه رحلة سفره في الخارج وعاد إلى غزة ثاني أيام الحرب، ليفاجئ العائلة بعودته، وحين سألوه: لماذا عدت؟ فأجاب "لأستشهد هنا، أو لأعيش وأصلي في المسجد الأقصى".

وتذكر الابن دفع أبيه له ليكمل تطوعه مسعفا في منطقة شمال غزة خلال الحرب، بعدما كان يعارض ذلك خشية عليه. ورنّ في أذنه قوله "وهبتك لله يابا. اذهب الله معك ".

مصدر الصورة محاولات انتشال عائلة فلسطينية من تحت الدمار (الجزيرة)

عائلة كاملة ومعرف واحد

أدرك عبد القادر أنه أمام امتحان الابن الأصعب في حياته، الذي سيتحول فيه للمرة الأولى من مسعف جاء لإنقاذ الآخرين، إلى ابن يبحث عن حياة عائلته تحت الركام. قالوا له "أمك وشقيقاتك وأخوالك وأبناء شقيقك وزوج شقيقتك وأبناؤها. كلهم كانوا هنا".

ابتدأ معركة البحث بأمه، يرفع الحجارة ويناديها، إلى أن طلب منه أحد المنقذين التحقق من جسد إحدى النساء الذي وجدوه في منزل الجيران، بعدما قذفته الغارة من الطابق السادس إلى الأسفل، ذهب إليها مسرعا، كانت بالفعل هي، جسدا كاملا لكن بلا رأس.

يقول عبد القادر إنه دخل حينها في صراع بين رغبة في العثور على رأسها ليدفنها كاملة، ورغبة أخرى في ألا يجده، حتى يحتفظ في ذاكرته بصورة وجهها الجميل كما عهده.

وبعد رحلة بحث طويلة وجد جزءا من فروة رأسها وشعرها، حمله على مهل إلى كفنها، وصار يتحدث معها ويتخلل شعرها بين أصابعه، ثم يرجع لإكمال البحث عن بقية عائلته، ثم استدعاه أشقاؤه إلى المستشفى ليجد أكواما مختلطة من اللحم والعظام والأطراف وُضعت أمامه.

كان عليه أن يسمّي الأشلاء، وأن يحدد إلى من تعود كل قطعة، ثم يضعها في كفن صاحبها "هذا جزء من خالي بلال، وهذه يد خالي دياب، أما هذه فأصابع أختي العروس مريم" يقول عبد القادر واصفا للجزيرة نت شعوره في تلك اللحظات "لقد جمّدت شعوري، وأوقفت التفكير، تصرفت كمسعف وكأني لا أعرف أصحابهم، لإنجاز المهمة".

بين الأشلاء والأكفان

ومن بين الشهداء كان صلاح ابن أخيه (7 أعوام) حيث عثر عبد القادر بين الأشلاء على رقبته وبقايا شعره "وهذا كان كافيا لنعرف أنه رحل " يقول عبد القادر، مضيفا أنه عاد بعد دفنهم إلى مكان الغارة، فوجد كفّي صلاح فوق سطح منزل الجيران، ليعود ويفتح قبره، ويضعهما إلى جواره.

إعلان

اليوم وبعد 3 سنوات من المجزرة يستعيد عبد القادر هذه التفاصيل قائلا "كل شارع أمر فيه يحمل قصة استهداف وإنقاذ وأجساد انتشلت وأخرى بقيت تحت الركام " ويصمت قليلا قبل أن يختم "لقد سكنت الحرب في جغرافيا المدينة، تماما كما تسكن في ذاكرتي".

وفي المشهد الأوسع وعلى مسافة صفر من الموت في غرف تكفين الشهداء، تحدثت الجزيرة نت مع المكفّن عبد الكريم جاسر الذي يرى الموت عيانا منذ 3 أعوام ويتحسسه ويكفّنه، ويقول إنه مهما تعامل مع الموتى إلا أن قلبه يرتجف خوفا في كل مرة مع رهبة الموت.

وينفي جاسر أن يتحول تكفين الموتى إلى عادة تتبلد فيها المشاعر، فكل شهيد يغسله ويكفنه يظل بالنسبة إليه إنسانا له حرمة وكرامة وقصة تركت أثرا فيه لا يزول، غير أن ما رآه يظل يرافقه حتى حين عودته إلى المنزل، بينما ينتظر منه أطفاله أن يكون أبا عاديا.

أما المكفّن عطية الدبور، فيتحدث للجزيرة نت عن أشباح الحواس المتمثلة في الأصوات التي لا تزال تتردد في أذنيه. يحاول الفرار منها لكن عبثا، كصراخ المرأة التي فقدت زوجها ثم ارتمت على جثمانه تتوسل إليه لينهض، وتقول له "طب أنا إيش أعمل (ماذا أفعل) في التوأم الذي في بطني؟" ووجه الطفل الجائع الذي صُدم بأمه شهيدة بعدما وعدته بأن تعود بالطعام له ولإخوته في ذروة المجاعة.

الأطباء واعتياد المشهد

وبينما يتعامل المكفّنون مع الشهداء، كان رئيس قسم الطوارئ في مجمع الشفاء الطبي الدكتور معتز حرارة يعيش مع الموت في الجهة الأخرى من الحكاية.

يفصل للجزيرة نت بعض المشاهد القاسية "أن ترى مصابا أمام عينيك، وتعرف أنه بإمكانك إنقاذه لو توفرت الإمكانات، ثم تضطر إلى تركه يموت لأنك لا تستطيع أن تقدم له شيئًا". كما أن "تفتت الرؤوس، وحروق الأجساد، والطفل الذي بُترت ساقه قبل أن يتعلم المشي " تلاحق الطبيب في صحوه قبل منامه.

لكن أكثر ما يثقل ذاكرته قصة امرأة حامل وصلت إلى المشفى شهيدة بلا رأس، فيما كان نبض جنينها لا يزال موجودا في رحمها، حينها لم يكن أمامه وقت للتفكير، فأخرج الجنين وانتزع له فرصة للحياة. لكن لم تكن هناك حضانة متاحة، ولا عناية مركزة قادرة على استقباله، ليفارق الحياة بعد 12 ساعة من ولادته.

مواقف حية في ذاكرته لا تغيب، لكن هول الأحداث كان يفرض عليه أن يأتي في اليوم التالي إلى القسم بذاكرة مفرغة، حتى يستطيع القيام بدوره. ومع مرور السنوات. لم يبقَ الاستنزاف في ذاكرته وحدها. واليوم، يقول إن طاقته للعمل لم تعد كما كانت قبل الحرب.

مصدر الصورة معتز حرارة: وفرة الموت جعلت وقعه مختلفا والأطباء أنفسهم رفضوا الاستسلام واصلوا عملهم (الجزيرة)

المسؤولية فوق كل شيء

موقع معتز الإداري كرئيس لقسم الطوارئ فرض عليه ألا ينهار، وأن يستجمع قواه ليمنح الأطباء من حوله القدرة على الاستمرار، وأن يكون سندا لزملائه، بينما كان هو نفسه يواجه الجوع والنزوح والإرهاق والصدمات.

لكن سنوات مواجهة الموت خلفت خطرا آخر بأن يصبح الموت من فرط حضوره مشهدا عاديا. يقول حرارة إن وفرة الموت جعلت وقعه مختلفا وإن الأطباء أنفسهم صار يذكّر بعضهم بعضا بألا يسمحوا لهذا الاعتياد أن يتسلل إلى طريقة تعاملهم مع المرضى، ويقولون لبعضهم: "اعتبر المريض الذي بين يديك أباك، أو أمك، أو أحد أفراد عائلتك".

إعلان

كان عليهم أن يقاوموا ذلك التبلد، لأن الاعتياد على الموت، بالنسبة إليهم، لا يعني فقط أن يصبح المشهد مألوفا، بل أن يخسر المريض شيئا من حقه في أن يُعامل كما لو كان أقرب الناس إلى الطبيب.

مصدر الصورة عملية بلا بنج ولا ضوء من ذكريات الممرضة شروق الرنتيسي خلال حصار مستشفى كمال عدوان (الجزيرة)

رائحة الموت

أما شروق الرنتيسي، الممرضة المتطوعة التي شهدت حصار مستشفى كمال عدوان، فلا تحتاج إلى رؤية الموت كي تتذكره، فتكفيها الرائحة. سألتها الجزيرة نت: هل للموت رائحة؟ أجابت "نعم إنها رائحة الدم المختلط بالبارود، أو اللحم المتحلل".

تضيف شروق أنها كامرأة تحركها العاطفة كانت في بداية الإبادة تبكي أمام كل إصابة بالغة، لكنّ تكاثر الإصابات، وتتابع الأشلاء، ضيّق الوقت حتى على الخوف أو تدبّر ما يحدث. وتضيف "عشتُ صراعا بين الاستسلام والضعف وبين التعامل مع الحالات، فما كنّا نراه كان كافيا في زمن آخر لزعزعة الإنسان وانهياره ".

وتستذكر الممرضة صديقتها وزميلتها في العمل إسراء التي قُتلت حين خرجت من المستشفى لتوصل الخبز إلى أبيها، ومشاهد من اجتياحات الاحتلال للمشفى حين نزعوا أسياخ البلاتين من أقدام المرضى، ورفعوا الأجهزة عن بعضهم بعدما لم يعد بالإمكان إبقاؤهم أحياء، وموت الخدّج بين يديها لعدم توفر الأكسجين.

تجاوز الموت

حملت الجزيرة نت هذه التجارب إلى الاختصاصي النفسي سعيد الكحلوت الذي جزم بأن الإنسان "لا يستطيع أن يبقى في حالة فزع وحداد كاملين إلى ما لا نهاية". لذلك قد تضيق النفس مساحة الإحساس أحيانا، لا لأنها اعتادت الموت بمعناه الإنساني، وإنما لأنها تحاول أن تبقى قادرة على أداء أبسط وظائف الحياة.

ولهذا، فإن الإنسان، يقول الاختصاصي النفسي للجزيرة نت "لا يعتاد الموت حقا، هو يتعلم كيف يمر بجواره أو يتجاوزه كي يستطيع أن يبقى حيًا".

ويركز الكحلوت على أن هذا الأثر قد لا يظهر إلا حين يهدأ كل شيء، فأثناء الخطر لم يكن الغزي يبحث إلا عن المأوى والطعام والشراب. ويلفت إلى أنه ليس بالضرورة أن ينهار كل من عاش الحرب، فالإنسان يملك قدرة على إعادة بناء الأمان والمعنى والعلاقات، وقد يستعيد توازنه تدريجيا.

كما ينفي وجوب النسيان كشرط للتعافي، معرفا إياه بأن تأخذ الذكرى مكانها في الماضي، بدل أن تستمر في احتلال الحاضر كله، وأن يحزن دون أن ينهار.

سألته الجزيرة نت: كيف يمكن أن تمحى الحرب من ذاكرة الغزيين؟ فأجاب: المطلوب ليس أن تُمحى ذاكرتهم، بل أن تصبح الحرب جزءا من قصتهم، لا القصة كلها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا