يُعد البحر الميّت واحداً من أكثر المعالم الطبيعية والجيولوجية تفرّداً في العالم. فعلى الرغم من اسمه، فهو في الحقيقة بحيرة شديدة الملوحة وتحتل أكثر بقاع الأرض انخفاضاً.
وعلى مدى ملايين السنين، تشكّل هذا المسطح المائي نتيجة تحولات جيولوجية ومناخية عميقة، إلّا أنه اليوم يواجه تحدياً خطيراً يتمثل في الانحسار المتسارع لمياهه، الأمر الذي أدّى إلى ظهور مخاطر بيئية وجيولوجية تهدد المنطقة وسكّانها.
وبينما تتعدد التفسيرات حول مستقبل البحر الميت، تبرز الحاجة إلى فهم تاريخه الجيولوجي ونظامه البيئي.
وفي متحف البحر الميت الواقع على قمة جبلية مرتفعة، تطل على منطقة البحر الميت، رأيت مشهداً طبيعياً فريداً للمنطقة المحيطة.
وداخل المتحف، تصطف المعروضات على امتداد جدرانه، بطريقة تتيح للزائر التجول بينها والتعرف على المعلومات والمقتنيات بوضوح.
فماذا تقول هذه المعروضات؟
إن حركة الصفائح القارّية، هذه القطع الكبيرة من الأرض التي نعيش عليها، على مدى ملايين السنين، تؤدّي إلى تغيير مواقع القارات على وجه الأرض، حيث تنفصل عن بعضها البعض وتتصادم، وكذلك ترتفع أو تغرق تحت منسوب مياه البحر.
ومن هذه القارّات، قارّة إفريقيا التي استمرّت حركتها إلى أن انفصلت عن شبه الجزيرة العربية قبل حوالي 15 مليون سنة، وشكّلت ما يعرف بـ "الصدع".
وتواصل اتّساع هذا الصدع حيث سمح لمياه البحار بأن تدخل بين إفريقيا والجزيرة العربية لتكوّن ما نسميه الآن البحر الأحمر. كما غمرت المياه مساحات أخرى في الأجزاء الشمالية من هذا الصدع، تحديداً في منطقة غور الأردن.
ومن هنا، بدأت ولادة البحر الميت، من خلال بحيرات عديدة ذات مياه مالحة وعذبة استمرت في تغيير مواقعها وأحجامها.
ومن أقدم هذه البحيرات "بحيرة أصدم"، التي كانت على درجة عالية من الملوحة، كما هو الحال في البحر الميت وبشكل لا يسمح للأسماك أن تعيش فيها، إلّا أن الجيولوجيين تعرفوا على نوع معيّن من الأسماك دخلت ضمن ترسبات هذه البحيرة بشكل يدل على الاتصال بينها وبين البحر الأبيض المتوسط.
وهناك أيضاً "بحيرة الشاغور" التي تشكلّت في موقع إلى الشمال الشرقي من موقع البحر الميت الحالي، حيث احتوت هذه البحيرة على مياه ذات ملوحة تسمح للأسماك بأن تعيش فيها.
كما تشكلّت بحيرتان في منطقة وادي الأردن، هما "بحيرة السمرة"، و"بحيرة اللسان" التي كانت قليلة العرض وبطول 225 كيلومتراً، من مسافة 35 كيلومتراً جنوب البحر الميت الحالي وحتى بحيرة طبريا شمال وادي الأردن.
لكن هاتين البحيرتين جفتا وأصبحتا أكثر ملوحة وانقسمتا إلى 3 بحيرات أصغر حجماً قبل حوالي 15 ألف سنة. وهذه البحيرات هي بحيرة طبريا، وبحيرة بيسان والبحر الميت.
ومنذ بداية تكوين حوض البحر الميت قبل حوالي 15 مليون سنة وإلى الآن، انخفض قاع هذا الحوض بما يقرب 7500 متر.
يُعتبر البحر الميت من أهم المعالم الجيولوجية الكيميائية على وجه الأرض. وقد تطورت البحيرة الكيميائية هذه لتحوي نسباً غريبة من المعادن. فهناك أملاح غير مألوفة تراكمت وما زالت تتراكم في هذه البحيرة، آتية من ينابيع عميقة في باطن البحر الميت.
وعن طريق التبخر، تغادر البحر كميات هائلة من المياه، تاركة وراءها الأملاح التي أحضرتها، أي إن دورة المياه القادمة إلى البحر والخارجة منه يصاحبها دورة أملاح قادمة إلى البحر دون خروج.
ويرى زيد السوالقة، الرئيس التنفيذي لجمعية أصدقاء البحر الميت، أن التغير المناخي ليس سبباً رئيسياً لانحسار مياه البحر الميت، بل إن السبب يكمن في تحويل مجرى نهر الأردن عن مجراه الطبيعي، باتجاه الجانب الغربي من البحر الميت.
ويقول السوالقة في حديثه لـبي بي سي، إن نهر الأردن كان يصب ما معدله مليار و400 مليون متر مكعب سنوياً من المياه في البحر الميت وكان بمثابة شريان حياة لهذا البحر الذي لا يتصل بطبيعته بأي من المحيطات.
ويضيف أنه "لا يصل حالياً 7 في المئة من هذه المياه للبحر الميت"، مبيّناً أن انخفاض مدخوله من المياه أصبح تراكمياً على مدار السنوات دون وجود تعويض لهذه المياه القادمة من نهر الأردن.
أمّا عن المصبات الأخرى الفرعية مثل مصب وادي الموجب ومصب زرقاء ماعين ومصب مخيرس ومصب عين جدي التي كانت تصب في البحر الميت، فتم إغلاقها لاستخدامها في مشروعات لتحلية المياه على ضفتي البحر الميت.
ويوضح أن البحر الميت بدأ بخسارة ربع متر من مستوى المياه سنوياً في سبعينيات وثمانينات القرن الماضي إلى أن وصل إلى خسارة متر ونصف سنوياً من مستوى مياه البحر.
ويشير إلى أن البحر الميت يعتمد حالياً على الأمطار، وهي شحيحة في هذه المنطقة. كما أن مياه البحر تتعرّض لعملية التبخر دون تعويض لهذه المياه.
أمّا شرح مُتحف البحر الميت، فيؤكّد أن الصناعات التعدينية المختلفة على جانبي البحر ساهمت بشكل كبير جداً في استنزاف مياهه، خاصة في مناطقه الجنوبية.
ويلفت هذا الشرح إلى أن ذلك يتزامن مع تراجع معدلات الأمطار السنوية في المناطق المحيطة بالبحر، إضافة إلى ارتفاع معدلات التبخر بين البحار في العالم.
وفي السياق، يصادف السابع والعشرين من أغسطس/آب من كل عام، اليوم العالمي للبحيرات. حيث يوجد على كوكب الأرض أكثر من 117 مليون بحيرة، تغطي ما يقارب 4 في المئة من مساحة اليابسة.
وتحذر منظمة الأمم المتحدة من أن تواصل الممارسات المجحفة في استخدام البحيرات، سيؤدي إلى تراجعها بشكل خطير في العقود القادمة.
وتشير إلى أن البحيرات تواجه تحديات جمّة نتيجة الإفراط في استخدامها والتلوث وتغير المناخ. وفي كثير من الأحيان، يتفاقم هذا الأمر بفعل الاحتباس الحراري.
أمّا عن مخاطر انحسار مياه البحر الميت بشكل خاص، فتتمثل في تشكُّل ما يعرف بـ "الحفر الغاطسة" في العديد من المناطق المحيطة بالبحر الميت بعد أن بدأ منسوب المياه فيه بالتراجع.
والحفر الغاطسة هي حفر تحدث في الأرض بأشكال وأحجام مختلفة قد تكون بحجم وشكل تشققات صغيرة على سطح التربة أو كبيرة بمساحات تصل إلى عشرات الأمتار المربعة وبعمق يصل إلى 25 متراً أحياناً.
وتحدث هذه الحفر في هذه المناطق لأن التربة فيها تحتوي على نسبة أملاح عالية، كما أنها تربة رملية كانت فيما مضى قريبة جداً من شاطئ البحر الميت، إلا أنها الآن أصبحت بعيدة بمئات الأمتار عن الشاطئ الحالي للبحر.
وتتكون الحفر الغاطسة نتيجة ري الخضراوات باستخدام المياه العذبة التي تؤدي بدورها إلى إذابة الأملاح الموجودة في التربة، ونظرا لابتعاد المنطقة عن البحر فإن البحر يقف عاجزاً عن تعويض هذه الأملاح المفقودة.
وهنا تصبح التربة هشّة وخفيفة الوزن فتنخفض إلى أسفل مكونة حفرة كبيرة غير ظاهرة للعيان لوجود قشرة رقيقة من التراب تغطيها وتخفيها. وعند مرور أي شخص فوقها تنهار هذه القشرة وتظهر الحفرة التي تسمى بـ "الحفرة الغاطسة".
وهنا يحذّر السوالقة من خطر هذه الحفر على السكان وعلى المارة، مؤكداً أن "أي تسريب للمياه العذبة على هذه التربة شديدة الملوحة يؤدي إلى تكوّن الحفر التي يصل عمقها إلى 30 أو حتى 40 متراً".
يستمر منسوب البحر الميت في الانخفاض من وضعه الحالي ليصل إلى مستويات جديدة.
وفي أوائل القرن الماضي، أي قبل مئة عام من الآن، كانت مساحة البحر الميت تقارب 950 كيلومتراً مربعاً. أمّا حالياً فإن مساحة سطح مياه البحر تقلصت تقريباً إلى 600 متر مربع.
وعلى الأرجح، وفي حال اسمتر شح المياه المغذية للبحر الميت على معدلاته الحالية، يمكن التنبؤ بأن منسوب سطح البحر الميت سوف ينخفض بمقدار ثمانين متراً تقريباً عن ما هو عليه الآن، ليصبح منسوبه تقريباً أقل بـ 500 متر عن منسوب بحار العالم.
يمكن لهذا الوضع أن يحدث مع قدوم عام 2400 ليبقى فقط ثلثا مياه البحر الحالية، وسيتقلص سطح هذه البحيرة إلى 536 كيلومتراً مربعاً فقط.
وبعد هذه المرحلة، إن حدثت، فإن البحر الميت سوف يصل إلى نوع من الثبات ويرفض أن يموت أكثر.
ورغم انحسار مياه البحر الميت، إلّا أن السوالقة يؤكد أنه لا توجد دراسات كافية تبين أن البحر الميت سيختفي بعد عدد معين من السنوات.
ويدعو إلى أن يُصب فائض المياه من عمليات تحلية المياه في البحر الميت، لمحاولة إنقاذه.
إن ملوحة البحر الميت لا تسمح للأسماك بأن تعيش فيه، وعندما تصل أسماك نهر الأردن إلى مياه البحر الميت يتوجب عليها أن تسبح بسرعة عائدة إلى مياه النهر العذبة حفاظاً على حياتها.
بدوره، يوضح السوالقة أن أي كمية من المياه العذبة التي تدخل إلى البحر الميت، مهما كبُرت، لا تكون قادرة على تغيير تركيبته من الأحياء البحرية.
ويشير إلى أن أغلب المياه المتبخرة تكون من المياه العذبة التي تدخله، كونها تستقر على سطح البحر بسبب كثافتها المنخفضة مقارنة بالمياه المالحة.
لكن هناك أشكالا من الحياة تنتشر في مياه البحر، خاصة عندما تنخفض ملوحة المياه قليلاً عندما تأتي إلى البحر مياه عذبة.
فهناك 12 نوعاً من الأحياء الدقيقة التي تستطيع العيش في المياه شديدة الملوحة، وتنتشر هذه الأحياء بجموعات هائلة وبشكل سريع كل بضعة أعوام.
يمكن رؤية هذه المجموعات الميكروبية على شكل خطوط بطول 50 إلى 100 متر، حمراء اللون، تتحرك في الطبقة العليا من مياه البحر، ويطلق العلماء على هذه الأحياء اسم "محبات الملح"، ويرى العلماء أن لهذه الأحياء المجهرية أهمية للتعرف على كيفية تأقلم الأحياء مع الظروف الحرارية أو الكيميائية الصعبة جداً.
ويثبت البحر الميت، رغم قسوة بيئته، أن الحياة قد تجد طريقها حتى في أكثر الأماكن ملوحة على وجه الأرض.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة