صعّدت إسرائيل، الأحد، من لهجتها، متوعّدة بتنفيذ اغتيالات وإخلاء أحياء في غزة، رداً على إطلاق طائرات ورقية وبالونات من القطاع، في مشهد يطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا تنظر الدولة العبرية إلى هذه الألعاب بوصفها تهديداً استراتيجياً؟
في الأيام الأخيرة، تناقلت وسائل إعلام إسرائيلية، أنباء عن سقوط عدة طائرات ورقية في مستوطنات متاخمة للقطاع، وبالرغم من أنها تبدو "غير مؤذية" ولا تعدو كونها أكثر من أوراق ملوّنة، إلا أن رد الفعل الرسمي كان قويّا.
فقد خرج مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ب نيامين نتنياهو ببيان شديد اللهجة، توعّد فيه بـ"إخلاء المناطق التي تنطلق منها البالونات والطائرات المسيّرة والورقية من قطاع غزة"، مهدداً بزيادة عمليات استهداف القائمين على هذه الأنشطة إذا لم توقفها "حماس فوراً".
وشدد البيان على أن تل أبيب "لن تعود إلى ما قبل 7 أكتوبر، ولن تسمح لأي جهة في غزة بتهديد تجمعاتها وتقويض أمنها"، مشيراً إلى أن نتنياهو عقد اجتماعاً طارئاً مع قادة الجيش لبحث ما وصفه بـ"تهديد المسيّرات والطائرات الورقية".
وتوافقت اللهجة الشديدة مع مخاوف سكان غلاف غزة، إذ نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن أحدهم قوله: "ليست الطائرات الورقية الملوّنة هي ما يقلقنا، بل الدافع وراء إطلاقها".
وحذرت بار منشوري، المسؤولة الأمنية في المجلس الإقليمي شعار النقب، من "مغبة التعامل مع هذه الظاهرة باستخفاف". وأوضحت أن "الخطر الأكبر لا يكمن في الطائرات الورقية، بل في احتمال أن يصبح إطلاقها عادة لدى أطفال القطاع، مما يمهد لمراحل تالية "أكثر خطورة" حسب تعبيرها.
وقالت: "سكان غلاف غزة بدأوا للتو بالعودة إلى منازلهم، ونحن نخشى أن يتحول هذا المشهد إلى سابقة خطيرة" وشددت على ضرورة تبني الحكومة موقفًا استباقيا، محذرة من "الصمت اليوم قد يُقرأ غداً كإذن بالتصعيد".
وأضافت المسؤولة الإسرائيلية: "إذا أهملنا هذه الطائرات، فقد نجد أنفسنا أمام طائرات حارقة، ثم بالونات متفجرة، وفي النهاية مسيرات مفخّخة تحمل الموت. لا يمكن للجيش أن يقول لنا إن الأمور تحت السيطرة، ليس بعد 7 أكتوبر".
وفي المقابل، تعالت في تل أبيب أصواتٌ تدعو إلى احتواء الموقف وعدم المبالغة" في الردّ على طائرات ورقية بسيطة.
لكن هذا التوجه قوبل باستياء واسع، إذ قال منتدى غلاف غزة – وهو هيئة تمثل سكان المنطقة – في بيان له: "سكان غلاف غزة لا يخشون الطائرات الورقية بقدر ما يخشون منطق المؤسسة العسكرية التي تصفها بأنها مجرد ألعاب أطفال لا تحمل خطراً. هذا هو بعينه المنطق الذي سبق فاجعة 7 أكتوبر".
ويزيد من القلق الإسرائيلي أن الطائرات الورقية برزت بشكل كبير خلال " مسيرات العودة " عام 2018، وهي احتجاجات شعبية انطلقت في غزة للمطالبة بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى مدنهم وقراهم الموجودة في الداخل الإسرائيلي (أراضي الـ 48) أثناء النكبة ونادوا بكسر الحصار المفروض على القطاع.
وخلال تلك الفعاليات، رُبطت الطائرات بمواد قابلة للاشتعال وأُطلقت باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مما تسبب في إحراق مساحات زراعية واسعة.
وبالنسبة لإسرائيل، فإن المفارقة اللافتة تكمن في أن هذه الطائرات، ومن خلال ضآلة ثمنها وبساطة صنعها، تطرح تحدياً أعقد من مواجهة صواريخ متطورة، إذ إن اكتشافها وإبطال مفعولها يتطلبان جهداً أكبر وإنفاقاً أوفر. وبهذا، تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة ذات شقّين: شقّ أمني يتعلق بسلامة مستوطناتها، وآخر اقتصادي يرتبط بتصاعد نفقات التصدي لتلك الطائرات.
أما في الجانب الآخر من الحدود، فتحمل هذه الألعاب معنى أكثر براءة. إذ يرى فيها أطفال غزة متنفساً للفرح وسط الركام الذي أنهك أيامهم، حيث يقول عدي أبو عودة (12 عاماً) لشبكة "أي بي سي" نيوز: "نصنع الطائرات ونطير بها، ننسى القصف، ننسى أصوات الطائرات الاستطلاعية التي تزعجنا في الخيام". ويضيق نائل النجار (15 عاماً): "تحليق الطائرات يمنحنا الحرية والسعادة، ويملأ فراغنا الذي تركته المدارس المغلقة".
في المقابل، اعتبرت حركة حماس التهديدات الإسرائيلية محاولة مكشوفة لخلق "ذرائع عدوانية"، واصفة الطائرات بأنها "ألعاب أطفال في مخيمات النزوح". وقال المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم: "هذه التهديدات القائمة على اختلاق المبررات، هي استمرار للعدوان، وصولاً إلى تهديد الأطفال في غزة".
ودعا قاسم الإدارة الأمريكية والدول الوسيطة إلى التدخل الفوري لوقف "هذا الانفلات في العدوان"، محذراً من أن استمرار التهديدات الإسرائيلية قد يُفشل مسار وقف إطلاق النار الذي تلتزم به حماس وفق قوله، ومطالباً بضغوط حقيقية "لكبح جماح الاحتلال" حسب تعبيره.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة