في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بحلول نوفمبر/تشرين الثاني القادم، قد يصبح عبد الرحمن السيد الشهير بـ"عبدول" أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي في التاريخ. ليست هذه معلومة للاستهلاك في المسابقات العامة عن أول مسلم يفعل شيئا ما، فقبل عقدين، دخل كيث إليسون الكونغرس كأول نائب أمريكي مسلم، وكذلك صار صادق خان أول عمدة مسلم لمدينة لندن في عام 2016، ثم لحقه قبل أشهر زهران ممداني في نيويورك، ليتولى مسلمان عمودية العاصمتين الإمبراطوريتين الأهم في التاريخ الحديث.
المهم إذن ليس أن يحتل مسلم أمريكي أو أوروبي موقعا مرموقا في سلم السلطة في تلك البلدان الكبرى، بل المهم حقا هو ما يعبر عنه هؤلاء السياسيون المسلمون من أمثال عبدول وزهران ممداني ومن قبلهما رشيدة طليب وإلهان عمر، وعشرات من النشطاء المسلمين الصاعدين في السياسة الأمريكية، هذه المرة ليس تحت شعار الأقلية المفزوعة، بل تحت شعار واقع جديد شجاع يصنعه مسلمون نجحوا في توحيد مجتمعاتهم حول برنامج سياسي يرفض المال السياسي وتخريب الديمقراطية، والسياسات الإمبريالية الاستعمارية التي تدعم الاحتلال الإسرائيلي، والتفاوت الاجتماعي وارتفاع تكاليف المعيشة، وإفقار الجمهور الواسع من أجل قلة ثرية.
حين خاض عبد الرحمن السيد، أو عبدول كما يناديه الأمريكيون، انتخابات حاكم ولاية ميشيغان عام 2018، كان السؤال الذي لاحقه طوال الحملة هو كيف يمكن لمسلم أمريكي، يحمل اسمًا عربيا واضحا، ويتبنى برنامجا يقع إلى يسار مؤسسة الحزب الديمقراطي أن يفوز في ولاية متأرجحة مثل ميشيغان يحظى الحزب الجمهوري فيها بقوة لا تجعل الانتماء للحزب الديمقراطي سببا كافيا لتحقيق الفوز.
خسر عبدول تلك الانتخابات أمام غريتشن ويتمر، حاكمة الولاية الحالية، بفارق كبير، وحينها بدا من السهل تفسير هزيمته باعتبارها تأكيدًا للحكمة التقليدية للسياسة الأمريكية، وهي أن بإمكان المرشح المسلم أن يشارك، وربما يصبح نائبًا في الكونغرس عن دائرة محسومة للديمقراطيين، لكن الوصول إلى منصب تنفيذي كبير في ولاية متأرجحة يحتاج إلى مرشح "أكثر اعتدالا" و"أقل إثارة للانقسام".
لكن هذه الحكمة تتغير الآن بعد 8 سنوات من التجربة الأولى، وبعد أن تمكن مرشح أمريكي مسلم من أصل عربي من هزيمة المرشحة الضمنية للمؤسسة الديمقراطية في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ميشيغان، هايلي ستيفنز، رغم الدعم المالي والسياسي الهائل الذي حصلت عليه من اللوبي الإسرائيلي "أيباك" الذي أنفق أكثر من 30 مليار دولار لإسقاط منافسها، ورغم تدخل شخصيات بارزة داخل الحزب لمصلحتها.
"ينخرط المسلمون الأمريكيون في السياسة، ولكن هذه المرة ليس كأقلية مفزوعة تفتش عن حماية"
يأتي صعود عبدول كذلك في سياق يجعله أكثر إثارة. ففي نيويورك، يقدم زهران ممداني نموذجًا آخر أكثر وضوحًا لسياسي مسلم شاب يرتبط بالاشتراكية الديمقراطية، ويجمع بين الدفاع الصريح عن الفلسطينيين وبين برنامج اقتصادي يركز على الإيجارات والمواصلات ورعاية الأطفال وتكاليف المعيشة. وقبل الرجلين كانت حملات بيرني ساندرز، ثم صعود ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز وجناح اليسار في الكونغرس، قد أعادت فتح المجال أمام خطاب ظل لعقود هامشا لا يُرى على متن الحزب الديمقراطي.
تتقاطع الظاهرتان معا لتشكلا الجدل السياسي الأمريكي اليوم. ينخرط المسلمون الأمريكيون في السياسة الأمريكية، ولكن هذه المرة ليس كأقلية مفزوعة تفتش عن حماية كما كان الحال بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإنما كمكوّن أمريكي ينتزع مواطنته من على منصة يسارية تقدمية تتحدى التقاليد السياسية الأمريكية، وتسعى إلى تغيير جذري لا لأوضاع الأقليات، وإنما للمواطن الأمريكي الأبيض نفسه أو ما يسمى "جو المتوسط "Average Joe"، أو رجل الشارع العادي بتعبيراتنا.
من الضروري أولا التمييز بين العرب الأمريكيين والمسلمين الأمريكيين، فهما جماعتان متداخلتان وليستا مترادفتين. فأغلبية العرب الأمريكيين مسيحيون أو لا يعرفون أنفسهم كمسلمين، في حين أن غالبية المسلمين الأمريكيين ليسوا عربا. ووفق المسح السكاني الأمريكي لعام 2024، عرّف نحو 2.35 مليون شخص أنفسهم بأنهم من أصول عربية، بينما يقدر المعهد العربي الأمريكي العدد الحقيقي بنحو 3.7 ملايين، معتبرًا أن الأرقام الرسمية تعاني نقصًا تاريخيًا في الحصر.
ومن أكبر الجماعات العربية المسجلة في بيانات 2024 اللبنانيون، بنحو 625 ألفا، ثم المصريون بواقع 323 ألفا، والسوريون 211 ألفا، والفلسطينيون 195 ألفا، والعراقيون 170 ألفا، والمغاربة 156 ألفا، فضلا عن مئات الآلاف الذين يعرّفون أصلهم ببساطة بأنه عربي.
أما المسلمون فلا يوجد لهم تعداد رسمي، لأن التعداد الأمريكي لا يسأل عن الدين، لكن دراسة مركز بيو للإحصاء لعام 2023-2024 وجدت أنهم يشكلون نحو 1.2% من البالغين الأمريكيين، ويقدر العدد الإجمالي بنحو 3.5 مليون مسلم أمريكي.
"يعد المسلمون في الولايات المتحدة من أكثر الجماعات الدينية تنوعا عرقيا"
ويعد المسلمون في الولايات المتحدة من أكثر الجماعات الدينية تنوعًا عرقيا، فهم ليسوا عربا بالأساس، بل يقارب الآسيويون والبيض 30% لكل منهما، والسود 20%، واللاتينيون 11%، بينما وجد مسح معهد السياسة الاجتماعية والتفاهم "ISPU" لعام 2025، الذي يفصل العرب كفئة مستقلة، أن المسلمين يتوزعون إلى 28% للسود، و24% للآسيويين، و20% للبيض، و12% للعرب، وأخيرا 9% للاتينيين.
جغرافيًا، لا يتوزع العرب والمسلمون بصورة متساوية على الولايات المتحدة، بل يعيشون في مراكز حضرية كثيفة تمنحهم وزنا اجتماعيا وسياسيا يفوق نسبتهم الوطنية. ويقدّر المعهد العربي الأمريكي أن ما يصل إلى 95% من العرب الأمريكيين يعيشون في مناطق حضرية كبرى وليس في الريف، مع تركّز واضح في نيويورك وديترويت (ولاية ميشيغان) ولوس أنجلوس وشيكاغو وواشنطن ومينيابوليس. وتقدم اللغة العربية مؤشرًا آخر على هذا التركز، فوفق تحليل مركز بيو، يعيش 53% ممن يتحدثون العربية في المنزل في خمس ولايات فقط هي كاليفورنيا 17%، ميشيغان 14%، تكساس 8%، نيويورك 7%، ونيوجيرسي 6%.
أما المسلمون عمومًا، فخريطتهم الجغرافية أكثر انتشارًا، إذ تشير بيانات مركز بيو إلى أن نحو 33% يعيشون في الجنوب، و29% في الشمال الشرقي، و20% في الغرب الأوسط، و18% في الغرب. يفسر هذا أهمية تجمعات مثل ديربورن وديترويت في ميشيغان، ونيويورك ونيوجيرسي، وشمال فرجينيا وميريلاند، وشيكاغو، وتكساس وكاليفورنيا.
"يظهر العرب الأمريكيون حضورا قويا في المجالات المهنية العليا مثل الطب والصيدلة والهندسة والتكنولوجيا والتعليم والإدارة"
من الناحية الاقتصادية، ينتشر تصور غير دقيق عن أن معظم العرب والمسلمين ينتمون إلى جماعات المهجر منخفضة الدخل. أما الواقع فمختلف إلى حد بعيد وأكثر تعقيدا، إذ يظهر العرب الأمريكيون حضورًا قويًا في المجالات المهنية العليا مثل الطب والصيدلة والهندسة والتكنولوجيا والتعليم والإدارة، بجانب حضور تجاري فعال في تجارة التجزئة والمطاعم والعقارات والمشروعات الصغيرة، ويعود هذا الحضور التجاري إلى تقليد قديم من ريادة الأعمال بدأ منذ موجات الهجرة الشامية الأولى في أواخر القرن التاسع عشر.
ويظهر مسح المجتمع الأمريكي لعام 2023 أن متوسط الدخل الوسيط للأسر ذات الأصل العربي بلغ نحو 99,505 دولارات سنويا، وإن كان هذا المتوسط يخفي فروقًا كبيرة بين عائلات اللبنانيين والمصريين والفلسطينيين القدامي من جهة، وبين بعض جماعات اللاجئين والمهاجرين الأحدث من جهة أخرى.
تعليميا، تظهر بيانات مركز بيو أن 44% من المسلمين البالغين حاصلون على شهادة جامعية على الأقل، ومنهم 26% يحملون درجات دراسات عليا، وأن نحو نصفهم يعملون بدوام كامل، إلا أن مسح معهد السياسة الاجتماعية والتفاهم لعام 2025 وجد أن نحو ثلث الأسر المسلمة يقل دخلها عن 30 ألف دولار سنويًا، وهو دخل منخفض جدا بالمعايير الأمريكية. يعني ذلك أن المجتمع المسلم في الولايات المتحدة ليس طبقة اقتصادية واحدة، وإنما يحتوي على تباينات اقتصادية كبيرة.
"القيمة الاقتصادية للعرب والمسلمين الأمريكيين لا تكمن فقط في الأجور والاستهلاك، بل في تكوين رأس المال، وإنشاء الشركات ودفع الضرائب"
وفي دراسة حديثة نسبيًا عن المهاجرين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي فئة أوسع من العرب ولا تشمل الأمريكيين المولودين في البلاد، وجد مجلس الهجرة الأمريكي أن 9.8% منهم يعملون لحسابهم الخاص، أي أكثر من ضعف النسبة بين الأمريكيين المولودين في الولايات المتحدة البالغة 4.4%. وبلغ مجموع دخول أسر هؤلاء المهاجرين نحو 92 مليار دولار سنويًا، دفعوا منها 17.9 مليار دولار ضرائب فيدرالية و8.3 مليارات ضرائب للولايات والمحليات، تاركين قوة شرائية تقارب 65.8 مليار دولار.
كما أن وجودهم الاقتصادي يمتد من الوظائف عالية المهارة، كالطب والعلوم والهندسة، إلى النقل والتجارة والخدمات والمشروعات العائلية. ولذلك فإن القيمة الاقتصادية للعرب والمسلمين الأمريكيين لا تكمن فقط في الأجور والاستهلاك، بل في تكوين رأس المال، وإنشاء الشركات، وامتلاك الأعمال الصغيرة، وتوظيف العمال، ودفع الضرائب، والمشاركة المباشرة في إنتاج السلع والخدمات داخل الاقتصاد الأمريكي.
في دراسة حول المشاركة السياسية للمسلمين الأمريكيين بعد 11 سبتمبر تعود إلى عام 2008، رفض الباحثان جون آيرز وريتشارد هوفستيتر الفرضية الشائعة حول المسلمين في الولايات المتحدة باعتبارهم جماعة هامشية أو ضعيفة الاندماج السياسي. وعلى العكس، وجد الباحثان أن المسلمين الأمريكيين سجلوا معدلات مرتفعة للغاية من المشاركة السياسية مقارنة بالأمريكيين عموما.
اعتمدت الدراسة على استطلاع وطني أُجري عام 2004 وشمل 1846 مسلمًا أمريكيا، وقاست المشاركة السياسية من خلال التصويت، والتبرع للحملات أو التطوع فيها، والتواصل مع السياسيين والإعلام، وتوقيع العرائض، وحضور المسيرات، والمقاطعة السياسية، وزيارة المواقع السياسية، والانخراط في الأحزاب. ووجدت أن المسلم الأمريكي مارس في المتوسط أكثر من 3 أشكال من النشاط السياسي، مقابل نحو 1.6 لدى الجمهور الأمريكي عموما. وبلغت نسبة الإقبال على التصويت في انتخابات عام 2000 نحو 80.4% بين المسلمين المؤهلين قانونيا (المجنسين)، وهو ما يعادل 61.1% من عموم المقيمين المسلمين المشمولين في الاستطلاع.
"الممارسات الدينية التي تنتج عمليات اجتماعية مثل الحضور إلى المسجد والتطوع والأنشطة الجماعية، ارتبطت بزيادة المشاركة السياسية"
تحاول الدراسة تفسير هذه المشاركة من خلال 4 أنواع من العوامل: الدين، والموارد السياسية، والبنية الاجتماعية، والوعي السياسي. وكانت النتيجة المهمة أن العلاقة بين التدين والمشاركة ليست بسيطة. فالممارسات الدينية التي تنتج عمليات اجتماعية مثل الحضور إلى المسجد والتطوع والأنشطة الجماعية، ارتبطت بزيادة المشاركة، لأنها توفر مهارات وشبكات يمكن نقلها إلى المجال السياسي. أما قوة الاعتقاد الديني أو مركزية الهوية الدينية في حد ذاتها فلم تكن عاملًا مباشرًا في رفع المشاركة. ومن ثم يميز الباحثان بين الدين كاعتقاد والدين كمصدر للمهارات الاجتماعية والشبكات المدنية.
لكن العامل الأكثر أهمية لم يكن الإسلام نفسه، بل الموارد التي تفسر المشاركة السياسية لدى الأمريكيين عمومًا مثل التعليم، والدخل، والخبرة التنظيمية، والمهارات المهنية، والمواطنة، والاهتمام بالسياسة. وكان المسلمون في العينة يتمتعون بمستويات مرتفعة نسبياً من التعليم والدخل، وهو ما ساعد في تحويلهم إلى جماعة ذات قدرة مرتفعة على الانخراط السياسي. ولهذا يخلص الباحثان إلى أن المشاركة السياسية للمسلمين يمكن تفسيرها إلى حد بعيد بمواردهم الاجتماعية والاقتصادية وليس بخصوصية دينية استثنائية.
تظهر دراسة أخرى لأماني جمال من جامعة برينستون العلاقة بين المشاركة في المسجد والانخراط المدني والسياسي لدى المسلمين في الولايات المتحدة. وتنطلق الدراسة من سؤال أساسي: هل يعمل المسجد، كما تعمل الكنائس في السياق الأمريكي، بوصفه مؤسسة تُكسب الأفراد مهارات مدنية وتدفعهم إلى المشاركة السياسية؟ وتخلص جمال إلى أن المسجد يؤدي بالفعل هذا الدور، لكن تأثيره يختلف بصورة واضحة بين العرب المسلمين، والأمريكيين الأفارقة المسلمين، والمسلمين من أصول جنوب آسيوية.
تعتمد الدراسة على استطلاع أجرته مؤسسة زغبي عام 2002 وشمل 335 مسلمًا في منطقة نيويورك. وتقيس المشاركة السياسية من خلال أنشطة مثل التواصل مع السياسيين أو الإعلام، وتوقيع العرائض، وحضور المسيرات، والتبرع للحملات أو التطوع فيها، والعضوية النشطة في الأحزاب. وتجد أن ارتفاع مستوى المشاركة في أنشطة المسجد يرتبط عمومًا بارتفاع مستوى النشاط السياسي، لكن هذه العلاقة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تُقسَّم العينة إثنيا.
"تحول المسجد عند العرب الأمريكيين إلى مساحة تجمع بين الدين، وبناء المجتمع، والتعبئة السياسية"
النتيجة الأهم هي أن المسجد يرتبط بقوة بالمشاركة السياسية لدى العرب المسلمين، بينما لا يظهر التأثير نفسه بالوضوح ذاته لدى المسلمين السود أو الجنوب آسيويين. فالعرب الأكثر انخراطًا في المسجد يميلون إلى مستويات أعلى من النشاط السياسي والمدني. وتفسر جمال ذلك جزئيًا بتاريخ العرب الأمريكيين أنفسهم، الذين طوروا منذ وقت مبكر نشاطًا سياسيًا يستهدف أمرين هما تحسين صورة العرب والمسلمين داخل الولايات المتحدة، والتأثير في السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصًا تجاه الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي. وهكذا تحول المسجد داخل هذه الجماعة إلى مساحة تجمع بين الدين، وبناء المجتمع، والتعبئة السياسية.
أما لدى المسلمين من أصول جنوب آسيوية، فتجد الدراسة أن المشاركة في المسجد ترتبط بدرجة أكبر بالنشاط المدني وليس السياسي. فالمساجد تساعدهم على الانخراط في الجمعيات والعمل الخيري والمجتمعي، لكن هذا الرصيد المدني لم يكن قد تحول، وقت إجراء الدراسة، إلى مشاركة سياسية واسعة. وتشير أماني جمال إلى احتمال أن يكون السبب هو أن الخبرة السياسية للجاليات الجنوب آسيوية داخل الولايات المتحدة كانت أقل ارتباطًا بقضايا السياسة الخارجية والتمييز قبل 11 سبتمبر، وأن تركيزها كان بدرجة أكبر على شؤون المجتمع الداخلية.
أما المسلمون الأمريكيون من أصول أفريقية، فالصورة عندهم مختلفة. فالمشاركة في المسجد لا ترتبط في الدراسة بزيادة واضحة في المشاركة المدنية أو السياسية، لكنها ترتبط بارتفاع الوعي الجماعي والإحساس بالتمييز الذي يتعرض له المسلمون. وهذا يعني أن المسجد يقوي التضامن والهوية المشتركة، من دون أن يحول ذلك بالضرورة إلى نشاط سياسي مباشر.
وفي النهاية، ترفض الدراسة التعامل مع "المسلمين الأمريكيين" بوصفهم كتلة سياسية متجانسة. فالتأثير السياسي للمسجد يتشكل بحسب التاريخ الإثني وتجربة كل جماعة مع الدولة والمجتمع الأمريكيين والتمييز والسياسة الخارجية. وبالنسبة للعرب المسلمين تحديدًا، يظهر المسجد كمؤسسة متعددة الوظائف: مكان للعبادة، ومركز للحياة المدنية، ومنصة لتكوين الوعي الجماعي، وأداة للتعبئة السياسية في الوقت نفسه.
لم يكن الانخراط السياسي للمسلمين الأمريكيين إذن ظاهرة ولدت مع غزة أو مع صعود دونالد ترمب. فالأساس التنظيمي لهذه المشاركة أقدم بكثير، وتعود جذوره الأهم إلى ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لكن جانبا كبيرا من النشاط السياسي العربي والمسلم اتخذ وضعية دفاعية تتجه نحو مقاومة الإسلاموفوبيا، ومواجهة التمييز، وتحسين صورة المسلمين، والدفاع عن الحريات المدنية، ومحاولة التأثير في السياسة الأمريكية تجاه فلسطين والشرق الأوسط.
"الجيل الذي ينتمي إليه عبد الرحمن السيد وزهران ممداني لا يرى أنه يمثل أقلية مفزوعة"
أما الجيل الذي يمثله عبد الرحمن السيد وزهران ممداني فلا يرى أنه يمثل أقلية مفزوعة، بل يرى نفسه تمثيلا للأمريكي العادي بما في ذلك الأمريكي الأبيض، وهو لا يطالب المؤسسة السياسية بأن تسمح للمسلم بدخولها فحسب، وإنما ينازع المؤسسة نفسها على تعريف ما ينبغي أن تكون عليه السياسة. لم يعد وجود سياسي مسلم في الولايات المتحدة مفاجأة كما كان عليه الحال قبل عقدين. ما يهم اليوم هو أن السياسيين المسلمين الصاعدين لا يقدمون أنفسهم بوصفهم ممثلي أقلية دينية تطلب مكانًا داخل النظام، وإنما كجزء من مشروع سياسي ديمقراطي اجتماعي يريد تغيير النظام الحزبي والدولة الأمريكية من الداخل.
كان النموذج القديم لسياسات الأقليات قائمًا على فكرة التمثيل، فنجاح أي أقلية سياسيا يعني أن يصل أحد أبنائها إلى الكونغرس أو لشغل منصب حكومي. أما السياسة التي نراها مع عبدول وممداني فتقوم على فكرة الهيمنة المقتبسة من اليسار الشعبوي. تعني الهيمنة طرح برنامج يجمع أكبر عدد ممكن من المطالب الاجتماعية الرئيسية، ولكن في نفس الوقت يضمّنها كلها في شعار واحد، مع تحديد خط انقسام سياسي محدد يمثل المرشح أحد طرفيه، بينما يمثل خصومه الطرف الآخر. عند دونالد ترمب مثلا، هذا الخط هو الأمريكي الأصيل ضد المهاجرين الذين يهددون ثروته وثقافته، بينما عند عبدول وممداني هو الشعب المحروم في مواجهة اللوبيات وأصحاب المصالح والنخبة الفاسدة.
يسمح هذا التحول الخطابي للسياسي المسلم بأن يتوجه للناخب غير المسلم بخطاب لا يستعطفه للحصول على تمثيل أو تعويض أو طمأنة، وإنما يحشده وراء برنامج ومطالب تمس معاناته اليومية، الإيجار المرتفع، والتأمين الصحي المكلف، والأجر الزهيد، والنظام السياسي الذي يتلاعب به كبار المانحين من اللوبيات وأصحاب رؤوس الأموال الطائلة. بهذا المعنى، يقدم اليسار الجديد طريقًا للخروج من قفص الهوية بعد أن ظل هو نفسه أسيرا له منذ تفكك الديمقراطية الاجتماعية وصعود النيوليبرالية في الثمانينات.
"لم تغب الهوية أو تذبل حين حل محلها البرنامج، بل نمت وترعرعت وأصبحت أكثر ثقة بنفسها حين لم تعد مجرد رافعة سياسية"
لقد تحرر المرشح المسلم من قفص الهوية عندما جعل برنامجه هو حاديه السياسي، ولم تغب الهوية أو تذبل حين حل محلها البرنامج، بل نمت وترعرعت وأصبحت أكثر ثقة بنفسها حين لم تعد مجرد رافعة سياسية. فلا يحتاج ممداني إلى إخفاء كونه مسلما أو مهاجرا أو مؤيدا للفلسطينيين لأن الحملة التي يقدمها للناخب لا تقول إن تمثيل تلك الهوية هو مشروعه الانتخابي، وإنما يقول إن تجربته جزء من مشروع أكبر يستهدف العدالة الاقتصادية.
الرسالة التي يقدمها ممداني للناخب لا تقول إن هويته هي مشروعه الانتخابي (أسوشيتد برس)تعبر حركة "غير ملتزم" التي ظهرت بين العرب الأمريكيين في ولاية ميشيغان عن هذا التحول. فاحتجاجًا على سياسة إدارة بايدن تجاه حرب غزة، أعرب العرب الأمريكيون في الولاية عن رفضهم التصويت للحزب الديمقراطي في الانتخابات الأمريكية. تحولت تلك الحملة من حركة ضغط هامشية إلى قوة أعادت تشكيل النقاش داخل الحزب الديمقراطي ومهدت سياسيًا لصعود شخصيات مثل عبد الرحمن السيد.
في المؤتمر الوطني الديمقراطي في شيكاغو عام 2024، كان نشطاء "غير ملتزم" يأملون أن تعلن كامالا هاريس القطيعة مع دعم بايدن غير المشروط لإسرائيل. طالبوا، من بين أمور أخرى، بإتاحة المجال لمتحدث فلسطيني على منصة المؤتمر، وحذروا من أن القاعدة العربية والمسلمة للحزب لن تنسى تجاهلها. إلا أن الحركة لم تحصل على المتحدث الفلسطيني، ولم يحدث تحول جوهري في السياسة تجاه غزة.
ورغم أن عددًا من رموز الحركة، ومنهم عبد الرحمن السيد، أيدوا هاريس في نهاية المطاف، فقد اتهمهم بعض الديمقراطيين بأنهم أسهموا في إضعافها. لكن الحركة كانت تعبر عن تحول أعمق يتمثل في فكرة أن أصوات الناخبين، خاصة من العرب والمسلمين، لا تُمنح للحزب تلقائيًا، بل ينبغي أن يكسبها الحزب بسياساته الملتزمة بمطالبهم وهواجسهم وقضاياهم.
متطوع في حملة "استمعوا إلى ميشيغان" يحمل لافتة "غير ملتزم" احتجاجا على سياسة بايدن تجاه غزة (الأناضول)لم تستطع الحركة تغيير سياسة بايدن وهاريس، لكنها أسهمت في تغيير الناخبين الذين سيضطر خلفاؤهما إلى التعامل معهم. كما أسهمت في التحول الحاد في مواقف الديمقراطيين تجاه إسرائيل وغزة، وإلى نضوج ما يسميه الكاتب الأمريكي أستيد هيرندون "اليسار المسلم" داخل الحزب.
وتظل ميشيغان المركز الأوضح لهذا التحول، فالحركة وُلدت هناك، ثم ظهرت تكلفة تجاهلها في الانتخابات العامة إذ حصلت هاريس على 36% فقط من الأصوات في ديربورن، مقارنة بنحو 69% لبايدن عام 2020، وخسرت هاريس الولاية بفارق يقارب 80 ألف صوت. بالنسبة للكاتب، كانت هذه النتيجة دليلًا على أن الناخبين الذين طُلب منهم "الاصطفاف" خلف الحزب قرروا عدم فعل ذلك.
هنا يأتي عبد الرحمن السيد، فحملته لمجلس الشيوخ تبنت المنطق السياسي نفسه: مواجهة أيباك (اللوبي الإسرائيلي)، رفض المساعدات غير المشروطة لإسرائيل، وربط السياسة الخارجية بمصالح دافع الضرائب الأمريكي. ويرى السيد أن هناك "«تكلفة انتخابية" لدعم ما يصفه بالإبادة والفصل العنصري، لكنه يحوّل السؤال من "هل تؤيد إسرائيل؟" إلى "كيف ينبغي إنفاق أموال سكان ميشيغان؟".
في حملته لمجلس الشيوخ رفض عبدول المساعدات غير المشروطة لإسرائيل وربط السياسة الخارجية بمصالح دافع الضرائب الأمريكي (الفرنسية)خلال حملته الانتخابية في 2018 لمنصب حاكم الولاية، بدا عبدول كجزء من موجة تقدمية أوسع داخل الحزب الديمقراطي أعقبت فوز ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز المفاجئ في انتخابات مجلس النواب في نيويورك، لتصبح أصغر امرأة تنتخب للمنصب. فقد بدأ عدد متزايد من المرشحين الديمقراطيين الشباب بالدفاع عن سياسات مثل الرعاية الصحية الشاملة، وإلغاء وكالة الهجرة والجمارك التي تلاحق المهاجرين وتسيء معاملتهم، ورفع الحد الأدنى للأجور، ومواجهة نفوذ الشركات في السياسة.
كان عبد الرحمن السيد، البالغ وقتها من العمر 33 عامًا، يمثل نموذجًا مناسبًا لهذه الموجة. فهو طبيب شاب من أصول مصرية، حاصل على منحة رودس للمتفوقين للدراسة العليا في أكسفورد، درس في جامعة ميشيغان ثم حصل على شهادة الطب من جامعة كولومبيا المرموقة، قبل أن يصبح مديرًا للصحة في ديترويت.
رفض عبدول وقتها تبرعات لجان العمل السياسي التابعة للشركات وحصل على دعم بيرني ساندرز، الأب الروحي لليسار الديمقراطي. خاض عبدول المنافسة ببرنامج شديد الطموح يشمل نظامًا للرعاية الصحية على مستوى الولاية، وإصلاح التعليم، ومواجهة مشكلات المياه، والطاقة المتجددة، وضبط السلاح، وإنشاء شبكة إنترنت عامة.
"أشار السيد إلى أن بعض كبار الديمقراطيين أخبروه بأن اسمه ودينه قد يشكلان عبئا انتخابيا"
لكن حملته واجهت تحديين الأول يتعلق بأفكاره اليسارية التقدمية التي لا تناسب ولاية متأرجحة مثل ميشيغان لا يغلب عليها الميل الديمقراطي، والثاني يتعلق بهويته الإسلامية التي تجعل انتخابه أكثر صعوبة. أشار السيد إلى أن بعض كبار الديمقراطيين أخبروه بأن اسمه ودينه قد يشكلان عبئا انتخابيا، فيما تعرض أيضًا لهجمات من جمهوريين ربطوه بلا أساس بجماعة الإخوان المسلمين. مع ذلك، كان السيد يرى أن التشكيك في قدرته بسبب هويته يعكس عدم ثقة بالناخبين أنفسهم، مؤكداً أن الناس يهتمون بما يسعى إليه سياسيا أكثر من طريقة عبادته.
وقد شرح السيد في حوار وقتها مع مجلة فوج الشهيرة تصوره للحركة التقدمية باعتبارها محاولة لاستعادة الديمقراطية من نفوذ الشركات والنخب السياسية. فهو يرفض كثيرًا من التصنيفات الأيديولوجية الصلبة، ويصف نفسه ببساطة بأنه "تقدمي" يسعى إلى جعل أمريكا أكثر عدلًا ومساواة واستدامة. كما يرى أن الانقسام الحقيقي لم يعد بين اليمين واليسار بقدر ما أصبح بين من يقفون مع الناس ومن يقفون مع الشركات والنخب. ويرى أن تجربة ميشيغان الاقتصادية، من أزمة العقارات وقطاع السيارات في 2008 إلى مشكلات التعليم والمياه والصحة، تجعل السياسات التقدمية مرتبطة مباشرة بالحياة اليومية وليست أفكارًا مجردة.
أما إستراتيجيته الانتخابية، فتقوم على رفض الفكرة التقليدية القائلة إن على الديمقراطيين كسب الناخبين المحافظين أو الوسطيين. فهو يرى أن الطريق إلى الفوز يمر عبر تحويل غير المصوتين إلى مصوتين. وقد تأثر هنا بأوكاسيو-كورتيز التي كانت تقول إن الهدف ليس نقل الناخب من الأحمر إلى الأزرق، بل نقله من العزوف إلى المشاركة.
عبدول السيد وهايلي ستيفنز في مناظرة تلفزيونية سابقة (رويترز)جاء فوز السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في 2026 ليؤكد أفكاره في 2018. يشير الكاتب الأمريكي جيسون زينجرلي إلى سباق مجلس الشيوخ في ميشيغان بوصفه اختبارًا يتجاوز حدود الولاية، لأنه يكشف انقسامًا متزايدًا داخل الحزب الديمقراطي بين جناح المؤسسة التقليدية واليسار التقدمي الصاعد.
تمثل ستيفنز النموذج التقليدي للديمقراطي المعتدل في ولاية متأرجحة. فقد عملت في حملة هيلاري كلينتون عام 2008، ثم في إدارة أوباما خلال إنقاذ صناعة السيارات في الولاية، قبل أن تدخل الكونغرس في موجة الديمقراطيين عام 2018. بَنت ستيفنز سمعتها على الاهتمام بالصناعة ومعاناة العمال، وتصف نفسها بأنها "حصان العمل" في ميشيغان. ولهذا رأى فيها زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر واللجنة الديمقراطية لانتخابات مجلس الشيوخ مرشحة آمنة نسبيًا وقادرة على منافسة الجمهوري مايك روجرز.
لكن السباق تطور بصورة غير متوقعة. فقد ظهر عبدول في المشهد بخطاب شعبوي واضح ضد المليارديرات والشركات والمال السياسي، يربط السياسة الخارجية بالاقتصاد المحلي، منتقدًا إنفاق أموال الضرائب على إسرائيل بدل الخدمات داخل الولايات المتحدة. كما يهاجم قيادة حزبه لأنها، في رأيه، تخوض الانتخابات دائمًا بمنطق "عدم الخسارة" بدل تقديم بديل حقيقي.
"أصبح موقف السيد المؤيد للفلسطينيين وانتقاده لأيباك أكثر جاذبية لقطاعات من الناخبين الديمقراطيين"
أما القضية المركزية فهي القابلية للانتخاب. تقول ستيفنز إن ميشيغان ولاية متأرجحة وإن مواقف السيد، مثل الرعاية الصحية الشاملة وإلغاء وكالة الهجرة والجمارك ومواقفه بشأن غزة، قد تنفر الناخبين الوسطيين. في المقابل، يرى أنصار السيد أن مفهوم القابلية للانتخاب نفسه تغير، فقد يخسر بعض الجمهوريين المعتدلين، لكنه يستطيع تعبئة عشرات الآلاف من الشباب وغير المصوتين عادة.
ويلعب ملف غزة دورًا أساسيًا في هذا التحول. فقد أصبح موقف السيد المؤيد للفلسطينيين وانتقاده لأيباك أكثر جاذبية لقطاعات من الناخبين الديمقراطيين، خصوصًا الشباب، الذين باتت غزة بالنسبة إليهم اختبارًا لمصداقية السياسي. لكن عبدول لم يعد ابن الأقلية الذي يدافع عن مصالحها، وإنما رأس حربة مشروع ديمقراطي يتحدى الفساد السياسي والمؤسسات التقليدية ويطالب بالعدالة والمساواة.
يكشف فوز عبدول إذن عن تحول أوسع داخل الحزب الديمقراطي نحو اليسار وعن أزمة متزايدة في شرعية المؤسسة الحزبية التقليدية المعروفة بميلها لإسرائيل ولأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة مثل نانسي بيلوسي رئيسة الكونغرس السابقة، وتشاك شومر، زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، وحكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب. ففوز السيد، في ولاية متأرجحة وليست معقلًا ديمقراطيًا آمنًا، أظهر أن الموجة التقدمية لم تعد محصورة في مدن الساحل الشرقي الكبرى مثل نيويورك، بل باتت قادرة على اختراق قلب الولايات الصناعية الحاسمة انتخابيًا.
تسارعت هذه العملية بعد انتخابات 2024، التي كشفت اتساع الهوة بين قيادة الحزب وقاعدته. وساهمت عدة عوامل في الدفع بالناخبين الديمقراطيين إلى اليسار، ويظهر ذلك في شعبية إسرائيل بين الديمقراطيين التي تراجعت من 59% في 2018 إلى 22% في مايو/أيار 2026. كما أصبح تمويل أيباك للمرشحين مصدرًا للريبة لدى الناخبين الشباب، خاصة في ميشيغان، حيث يوجد حضور عربي كبير.
لكن غزة ليست القضية الوحيدة، بل تحولت إلى رمز لأزمة أوسع داخل الحزب حول القيادة المسنة مثل تشومر، وخضوع الحزب للمانحين الكبار، والضعف في مواجهة ترمب، وغياب مشروع اقتصادي وسياسي واضح. ويرى أنصار التيار التقدمي أن الناخبين لم يعودوا يريدون العودة إلى نموذج ما قبل ترمب، بل يطالبون بإعادة توزيع أوسع للثروة، ونقابات أقوى، وإصلاح ديمقراطي، وسياسة خارجية أكثر عدلًا.
"يمثل صعود اليسار الشعبوي الوجه الآخر لصعود دونالد ترمب"
أصبح اليسار أيضًا أكثر تنظيمًا مما كان عليه قبل عقد، فقد نمت بنية تحتية تشمل جماعات مثل "الاشتراكيون الديمقراطيون الأمريكيون" التي ينتمي إليها زهران ممداني، وحركة ثورتنا، بينما يعاني الوسط الديمقراطي أزمة هوية. ويقول منتقدو الوسط إن اعتماده على أموال الشركات يمنعه من مهاجمة الطبقات الاقتصادية التي تقف وراء تدهور مستويات المعيشة، في حين يستطيع التقدميون تقديم خطاب أكثر مباشرة ضد الشركات والفساد السياسي.
وهكذا يمثل صعود اليسار الشعبوي الوجه الآخر لصعود دونالد ترمب الذي لم يبنِ نجاحه السياسي على الظهور كمرشح أكثر وسطية من خصومه، بل بتقديم نفسه باعتباره قطيعة مع المؤسسة واستدعاء ناخبين يشعرون بأن النظام السياسي لا يمثلهم. ولذلك يبدو الاصطفاف والاستقطاب واضحا جدا إذا ما وضعنا حركة لنجعل أمريكا عظيمة من جديد (ماجا) المؤيدة لترمب في مقابل اليسار الديمقراطي. ترمب يحشد المسيحيين المتشددين، بينما اليسار الديمقراطي يحشد المسلمين. ترمب يحشد البيض، واليسار الديمقراطي يحشد المهاجرين اللاتينيين. ترمب يحشد رجال الأعمال الكبار، فيما اليسار الديمقراطي يحشد الفقراء.
في الشعبوية اليمينية التي يمثلها ترمب، يظهر المهاجر أو المسلم باعتباره جزءًا من المشكلة التي تواجهها الولايات المتحدة. أما الشعبوية اليسارية التي تشكلت حول ساندرز، فتنقل خط الانقسام السياسي من أمريكي مسيحي أبيض ومهاجر يغزو أمريكا ويهددها، إلى خط انقسام بين عامل وملياردير، ومستأجر ومطور عقاري، ومريض وشركات تأمين خاصة، وناخب يريد سياسيا مخلصا له ومانح ثري يتلاعب بالسياسي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة