في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا يبدو أن تحديد موعد لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق يكفي وحده لحسم ملف السلاح خارج سلطة الدولة. فبينما تقدم الحكومة هذا المسار بوصفه خطوة نحو استكمال السيادة، تربط فصائل مسلحة أي نقاش بشأن سلاحها بشروط أوسع: إنهاء جميع أشكال الوجود الأجنبي، وتعزيز قدرات الدولة الدفاعية، وحسم ما تعتبره تهديدات قائمة داخل البلاد وعلى حدودها.
وتبرز هنا المفارقة الأساسية وهي أن الدولة تتحدث عن موعد، بينما تتحدث الفصائل عن شروط. وبين الموعد والشروط تتسع المسافة التي تجعل حصر السلاح اختبارا سياسيا وأمنيا معقدا، لا قرارا إداريا يمكن تنفيذه بإعلان واحد.
وبحسب حلقة ما وراء الخبر 13/8/2026، فقد ربطت الحكومة العراقية بين إنهاء الوجود العسكري الأجنبي وحصر السلاح في يد الدولة، وقدمت فاتح أكتوبر/تشرين الأول المقبل موعدا لبداية مرحلة جديدة في مسار السيادة الوطنية.
وتحدث أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية عصام الفيلي عن إجراءات حكومية قال إنها شملت تغييرات في قيادات أمنية وإغلاق أكثر من 71 مكتبا، معتبرا أنها تعكس جدية في التعامل مع ملف ما سماه "السلاح المنفلت".
لكن هذا المسار يواجه موقفا مغايرا من فصائل ترى أن خروج القوات الأمريكية لا يكفي وحده للانتقال إلى بحث تسليم السلاح. وقال المحلل السياسي كاظم الحاج إن الفصائل لا تعترض من حيث المبدأ على حصر السلاح في يد الدولة، لكنها تربط ذلك بزوال ما تعدّه مصادر تهديد أخرى، بينها الوجود العسكري التركي ونشاط جماعات مسلحة على الأراضي العراقية.
وبذلك، لا يعود الخلاف مقتصرا على مبدأ حصر السلاح، بل يمتد إلى سؤال أكثر تعقيدا: من يقرر أن شروط السيادة تحققت فعلا؟
وربط الحاج استمرار حمل السلاح بما قال إنه نقص في منظومات الدفاع الجوي والرادارات القادرة على مراقبة المجال الجوي العراقي، مشددا على أن العلاقة الأمنية التي ستنشأ بعد إنهاء مهمة التحالف تحتاج إلى وضوح قبل الانتقال إلى ملف السلاح.
وفي المقابل، رأى الفيلي أن توسيع قائمة المبررات قد يعني عمليا تأجيل طرح التسليم إلى أجل غير محدد. وقال إن الفصائل لم تدخل في مواجهة مع القوات التركية حتى بعد انتهاء الحرب على تنظيم الدولة عام 2017، متسائلا عن حدود الربط بين هذه الملفات واستمرار السلاح خارج المؤسسة العسكرية.
تُظهر التجارب التي أشار إليها المدير التنفيذي لمركز صوفان للدراسات كولن كلارك أن نزع سلاح الجماعات المسلحة وإعادة دمجها عملية معقدة، تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التحقق من إخراج السلاح من الخدمة، وإلى دعم سياسي ومالي طويل الأمد.
وحذّر كلارك من أن المجتمعات التي مرت بتاريخ من العنف الطائفي غالبا ما تُبقي جماعاتها المسلحة على السلاح باعتباره ضمانة لحماية جماعاتها، حتى عندما تتوافر تفاهمات سياسية أو ترتفع الدعوات إلى دمجها.
هذه الملاحظة تفسر جانبا من المعضلة العراقية، فالمشكلة ليست في وجود سلاح فحسب، بل في الضمانات التي يعتقد حاملوه أنها مفقودة، وفي الثقة المحدودة بقدرة الدولة على تأمين بديل كامل عنه.
لا يبدو خيار المواجهة العسكرية بين الحكومة والفصائل مطروحا بسهولة. فالفيلي حذّر من أن أي صدام مسلح قد يدفع العراق إلى مسار خطير، بينما نفى الحاج إمكان وقوع مواجهة من هذا النوع، ودعا إلى ترتيب المسار على نحو متتابع وهو خروج القوات الأجنبية أولا، ثم تقييم تحقق شروط السيادة قبل بحث حصر السلاح.
وتبقى أمام الحكومة أدوات محدودة ومتشابكة، وهي الحوار مع القوى السياسية والفصائل، وبناء قدرات أمنية ودفاعية أكثر استقلالا، وتوضيح شكل العلاقة العسكرية مع الولايات المتحدة بعد انتهاء مهمة التحالف، إلى جانب أي ضغوط دبلوماسية أو اقتصادية قد تمارسها واشنطن.
لكن الضغط الخارجي يحمل بدوره مخاطرة؛ إذ يمكن أن يزيد الاستقطاب الداخلي بدلا من أن يدعم مشروع احتكار الدولة للسلاح.
إذن، لا تختبر قضية حصر السلاح في العراق قدرة الحكومة على تنفيذ تعهد أمني فحسب، بل تختبر قدرتها على إنتاج تعريف متفق عليه للسيادة:
من يحمي الحدود؟ من يراقب الأجواء؟ وما شكل العلاقة مع القوى الخارجية بعد إنهاء مهمة التحالف؟
إلى أن تجد بغداد إجابات عملية عن هذه الأسئلة، سيظل أي موعد لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي محطة مهمة، لكنه ليس بالضرورة نهاية معركة السلاح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة