آخر الأخبار

المعادلة الخطيرة.. إيران تريد ما هو أبعد من هرمز

شارك

يبدو أن ما يجري في الإقليم تجاوز منذ مدة حدود المواجهة العسكرية التقليدية، وانتقل إلى مرحلة أكثر خطورة، وهي مرحلة إعادة رسم خرائط النفوذ من خلال التحكم في شريان الاقتصاد العالمي: الطاقة.

فالضربات التي استهدفت منشآت الطاقة لم تعد تبدو أحداثا متفرقة أو ردود فعل آنية، وإنما أصبحت تحمل رسالة سياسية وإستراتيجية بالغة الوضوح، مفادها أن أمن الطاقة العالمي لم يعد منفصلا عن الصراع مع إيران، وأن أي مواجهة معها ستكون لها كلفة اقتصادية تتجاوز حدود المنطقة إلى الأسواق الدولية بأكملها.

القراءة التقليدية لهذه التطورات غالبا ما تنشغل بتعداد الصواريخ، أو متابعة الخسائر الميدانية، أو قياس حجم الدمار الذي أصاب هذا الموقع أو ذاك، بينما تغيب القراءة الأعمق التي تنظر إلى الهدف الحقيقي الكامن خلف هذه العمليات.

فالمسألة ليست استهداف منشأة هنا أو ناقلة نفط هناك، وإنما فرض معادلة جديدة على العالم، عنوانها أن إيران تمتلك القدرة على التأثير في حركة الطاقة العالمية، وأن تجاهل مصالحها أو محاولة إخراجها من معادلات الإقليم سيجعل أسواق الطاقة رهينة للتوتر المستمر.

ولهذا السبب لم يعد الحديث مقتصرا على مضيق هرمز وحده، رغم أنه يظل أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فالمعادلة الإيرانية تبدو أوسع من مجرد التهديد بإغلاق المضيق، إذ إن امتداد النفوذ الإيراني عبر شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة يمنح طهران خيارات متعددة تنعكس على الاقتصاد العالمي، سواء انطلقت العمليات من الأراضي الإيرانية مباشرة، أو من مناطق أخرى تمتلك فيها نفوذا عسكريا أو سياسيا. وفي الحسابات الإستراتيجية لا يهم كثيرا المكان الذي ينطلق منه الهجوم؛ بقدر ما يهم الطرف القادر على توظيفه لتحقيق أهدافه.

مضيق هرمز سيبقى مفتوحا، بترتيبات سياسية ودبلوماسية أو من دونها؛ لأن كلفة إغلاقه على إيران نفسها لا تقل عن كلفته على بقية دول العالم، وربما تزيد عليها

ومن اللافت أن طبيعة الأهداف المختارة تكشف عن قدر من الحسابات الدقيقة. فالهجمات، على شدتها، لا تبدو عشوائية، وإنما تتجنب أحيانا الوصول إلى مستوى يؤدي إلى انفجار إقليمي شامل. وكأن الرسالة الإيرانية تقوم على مبدأ الضغط دون الذهاب إلى نقطة اللاعودة؛ أي إنها تريد أن ترفع تكلفة الصراع، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن إشعال حرب مفتوحة قد يقود إلى نتائج لا تستطيع السيطرة عليها.

إعلان

إن الطاقة بمختلف صورها أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم عناصر الأمن الاقتصادي العالمي، خاصة بعد التحولات الكبرى في الأسواق الدولية، وأزمات الإمداد التي شهدتها أوروبا، والبحث عن مصادر بديلة.

ومن هنا فإن أي اضطراب في إنتاج الغاز مثلا أو نقله لا ينعكس على دولة بعينها، وإنما يمتد أثره إلى اقتصادات متعددة، وأسواق مالية، وسلاسل توريد عالمية.

ويبدو أن إيران تريد ترسيخ قناعة لدى القوى الكبرى بأنها لاعب لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تخص الطاقة والممرات البحرية. فالمعادلة التي تسعى إلى فرضها تقول إن أمن الملاحة، واستقرار أسواق الطاقة، لا يمكن ضمانهما إلا إذا كانت طهران جزءا من أي تسوية سياسية أو أمنية مقبلة.

وهذه ليست مجرد رسالة عسكرية، بل هي ورقة تفاوض إستراتيجية تسعى إيران إلى تحسين موقعها بها في أي مفاوضات مستقبلية.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذه الرسائل وحدها، بل في التداعيات بعيدة المدى على دول الخليج العربي. فاقتصادات هذه الدول لا تزال تعتمد بدرجات متفاوتة على الوقود الأحفوري بوصفه المورد الرئيسي للدخل، وأي تغيير في قواعد التحكم بالممرات البحرية أو في معادلات تصدير الطاقة ستكون له آثار مباشرة على استقرارها الاقتصادي وخططها التنموية.

ولذلك فإن التعامل مع هذه التطورات بوصفها أزمة عابرة سيكون خطأ إستراتيجيا؛ لأن ما يجري قد يكون مقدمة لتحولات أوسع في بنية الأمن الإقليمي.

ومن هنا تبرز أهمية الدور الخليجي، ليس بوصفه طرفا في الصراع، وإنما باعتباره صاحب المصلحة الكبرى في منع تحول الطاقة إلى أداة ابتزاز سياسي. فالمنطقة بحاجة إلى تحرك دبلوماسي متماسك يحافظ على حرية الملاحة، ويؤكد أن الممرات البحرية الدولية لا يجوز أن تخضع لإرادة دولة واحدة أو لتوازنات عسكرية مؤقتة.

كما أن دول الخليج تمتلك من الثقل السياسي والاقتصادي ما يؤهلها للقيام بدور مؤثر في تقريب وجهات النظر بين القوى الدولية والإقليمية، بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

الوساطة الناجحة لا تعني فقط منع الحرب، وإنما تعني أيضا منع ولادة معادلات جديدة تمنح أي طرف حق احتكار أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي

وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الوساطات الخليجية استطاعت في أكثر من مناسبة تخفيف حدة التوتر، وفتح قنوات للحوار بين أطراف متخاصمة، وهو ما يمنحها فرصة جديدة للمساهمة في صياغة تفاهمات تضمن استقرار أسواق الطاقة وتحمي المصالح المشتركة. فاستمرار الصراع دون ضوابط لن يضر بإيران وحدها، ولن يضر بإسرائيل وحدها، وإنما ستكون انعكاساته على الاقتصاد العالمي بأسره.

وفي المقابل، فإن بعض الأطروحات التي تسعى إلى الزج بدول عربية أخرى في قلب المواجهة تبدو أقرب إلى التكهنات السياسية منها إلى الوقائع. فالدول الكبرى تمتلك اليوم وسائل استخباراتية وتقنية متطورة تستطيع من خلالها تحديد مصادر الهجمات ومساراتها ونوعية الأسلحة المستخدمة فيها، ولم يعد من السهل تمرير روايات تفتقر إلى الأدلة، أو تحميل أطراف بعينها مسؤولية عمليات لا تثبتها الوقائع.

إعلان

ويبقى السيناريو الأخطر هو أن تتطور هذه المواجهة إلى حرب تتجاوز أهدافها الحالية، لتصبح معركة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بأكمله. فإذا فشلت الجهود السياسية، واستمرت سياسة فرض الوقائع بالقوة، فقد تنتقل المنطقة إلى مرحلة تصبح فيها إعادة رسم خرائط النفوذ، هدفا معلنا لا مجرد احتمال بعيد.

وعندها لن يكون الحديث عن أزمة طاقة أو اضطراب في الملاحة البحرية، بل عن تحول تاريخي قد يعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود قادمة، بكل ما يحمله ذلك من آثار سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز حدود الإقليم إلى العالم بأسره.

يبقى التأكيد على حقيقتين لا ينبغي إغفالهما عند قراءة المشهد. الأولى أن مضيق هرمز سيبقى مفتوحا، بترتيبات سياسية ودبلوماسية أو من دونها؛ لأن كلفة إغلاقه على إيران نفسها لا تقل عن كلفته على بقية دول العالم، وربما تزيد عليها.

فالاقتصاد الإيراني لا يستطيع تحمل عزلة بحرية طويلة، كما أن استمرار تعطيل أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية سيستدعي ضغوطا دولية واقتصادية هائلة لن تكون طهران قادرة على الصمود أمامها طويلا.

ولهذا فإن الحديث عن إغلاق دائم للمضيق، أو عن إمكانية فرض واقع جديد بالقوة العسكرية وحدها، يبقى أقرب إلى أدوات الضغط والتفاوض منه إلى خيار قابل للاستمرار. فالممرات البحرية الدولية لا تدار بالقوة وحدها، وإنما بتوازنات المصالح التي تفرض نفسها على الجميع.

أما الحقيقة الثانية، فهي أن دول الخليج، التي نجحت خلال الأشهر الماضية، سواء بتحركات جماعية أو بجهود منفردة، في الدفع نحو احتواء التصعيد، وفي إقناع الإدارة الأمريكية بعدم الانزلاق إلى مسار يستهدف إسقاط النظام الإيراني وتحويل إيران إلى دولة فاشلة، مطالبة اليوم بمواصلة الدور ذاته ولكن باتجاه آخر لا يقل أهمية.

فالحفاظ على استقرار الإقليم لا يكتمل إذا انتهى إلى منح إيران قدرة استثنائية على التحكم بحرية الملاحة أو التأثير في أسواق الطاقة العالمية. فالوساطة الناجحة لا تعني فقط منع الحرب، وإنما تعني أيضا منع ولادة معادلات جديدة تمنح أي طرف حق احتكار أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي.

وهذه، في تقديري، ستكون واحدة من أهم معارك السياسة الخليجية في المرحلة المقبلة؛ معركة حماية استقرار المنطقة، وصون حرية الملاحة، والحيلولة دون أن تتحول الطاقة إلى أداة هيمنة سياسية أو ورقة ابتزاز دائمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا