آخر الأخبار

جواسيس بالقطعة.. كيف تخترق إيران إسرائيل من الداخل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تعد المواجهة الاستخبارية بين إيران وإسرائيل محصورة في اغتيال العلماء ومهاجمة المنشآت النووية وتبادل الضربات السيبرانية، فمنذ اندلاع حرب غزة، وسّعت طهران المعركة إلى داخل المجتمع الإسرائيلي، عبر نموذج تجنيد منخفض التكلفة يبدأ برسالة على "تلغرام" أو عرض عمل وهمي، ثم يتدرج من تصوير شارع وتعليق منشور إلى مراقبة مسؤولين وجمع معلومات من قواعد عسكرية ومنظومات دفاع جوي.

وتكمن أهمية الظاهرة في أن إيران لا تبحث دائما عن جاسوس محترف داخل موقع قيادي حساس، وإنما تتواصل مع أعداد كبيرة من الإسرائيليين، وتقبل بفشل معظم المحاولات، أملا في العثور على قلة مستعدة للانتقال من المهام الرمزية إلى التجسس الفعلي، وهكذا تتحول الضائقة المالية والانقسامات الاجتماعية والدوافع الأيديولوجية إلى قنوات وصول استخبارية لا تقل خطورة عن الاختراق التقني.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ما حقيقة تنامي النفوذ الروسي على مسارات الهجرة إلى أوروبا؟
* list 2 of 2 فوضى باسم الأمن.. البصمة البيومترية تشل مطارات أوروبا end of list

وتقدّم حصيلة الشاباك -المنشورة في 31 ديسمبر/كانون الأول 2024- نقطة البداية الأكثر دقة؛ إذ أعلن الجهاز كشف 13 قضية تجسس خطيرة، وتقديم لوائح اتهام ضد 27 إسرائيليا، مع ارتفاع عدد المعتقلين المرتبطين بالتجسس الإيراني بنحو 400% مقارنة بعام 2023. وفي المجال السيبراني، أحبطت الأجهزة الإسرائيلية نحو 700 هجمة من بين آلاف المحاولات خلال العام نفسه، بعدما تضاعف حجم الهجمات خمس مرات مقارنة بالسنوات السابقة.

وفي 20 مايو/أيار 2025، كتب مراسل الجيش والأمن في القناة 12 نيتسان شابيرا أن الحصيلة ارتفعت إلى 34 إسرائيليا متهمين في 19 قضية، ونقل عن مصدر أمني أن الأمر لم يعد مجرد "عبث" وإنما تهديد مباشر، لأن المشغلين الإيرانيين يحاولون نقل المجندين من جمع المعلومات والتصوير إلى المساعدة في التحضير لاغتيالات داخل إسرائيل.

مصدر الصورة إيران لا تبحث دائما عن جاسوس محترف داخل موقع قيادي حساس، وإنما تتواصل مع أعداد كبيرة من الإسرائيليين (رويترز)

وبعد أقل من شهر، أحصت مراسلة الشرطة في موقع "والا" إفرات فورشر -في تقرير نشرته في 12 يونيو/حزيران 2025- نحو 22 قضية و39 معتقلا، وأشارت إلى أن أجهزة الأمن تفترض وجود حالات إضافية لم تُكتشف، وأن المال مثّل الدافع المشترك الأبرز، بالتوازي مع ازدياد محاولات استدراج القاصرين عبر الشبكات الاجتماعية والمنصات الترفيهية.

إعلان

وبحلول 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025، رفع مراسل ومحلل "والا" للشؤون العسكرية والأمنية أمير بوخبوط الرقم إلى 30 قضية و46 إسرائيليا، ناقلا عن مصدر أمني وجود "عشرات المحاولات يوميا" لتجنيد إسرائيليين، مؤكدا أن النشاط الإيراني عابر للطوائف والمناطق والهويات الاجتماعية.

وفي تقرير نشره رون كريسي في صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوم 27 ديسمبر/كانون الأول 2025، ارتفع العدد إلى 35 قضية معلنة. وبعد أقل من أسبوعين، كتب مراسل القضاء والقدس في "يديعوت أحرونوت" جلعاد كوهين -في 9 يناير/كانون الثاني 2026- أن 35 لائحة اتهام شملت 54 متهما، في حين لم يكن قد صدر سوى حكم نهائي واحد. ونقل عن ضابط في وحدة التحقيقات الدولية قوله إنه "لا يكاد يمر أسبوع من دون معتقل جديد".

ولا تمثل هذه الحصيلة رقما نهائيا؛ فقد أعلن الشاباك في 5 فبراير/شباط 2026 اعتقال شابين من منطقة القدس، تلقيا أموالا عبر محافظ رقمية، ثم كُشفت في مارس/آذار قضية جندي احتياط خدم في منظومة القبة الحديدية، لذلك يمكن القول إن عدد القضايا تجاوز إحصاء نهاية 2025، من دون صدور حصيلة رسمية تراكمية جديدة.

أسلوب التدحرج

ويصف بوخبوط الطريقة الإيرانية بأنها "أسلوب التدحرج"، فالمستهدف لا يُطلب منه منذ الرسالة الأولى تسليم سر عسكري، وإنما تنفيذ مهمة تبدو محدودة مقابل المال، مثل تصوير مبنى عام أو كتابة شعار أو شراء هاتف وشريحة اتصال أو نقل طرد، وبعد اختبار استجابته، ترتفع حساسية المهام إلى مراقبة منزل مسؤول أو تصوير قاعدة أو جمع إحداثيات أو البحث عن شخص مستعد لتنفيذ هجوم.

مصدر الصورة التحول الأخطر هو انتقال إيران من الاعتماد على المعلومات المفتوحة إلى مواد يملك أصحابها وصولا وظيفيا (الجزيرة)

ويمنح هذا التدرج المجند فرصة لتبرير أفعاله في البداية بوصفها عملا بسيطا لا يسبب ضررا، قبل أن يصبح أكثر ارتباطا بالمُشغل وأشد اعتمادا على الأموال، كما يسمح لإيران باختبار عشرات الأشخاص بتكلفة محدودة، ثم استثمار موارد أكبر في الأكثر طاعة أو في من يملكون وصولا أمنيا.

وتكشف القضايا تفاوتا كبيرا في المدفوعات، ففي ملف جنديين من منطقة الكرايوت، حصل أحدهما على 2500 دولار مقابل معلومات مرتبطة بالقبة الحديدية، وحصل شريكه على 50 دولارا. وفي قضايا أخرى، دُفع نحو 500 دولار بالبيتكوين عن المهمة، في حين حصل زوجان من اللد -وفق تقرير "يديعوت أحرونوت"- على نحو 26 ألف دولار خلال فترة تشغيلهما، وتدل الفوارق على أن المقابل يرتبط بحساسية المعلومات واستعداد المجند للتصعيد وفق تقرير القناة 12.

اختراق عسكري

ويظل التحول الأخطر -حسب الإعلام الإسرائيلي- هو انتقال إيران من الاعتماد على المعلومات المفتوحة إلى مواد يملك أصحابها وصولا وظيفيا، ففي 21 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلن الشاباك تفكيك شبكة تضم 7 إسرائيليين من حيفا والشمال، نفذ أفرادها مئات المهام المتعلقة بقواعد عسكرية ومنشآت طاقة، وقال الجهاز إن بعض المعلومات التي نقلوها كان يمكن أن تساعد إيران في تنفيذ هجمات صاروخية أكثر دقة.

وفي 20 مارس/آذار 2026، كشف برهانو تغنيا -مراسل الشؤون الجنائية في القناة 12- قضية راز كوهين، وهو جندي احتياط خدم في منظومة القبة الحديدية. ووفق لائحة الاتهام، نقل كوهين إحداثيات دقيقة لقواعد، وأسماء أصحاب وظائف ومعلومات عن المنظومة، وحصل على نحو 1500 دولار بعملات رقمية. وتكمن دلالة القضية في أن المجند لم يكن مجرد مصور من الخارج، بل كان فردا دخل منظومة دفاعية مركزية بحكم خدمته العسكرية.

إعلان

كما كشف الشاباك في 20 مايو/أيار 2025 قضايا أخرى لجمع معلومات عن مقر الموساد، ومنشآت الطاقة، وميناء حيفا، وقواعد سلاح الجو، وبلدة يقيم فيها وزير الدفاع يسرائيل كاتس. وتوضح هذه الأهداف أن إيران تجمع بين بناء بنك معلومات طويل الأجل، وفحص ترتيبات الحماية، والحصول على مواد قد تُستخدم خلال مواجهة عسكرية لاحقة.

مصدر الصورة هناك أيضا متهمون من أوساط حريدية مناهضة للصهيونية (الجزيرة)

خلفيات متنوعة

ولا تقدّم قصص المجندين لمصلحة الاستخبارات الإيرانية نموذجا اجتماعيا واحدا للمجند الإسرائيلي، فقد ظهر بين المتهمين يهود وعرب، ومهاجرون من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، وسكان من القدس، ومتدينون حريديم، وجنود نظاميون واحتياط.

والقاسم الأوضح هو القابلية الفردية للاستغلال مثل ديون وضائقة مالية، ورغبة في الربح السريع، وشعور بالتهميش أو عداء أيديولوجي للدولة، وإيران لا تصنع هذه الانقسامات، لكنها تتعامل مع المجتمع الإسرائيلي بوصفه مخزونا من نقاط الضعف، وتبحث داخل كل مجموعة عن الشخص الأكثر استعدادا للمغامرة، حسب التقارير.

وتحمل الخلفيات الدينية والسياسية دلالة إضافية؛ فبينما كان المال الدافع الرئيسي في معظم القضايا، ظهر أيضا متهمون من أوساط حريدية مناهضة للصهيونية، وآخرون حاولوا تقديم تعاونهم باعتباره احتجاجا سياسيا أو موقفا أيديولوجيا.

ويتكامل التجنيد البشري مع الاختراق السيبراني وحملات التأثير، ففي 29 مايو/أيار 2025، أعلن الشاباك إحباط 85 هجمة تصيد إيرانية استهدفت مسؤولين أمنيين وسياسيين وأكاديميين وصحفيين. وفي 11 فبراير/شباط 2026، تحدث الشاباك ومنظومة السايبر عن مئات المحاولات خلال عام واحد لاختراق حسابات غوغل وتطبيقات المراسلة الخاصة بمسؤولين وعسكريين وعاملين في الصناعات العسكرية.

مصدر الصورة تعمل إيران أيضا على توظيف شبكات التواصل لتهيئة بيئة أكثر قابلية للاختراق (المكتب الإعلامي الحكومي الإسرائيلي)

ولا تهدف هذه الاختراقات إلى سرقة الوثائق فقط، وإنما إلى جمع العناوين والعلاقات الشخصية والعادات اليومية ومواقع الوجود المتكرر، وهي معلومات يمكن دمجها مع ما يجمعه العملاء على الأرض، واستخدامها في الابتزاز أو الاستدراج أو التخطيط لهجمات.

وفي موازاة التجنيد المباشر، تعمل إيران على توظيف شبكات التواصل لتعميق الانقسامات الإسرائيلية وتهيئة بيئة أكثر قابلية للاختراق، فقد خلصت دراسة -أعدتها الباحثة السابقة في معهد دراسات الأمن القومي عنبال أورباز والضابط السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية دافيد سيمان طوف- إلى أن شبكات التأثير الإيرانية لم تنحز بصورة ثابتة إلى اليمين أو اليسار، ولم تسعَ إلى دعم أجندة سياسية بعينها، وإنما ركزت على تعميق الشقوق الاجتماعية وإضعاف المجتمع الإسرائيلي من الداخل.

وفي دراسة نشر نسختها الإنجليزية معهد دراسة منهجية الاستخبارات، رُصدت 7 شبكات تأثير إيرانية عملت بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومايو/أيار 2024، وخلصت إلى أن هذه الشبكات استغلت ملف الأسرى والخسائر البشرية وتراجع الثقة بالحكومة والمؤسسة الأمنية، كما نبّهت إلى تداخل التأثير الرقمي مع جمع المعلومات والتجنيد والتشغيل الميداني، بحيث تستخدم إيران الأصول الرقمية نفسها لنشر الرسائل والاتصال المباشر بإسرائيليين واستدراجهم إلى تنفيذ مهام لمصلحتها.

ولا تنفصل عمليات التأثير هذه عن نشاط التجنيد البشري؛ ففي تحليل نشره داني سيترينوفيتش ودافيد سيمان طوف في 21 يوليو/تموز 2025، أشار الباحثان إلى أن إيران كثفت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول عملياتها الموجهة إلى الجمهور الإسرائيلي، بالتوازي مع حملة لتجنيد إسرائيليين في التجسس وتنفيذ مهام ميدانية ومساعدة طهران في زمن الحرب.

إعلان

تفوق دفاعي

وتكشف كثرة الاعتقالات امتلاك إسرائيل قدرات مرتفعة في اعتراض الاتصالات، وتتبع المحافظ الرقمية، وربط عمل الشاباك بالشرطة والاستخبارات العسكرية، لكن العدد الكبير يحمل دلالة معاكسة أيضا، هي أن حجم المحاولات واسع، والاعتقال يأتي غالبا بعد تنفيذ بعض المهام وتسليم المعلومات.

وتستطيع إيران تعويض العميل المكشوف بسرعة، لأن فتح حساب جديد وإرسال مئات الرسائل لا يتطلب بنية تشغيلية معقدة، لذلك يظل التفوق الإسرائيلي دفاعيا؛ ينجح في كشف شبكات كثيرة، لكنه لا يستطيع منع كل اتصال، ولا معرفة أي مجند بسيط سيتحول لاحقا إلى مصدر ذي وصول عسكري.

وفي الخلاصة، نجحت إيران في تحويل التجسس ضد إسرائيل من عملية نخبوية معقدة إلى نشاط متاح عبر الهاتف والعملات الرقمية، ولم تحقق اختراقا حاسما للمؤسسة الأمنية، لكنها أثبتت أن التفوق التكنولوجي لا يغلق الثغرة البشرية.

ويكمن الخطر الأعمق -حسب التقارير الإسرائيلية- في الجمع بين التجنيد الفردي والاختراق السيبراني والتأثير النفسي، بما يحوّل المجتمع الإسرائيلي نفسه -بتناقضاته وهشاشته- إلى إحدى جبهات حرب الاستخبارات.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا