آخر الأخبار

غارة تمزق أما وجنينها وأطفال تلتهمهم النيران.. شهادات مؤلمة من غزة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- "لا إله إلا الله، الشهيد حبيب الله" هتاف لم يغادر شوارع غزة منذ أُعلن اتفاق وقف إطلاق النار. يردده المشيعون وهم يحملون الشهداء على أكتافهم يوميا في القطاع الذي يواصل العيش في حرب ممتدة، تبدو أقل ضجيجا في عناوين السياسة، لكنها أكثر فتكا في تفاصيل الحياة اليومية.

وبينما تتحدث الأطراف السياسية عن مراحل جديدة من اتفاق وقف إطلاق النار، يواصل الموت شق طريقه بين الغزيين. ففي الساعات الـ72 الأخيرة وحدها، استشهد أكثر من 30 مواطنا بحسب وزارة الصحة، فيما لا تزال الغارات تكتب كل يوم حكايات جديدة للفقد لم يسمعها العالم إلا في غزة.

يحدث في ظل الهدنة

آخر تلك الحكايات كانت لامرأة حامل بقرت الغارة بطنها ليهلك جنينها الذي كانت تفصلها أيام عن ولادته، فلم يشهد من الحياة سوى نهايتها.

وحكاية أخرى لعريسٍ اسمه رمضان أبو عودة كان ينصب خيمته في وسط المدينة استعدادا لاستقبال عروسه، فحوّلتها غارة إسرائيلية إلى خيمة عزاء.

وبينما كان أحد أقاربه يجمع أشلاءه، حمل جزءا من دماغه بين يديه، وقال للجزيرة نت: "قطّعوه في الخيمة التي كان سيبدأ فيها حياته، حتى محاولات الفرح القليلة التي ننتزعها تلاحقها إسرائيل".

وهذه ليست سوى حكايتين من بين 1249 فلسطينيا قُتلوا منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعد إعلان وقف إطلاق النار بحسب وزارة الصحة.

أما الغزيون، فلا يسمونها مرحلة ما بعد الحرب، بل يقولون إن الهدنة بقيت على الورق، فيما ظل الموت حاضرًا يخلف في كل مرة ناجيًا جديدًا يروي الرواية بدلا من أصحابها.

تتبعت الجزيرة نت شهادات ناجين من بين أنقاض الموت، كانت أقساها تلك التي رواها محمد المصري؛ حيث لم يكن بمقدوره أن يفعل شيئا أمام صراخ أبناء شقيقه الأربعة وهم يستنجدون به لإنقاذهم من نار الغارة التي التهمت أجسادهم، بعدما حوّل الصاروخ الذي استهدف الغرفة المجاورة والديهما إلى أشلاء.

إعلان

أمام صرخاتهم وهم يذوبون أحياء، لم يملك محمد إلا أن يخلع الباب الفاصل الذي يحول بينه وبينهم، ظنا منه أنه يفتح بابًا للنجاة وإخماد النار، قبل أن يدرك أنه قد منح النار مسارا جديدا للوصول إليهم، والتفّت عبره نحو عائلته المختبئة في الغرفة الأخرى بأقصى الشقة المستهدفة.

معركة مع النار

وبعد 4 دقائق من المحاولة، خفتت أصوات الأطفال المستنجدين بعمهم. عندها أدرك محمد وهو الممرض المعتاد على مواجهة الموت، أن عائلة شقيقه فراس مُسحت عن بكرة أبيها، حيث قُتل فراس وزوجته تفتيتا، فيما قضى أطفالهما الأربعة نعيم وفريال وسلمى وأميرة حرقا.

لكن النار لم تشبع، فقد امتدت ألسنة اللهب لتبتلع ما تبقى من الشقة التي كان محمد ووالدته وزوجته وطفلاه يحتمون بها. وما إن توقفت محاولاته لإنقاذ أبناء شقيقه، حتى بدأت معركته الثانية مع النيران التي شرعت في محاصرة عائلته.

انتشل محمد والدته من قلب النار بعدما بدأت تلتهم كتفها، وأوصلها إلى حيث زوجته الحامل وطفليه. ومع تمدد النيران وإحكام حصارها عليهم في الركن الأخير من الشقة، لم يبق أمامهم سوى النافذة.

ويروي محمد -للجزيرة نت- تفاصيل تلك اللحظات القاسية قائلا: "لنوافذ البيت حماية حديدية، لكن لطف الله دبّر لنا فتحة أحدثها ضغط الانفجار لا تتجاوز مساحتها نصف متر، لم أجد حلا إلا أن أقذف أطفالي وأمي وزوجتي الحامل، ثم أقفز خلفهم".

ولم تمنحه النار وقتًا للتردد، فقد كان القفز خيارهم الأخير للنجاة من الموت حرقا، فبقلب متجمد حمل محمد طفله عبد الرحمن وقذفه من النافذة، رغم أن ارتفاعها يعادل طابقا كاملا، ثم ابنته عائشة. ولمّا همّت زوجته بالقفز بدأ الناس بالتجمع أسفل النافذة، ليساعدوه في إنزالها، ثم ساعدوه وأمه حتى نجوا جميعا.

"وأنا في قلب النار وبينما الخوف يتملك عائلتي من القفز كنت أصرخ وأقول لهم: لا بأس إن تكسرت عظامنا، المهم ألا نذوب حرقا". يقول محمد. سألناه: "كم استغرقتم في معركة النجاة هذه؟" فأجاب: "كل هذا حدث خلال 10 دقائق، لكنني حتى هذه اللحظة لا أستوعب كيف فعلت ذلك، أو كيف استطعت التفكير".

وكان محمد قد فقد زوجته الأولى وأكبر أبنائه في استهداف سابق لمنزله قبل عام، ورغم عمله ممرضًا، واعتياده طوال سنوات على التعامل مع الإصابات والجثامين والمشاهد القاسية، إلا أن ما عاشه تلك الليلة تجاوز كل ما عرفه من قبل، حسب تعبيره. إذ لم يستطع فتح الأكياس للتعرف إلى جثامين أبناء شقيقه بعدما التهمتهم النيران، غير أن أصوات استغاثتهم ظلت عالقة في ذاكرته.

الناجي الوحيد

لكن محمد المصري لم يكن الناجي الوحيد الذي خرج من تحت الركام حاملا عبء الحكاية، فبالنسبة لأيهم نسمان، فقد أنقذته مصادفة عابرة من أن يكون الضحية السادسة في مجزرة أبادت أسرته بالكامل.

ففي الخامسة من مساء السبت 18 يوليو/تموز الماضي، خرج أيهم (12 عاما) قبل دقائق من استهداف منزل عائلته وسط مدينة غزة، متوجهًا إلى منزل عمه وليد لإحضار غرض ما. وبينما كان هناك، دوّى انفجار عنيف هزّ المكان، ليهرع مع عمه نحو المنزل، فلم يجدا لا المنزل ولا العائلة.

كانت الشقة التي لا تتجاوز مساحتها 100 متر مربع، قد استُهدفت بثلاثة صواريخ، فتفتت جثامينهم جميعا: الأب أدهم نسمان، وزوجته مروة، وأطفالهما يحيى وإبراهيم وأروى، وبقي أيهم ناجيا بجسده، لكنه محملا بصدمة سترافقه طويلا، بعدما فقد والديه وإخوته ومنزله دفعة واحدة.

إعلان

يقول عمه وليد نسمان للجزيرة نت إن الفتى ظل يومين يجمع الأشلاء المتناثرة لعائلته من داخل البيت، ومن المنازل المجاورة. مضيفا "في الوقت الذي يظن فيه المرء أنه في هدنة من الموت يجده ينقض عليه بوحشية لا يتوقعها عقل".

عائلة العلم والقرآن

ويستعيد وليد سيرة العائلة التي يصفها بأنها "عائلة علم وقرآن"، فيقول إن جميع أفرادها كانوا من حفظة كتاب الله، وعُرفوا بشغفهم بالتعليم والتفوق.

وكان يحيى، الإبن الأكبر، طالبا متفوقا في الرياضيات، يحلم بدراسة الهندسة المعمارية. وقبل يومين من استشهاده قال لعمه "أنا على يقين أنني لن أحصد أقل من معدل 95% في الثانوية العامة، وسأكون مهندسا معماريا"، لتصدر النتائج بعد أيام من استشهاده وحصد المعدل الذي كان يتوقعه، لكنه لم يكن حاضرا ليراها، ولم تجد العائلة من يحتفل بها.

أما والده أدهم، فكان قد أنهى دراسة البكالوريوس في الكيمياء، ويواصل دراسة الماجستير في الحديث الشريف، بينما كانت الأسرة بحسب وليد تعيش حياة طبيعية مليئة بالأحلام والطموحات، ولم يكن الموت يخطر ببالها أصلا.

مصدر الصورة الشهيد حسن لبد ارتقى مع عائلته في استهداف منزلهم بينما نجت ابنته حلا حين قذفها الصاروخ بعيدا (الجزيرة)

من تحت الركام

أمّا في غرب مدينة غزة وفي منزل عائلة لبد، كانت الناجية هذه المرة طفلة في الثامنة من عمرها، خرجت من تحت الركام بجسد أنهكته الحروق، بينما تركت الغارة خلفها أسرةً كاملة بين شهيد وجريح.

تروي حنين لبد، أن المجزرة وقعت بعد الثانية من فجر 4 يونيو/حزيران 2024، بينما كان أفراد العائلة نائمين داخل منزلهم الذي كان يؤوي 18 نازحا توزعوا على غرفه المختلفة. وتقول إن صاروخا إسرائيليا أصاب مباشرة الغرفة التي كان ينام فيها شقيقها حسن برفقة زوجته منار وطفليه.

تستعيد حنين في حديثها -للجزيرة نت- تفاصيل المشهد المؤلم وتقول: "قوة الانفجار قذفت الطفلة حلا إلى خارج الغرفة، بينما اشتعل جسد زوجة أخي منار، أما حسن فكان جسده مقسوما إلى نصفين". وأوضحت أن المجزرة وقعت في وقت كان كثير من السكان يعتقدون أنهم دخلوا مرحلة أكثر أمانا مع سريان وقف إطلاق النار، لذلك جاء الاستهداف صادما ومباغتا للعائلة.

وعن آخر الساعات التي جمعت العائلة، تستذكر حنين كيف أمضوا مساء الجمعة معا يتبادلون الأحاديث والضحكات، قبل أن يتحول المنزل بعد ساعات قليلة، إلى ركام تتناثر بينه الجثامين والجرحى.

وتقول إن استشهاد شقيقها حسن لم يكن أول فصول الفقد في العائلة، إذ سبق أن فقدوا والدهم وشقيقين آخرين في استهدافات إسرائيلية متفرقة، ليأتي رحيله امتدادا لسلسلة طويلة من الخسارات التي أثقلت كاهل الأسرة.

ولم تنجُ الطفلة حلا (8 سنوات) من آثار القصف نفسه، إذ استعادت وعيها في ممر المنزل وهي مصابة بحروق بالغة من الدرجتين 4 و 5 في يديها وساقيها، ما اضطر الأطباء لاحقًا إلى بتر يدها اليمنى، ورغم قسوة الإصابة، تقول حنين إن ابنة شقيقها بدأت تتقبل ما جرى تدريجيا، مستندة إلى ما تربت عليه من إيمان بالشهادة والجنة.

مصدر الصورة الطفلة حلا لبد الناجية من مجزرة عائلة لبد الشهر الماضي غرب غزة (الجزيرة)

شعور متواصل بالصدمة

وفق خبيرة نفسية، فإن استمرار القصف وحالة التهديد المستمرة لا تترك للناجين فرصة لمعالجة صدماتهم، إذ يبقى شعور الخطر حاضرا، فتتجدد آثار التجربة مع كل انفجار جديد.

وتوضح المرشدة النفسية صفاء حجازي أن الإنسان لا يملك رفاهية استيعاب الصدمة ما دام الخطر مستمرا، إذ ينشغل الدماغ في المقام الأول بمحاولة النجاة والبقاء، ويؤجل تلقائيا التعامل مع ما خلّفته التجربة من آثار نفسية.

وتقول للجزيرة نت إن استمرار القصف والتهديد اليومي يحول دون دخول الناجين في مرحلة التعافي، لأن جهاز الإنذار في الدماغ يبقى في حالة استنفار دائم، فلا يشعر الإنسان، طفلا كان أو بالغا، بأن الخطر قد انتهى. لذلك تظل ردود أفعالهم محكومة بمحاولة النجاة أكثر من محاولة فهم ما جرى أو التعبير عنه، بينما لا تظهر الآثار النفسية بصورة كاملة إلا عندما يتوقف التهديد.

إعلان

وبينما ينافي حديث الساسة حجم النار المسكوب على رؤوس المدنيين في غزة، يواصل الناجون حمل رواياتهم في قطاع لم تتح له الحرب أن يدخل زمن التعافي بعد، ولا يزال الموت فيه يسبق أي حديث عن نهاية قريبة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا