وجاءت الغارة في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية في القطاع من نقص متراكم في الأدوية والمواد الاستهلاكية وقطع الغيار، بينما تواجه أقسام غسيل الكلى صعوبة متزايدة في تأمين المستلزمات اللازمة لاستمرار جلسات العلاج.
قال المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، الدكتور خليل الدقران، إن القصف الإسرائيلي دمّر مخزنين من أصل أربعة مخصصة لتخزين الأدوية والمستهلكات الطبية، كما ألحق أضرارًا بالمخزنين الآخرين وبمبنى العيادات الخارجية.
وأوضح أن المستودعات المستهدفة كانت تضم أدوية ومحاليل ومستلزمات تستخدم في أقسام حيوية، بينها وحدة غسيل الكلى والعناية المركزة، محذرًا من أن فقدان هذه المواد قد ينعكس خلال الأيام المقبلة على قدرة المستشفى على مواصلة تقديم خدماته للمرضى.
وقالت وزارة الصحة في غزة إن القصف أدى إلى تدمير محتويات المخزنين بالكامل، ووصفت استهداف مخازن الأدوية بأنه تطور يفاقم الأزمة الصحية التي تعيشها مستشفيات القطاع.
من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي إن الغارة استهدفت عناصر من حركة حماس وموقعًا لتخزين أسلحة في محيط المستشفى، من دون أن يقدم أدلة علنية على وجود أسلحة داخل المخازن الطبية التي أصابها القصف.
بالنسبة إلى مرضى الفشل الكلوي ، لا يتعلق الأمر بخسارة مبنى أو مستودع، بل باحتمال فقدان المواد التي تعتمد عليها أجهزة الغسيل في عملها.
وقال مؤمن أرحيم، وهو أحد المرضى، إن الغارة طالت مواد أساسية تستخدم في تشغيل أجهزة الغسيل الكلوي، من بينها بيكربونات الصوديوم ومحاليل الهيموسول وحمض الستريك، وهي مواد لا يمكن الاستغناء عنها لإجراء الجلسات بصورة آمنة.
وأضاف أن المرضى يعانون منذ أشهر من تقليص الخدمات ونقص المستلزمات، وأن استهداف المخازن يثير مخاوف حقيقية من تقليص إضافي في عدد الجلسات أو مدتها إذا لم تدخل بدائل بصورة عاجلة.
أما المريض محمد ناجي فقال إن الأزمة بدأت قبل الغارة الأخيرة، إذ كانت المستشفيات تعاني أصلًا نقصًا في المواد اللازمة للغسيل الكلوي.
وأضاف أن المخزن الذي دُمّر كان يحتوي على كمية من مادة بيكربونات الصوديوم، وهي عنصر أساسي في تحضير محلول الغسيل، موضحًا أن فقدانها قد يمنع إجراء الجلسات بصورة طبيعية، ما يهدد حياة المرضى الذين يعتمدون على العلاج بشكل منتظم.
ولا تعتمد جلسة الغسيل على الأجهزة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى محاليل ومرشحات وأنابيب ومواد تعقيم وأدوية تستخدم مع كل جلسة. ويعني نقص أحد هذه المكونات أن الجهاز، حتى وإن كان يعمل، قد يصبح غير قابل للاستخدام بالشكل المطلوب.
تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نحو 700 مريض في قطاع غزة يعتمدون على الغسيل الدموي بصورة منتظمة، ويواجهون خطر انقطاع العلاج نتيجة النقص المستمر في المواد الاستهلاكية الأساسية. كما حذر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من أن نفاد مادة بيكربونات الصوديوم يهدد حياة نحو 650 مريضًا، باعتبارها أحد المكونات الرئيسية في محاليل الغسيل الكلوي، داعيًا إلى إدخالها بشكل عاجل مع بقية المستلزمات الطبية.
وتوضح بيانات منظمة الصحة العالمية أن خدمات غسيل الكلى واجهت خلال الأشهر الماضية اضطرابات متكررة بسبب نقص الإمدادات، الأمر الذي انعكس على انتظام الجلسات في عدد من المستشفيات.
وتشير تقديرات طبية إلى أن عدد مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة كان يتجاوز ألف مريض قبل اندلاع الحرب، بينما يقدر عدد المرضى الذين ما زالوا يتلقون جلسات الغسيل حاليًا بنحو 700، في ظل غياب بيانات رسمية محدثة تفسر بصورة كاملة أسباب هذا التراجع، وما إذا كان مرتبطًا بالوفيات أو النزوح أو تعذر الوصول إلى العلاج.
وتؤكد الطواقم الطبية أن الخطر لا يكمن في نقص الأدوية فقط، بل في فقدان المواد التي تجعل تشغيل أجهزة الغسيل ممكنًا، إذ إن أي انقطاع في هذه المواد قد يؤدي إلى توقف الجلسات حتى لو بقيت الأجهزة داخل الأقسام.
في مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، خرج نحو 25 جهاز غسيل كلوي من الخدمة خلال الأشهر الأخيرة، فيما تعمل الأجهزة المتبقية بصورة جزئية لتقديم الخدمة لنحو 240 مريضًا يعانون من الفشل الكلوي المزمن.
وأدى نقص الأجهزة والمواد والطواقم الطبية إلى تقليص مدة بعض جلسات الغسيل من أربع ساعات إلى ثلاث ساعات، وخفض عددها لدى عدد من المرضى من ثلاث جلسات أسبوعيًا إلى جلستين فقط. ويقول أطباء إن معظم مرضى الفشل الكلوي في المراحل المتقدمة يحتاجون عادة إلى ثلاث جلسات أسبوعيًا، تستغرق كل واحدة منها نحو أربع ساعات، من أجل التخلص من السوائل الزائدة والسموم التي لم تعد الكليتان قادرتين على إخراجها.
لكن استمرار النقص أجبر الطواقم الطبية على توزيع الوقت والإمكانات المحدودة بين أكبر عدد ممكن من المرضى، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الخدمة، رغم إدراكها أن تقليص الجلسات يزيد من خطر المضاعفات الصحية.
لا تنفصل أزمة مرضى الفشل الكلوي عن التدهور الذي أصاب القطاع الصحي بأكمله منذ اندلاع الحرب. فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لا يعمل سوى نحو 44% من نقاط تقديم الخدمات الصحية التي كانت قائمة قبل الحرب، بينما تعمل معظم المرافق المتبقية بقدرات محدودة نتيجة نقص الوقود والأدوية والمعدات والطواقم الطبية.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن المستشفيات العاملة في قطاع غزة لا تعمل بكامل طاقتها، وأن النقص في الأدوية والمستلزمات الأساسية ما يزال يحد من قدرتها على تقديم الرعاية، خاصة للمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم، مثل مرضى الفشل الكلوي.
ولا تقتصر الأزمة على الأدوية، بل تشمل أيضًا تعطل أجهزة الغسيل، وصعوبة توفير قطع الغيار، والانقطاع المتكرر للكهرباء، و نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات، إلى جانب الضغط المتواصل على المستشفيات بسبب تدفق أعداد كبيرة من الجرحى.
وتعكس أوضاع مجمع الشفاء الطبي حجم الضغوط التي تواجه خدمات غسيل الكلى في القطاع. فبحسب رئيس قسم الكلى الصناعية في المجمع، الدكتور غازي اليازجي، خرج نحو 25 جهاز غسيل كلوي من الخدمة، فيما تعمل 26 أجهزة فقط بصورة جزئية لخدمة نحو 240 مريضًا يعانون من الفشل الكلوي المزمن. وأوضح أن نقص الأجهزة والمستلزمات الطبية أجبر الطواقم على تقليص مدة جلسات الغسيل من أربع ساعات إلى ثلاث، وخفض عددها لدى بعض المرضى من ثلاث جلسات أسبوعيًا إلى جلستين، في محاولة لإتاحة العلاج لأكبر عدد ممكن من المرضى.
قبل الحرب، كان بعض مرضى الفشل الكلوي، خصوصًا الحالات التي تحتاج إلى زراعة كلى أو تدخلات علاجية متخصصة، يحصلون على تحويلات للعلاج خارج قطاع غزة.
لكن القيود المفروضة على حركة المرضى، إلى جانب الإغلاق المتكرر للمعابر، جعلت هذا الخيار متاحًا لعدد محدود فقط، بينما يواصل معظم المرضى الاعتماد على المستشفيات المحلية رغم تراجع إمكاناتها.
ويشير أطباء إلى أن مريض الغسيل لا يستطيع انتظار أسابيع أو أشهر حتى تتاح له فرصة السفر، لأن العلاج بالنسبة إليه ضرورة متكررة لا يمكن تأجيلها، وأي انقطاع في الجلسات قد يقود إلى مضاعفات خطيرة تهدد حياته.
خلال الأشهر الماضية، نظم مرضى الفشل الكلوي وقفات داخل أقسام الغسيل في مستشفييْ الشفاء وشهداء الأقصى، طالبوا خلالها منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر والجهات الدولية بالضغط من أجل إدخال بيكربونات الصوديوم ومحاليل الغسيل والمرشحات وقطع الغيار والأدوية اللازمة لاستمرار العلاج.
كما دعت مؤسسات حقوقية وإنسانية إلى ضمان وصول الإمدادات الطبية بصورة منتظمة، والسماح للمرضى الذين لا يتوفر علاجهم داخل القطاع بالحصول على فرص العلاج خارج غزة.
لكن استهداف مخازن الأدوية في مستشفى شهداء الأقصى أضاف تحديًا جديدًا إلى أزمة كانت تتفاقم أصلًا بفعل النقص المستمر في الإمدادات، إذ فقدت المنظومة الصحية جزءًا من مخزون كانت تعتمد عليه لاستمرار عمل أقسام حيوية، من بينها وحدات غسيل الكلى.
وبينما تتواصل الجهود لتوفير بدائل، يبقى المرضى أمام سباق يومي مع الوقت. فجلسة الغسيل ليست موعدًا طبيًا يمكن تأجيله، بل إنه العلاج الوحيد الذي يبقيهم على قيد الحياة. وكل يوم يتأخر فيه وصول المواد اللازمة يعني أن احتمال توقف الجلسات يقترب أكثر، وأن مئات المرضى قد يجدون أنفسهم أمام معركة جديدة، لا يخوضونها مع المرض وحده، بل مع نقص العلاج أيضًا.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة