في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طرابلس- لم يعد اسم صدام حفتر يقتصر على نشرات الأخبار العسكرية في شرق ليبيا، بل أصبح يتكرر في بيانات وزارات الخارجية، وصور اللقاءات مع مسؤولين أمريكيين وأتراك، وفي مسار دبلوماسي يتسارع منذ مطلع عام 2026، بالتوازي مع تحركات أمريكية لإعادة رسم خارطة التوازنات السياسية والعسكرية في البلاد.
فبعد لقاءات جمعته بكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس في بنغازي وميونخ، استقبله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن، قبل أن يلتقي وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أنقرة، في وقت زار فيه وفد من الكونغرس بنغازي ومصراتة ضمن جولة ركزت على ملف توحيد المؤسسة العسكرية.
وتثير هذه التحركات سؤالا يتجاوز الزيارات الرسمية: كيف أصبح ضابط لم يسلك المسار العسكري التقليدي، وأثار صعوده جدلا داخل ليبيا، أحد أبرز الوجوه التي تتعامل معها القوى الإقليمية والدولية؟
يرى مصدر مطلع -فضل حجب هويته- أن موازين القوة داخل معسكر القيادة العامة تغيرت بصورة واضحة خلال الأشهر الأخيرة، مع تصاعد نفوذ صدام حفتر وتحوله إلى الشخصية الأكثر تأثيرا في إدارة الملفات العسكرية والسياسية داخل الشرق الليبي، مقابل تراجع الدور المباشر للواء المتقاعد خليفة حفتر بحكم تقدمه في السن.
وقال المصدر للجزيرة نت إن صدام حفتر بات يتولى إدارة عدد من الملفات الحساسة، وأصبح الطرف الأكثر حضورا في الاتصالات واللقاءات الإقليمية والدولية، بما يعكس انتقالا تدريجيا لمركز الثقل داخل القيادة العامة.
وأضاف أن المبادرة الأمريكية التي يقودها مسعد بولس تسير في مسارين متوازيين:
وبحسب المصدر نفسه، فإن هذا الخلاف أبطأ تقدم المفاوضات، رغم استمرار الاتصالات الأمريكية مع مختلف الأطراف، في ظل حرص واشنطن على الدفع نحو تسوية سياسية وعسكرية متزامنة تنهي الانقسام المؤسسي.
من جانبه، يقول المحلل السياسي وخبير العلاقات الدولية إلياس الباروني إن صعود صدام حفتر لا يمكن قراءته باعتباره تطورا فرديا، بل يأتي ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل مراكز النفوذ في ليبيا بالتوازي مع التحولات الإقليمية والدولية.
وحدد الباروني عوامل أساسية تفسر هذا الصعود، أبرزها امتلاك صدام نفوذا عسكريا وأمنيا واسعا في شرق البلاد وجنوبها، وسيطرته على جزء مهم من منظومة القرار الأمني داخل معسكر الشرق، وإدراك القوى الدولية أن أي تسوية مستقبلية تستوجب التواصل مع الشخصيات القادرة على التأثير في الواقع الميداني.
وأضاف للجزيرة نت أن الدول لا تتعامل مع الأشخاص بوصفهم أفرادا، بل بوصفهم مراكز قوة يمكنها التأثير في الملفات المرتبطة بأمن الحدود، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، واستقرار إنتاج النفط، وهو ما يفسر -باعتقاده- الانفتاح الأمريكي والتركي والمصري عليه.
وما يجري قد لا يكون -وفقا للباروني- تمهيدا لخلافة تقليدية لخليفة حفتر، بقدر ما يعكس سعيا دوليا لإعادة إنتاج السلطة الليبية بصيغة جديدة تقوم على تقاسم النفوذ بين القوى الرئيسية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
ويؤكد أن الرؤية الأمريكية تقوم على 3 أهداف مترابطة:
غير أن هذا المسار لا يحظى بإجماع ليبي، إذ ترى قوى سياسية واجتماعية في غرب البلاد أن الانفتاح الدولي على صدام حفتر يثير مخاوف من إعادة إنتاج مراكز النفوذ العسكرية، بدلا من الدفع نحو انتقال سياسي يستند إلى الإرادة الشعبية.
ويقول الناشط السياسي وعضو مجلس حكماء مصراتة أحمد التويب إن أي انفتاح أو تفاهم، إن وجد، يجب أن يكون من أجل مصلحة ليبيا ووحدة مؤسساتها، لا من أجل منح شرعية لأشخاص أو مشاريع مرفوضة.
وأضاف للجزيرة نت أن أي دور سياسي أو عسكري لصدام أو لأي من أبناء حفتر مرفوض، معتبرا أن المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الانقسامات التي شهدتها البلاد لا يمكن تجاوزها، وأن أي تفاهم حقيقي يجب أن يسبقه اتفاق وطني على توحيد المؤسسة العسكرية تحت سلطة مدنية شرعية، واستكمال المسار السياسي عبر الانتخابات.
ويتفق معه عضو أعيان مدينة مصراتة أنور صوان، الذي يؤكد أن ما يُتداول عن وجود انفتاح بين مصراتة وصدام حفتر لا يعبر عن موقف المدينة، بل يتعلق باتصالات تقودها حكومة الوحدة الوطنية.
وقال للجزيرة نت إن قطاعا واسعا داخل مصراتة يرفض أي ترتيبات تقوم على تقاسم السلطة بين العائلات أو مراكز النفوذ، ويرى أن إنهاء الأزمة لا يكون عبر إعادة إنتاج القوى المسيطرة، وإنما من خلال انتخابات يختار فيها الليبيون ممثليهم بصورة مباشرة.
وأضاف أن اللقاءات التي يجريها صدام حفتر مع مسؤولين إقليميين ودوليين "لا تمنحه شرعية سياسية أو قبولا شعبيا"، مؤكدا أن معيار الشرعية يجب أن يبقى مرتبطا بإرادة الليبيين، لا بالاعترافات الخارجية.
في المقابل، يرى الخبير في الأمن القومي فيصل بوالرايقة أن التركيز على الجدل المرتبط برتبة صدام لا يفسر وحده أسباب صعوده، معتبرا أن نفوذه ارتبط بما تولاه من مسؤوليات ميدانية وتنظيمية، وبحضوره في ملفات مكافحة الإرهاب وضبط الحدود وإعادة تنظيم بعض الوحدات العسكرية.
وقال للجزيرة نت إن الدول تتعامل مع الشخصيات القادرة على التأثير في الواقع الأمني، لا مع الأفراد بصفتهم الشخصية، مشيرا إلى أن ليبيا تمثل بالنسبة للقوى الدولية ملفا يرتبط بأمن الحدود والهجرة و"الإرهاب" واستقرار شمال أفريقيا، وهو ما يفسر التواصل مع القيادات المؤثرة داخل المؤسسة العسكرية.
ويظل توحيد المؤسسة العسكرية -في تقديره- رهنا بتوافق سياسي شامل، لكنه يحتاج أيضا إلى قيادات تمتلك القدرة على إدارة هذا المسار، معتبرا أن نجاح أي تجربة عسكرية سيقاس مستقبلا بقدرتها على ترسيخ مؤسسات وطنية مستقرة، لا بالاعتماد على الأشخاص.
غير أن هذا الطرح يلقى رفضا من قيادات عسكرية في غرب ليبيا. ويقول آمر كتيبة عمر المختار التابعة لوزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، زياد بلعم، للجزيرة نت، إن صعود صدام حفتر لا يستند إلى مسار مهني أو عسكري تقليدي، وإنما إلى نفوذ العائلة داخل القيادة العامة، معتبرا أن تجاوز التراتبية العسكرية يهدد مبدأ الانضباط المؤسسي ويحول الولاء من المؤسسة إلى الأشخاص.
ويرى أن أي مشروع لتوحيد المؤسسة العسكرية ينبغي أن يقوم على أسس مهنية وتوافق وطني، محذرا من أن تكريس النفوذ العسكري لطرف واحد قد يقوّض فرص بناء دولة مدنية وإجراء انتخابات تنهي المراحل الانتقالية، كما يعتبر أن الانفتاح الإقليمي والدولي على صدام تحركه اعتبارات المصالح أكثر من كونه يعكس توافقا وطنيا حول مستقبله السياسي أو العسكري.
من جهته، يقول رئيس جهاز الحرس الوطني العميد محمود الزقلي إن صعود صدام حفتر لا يستند إلى المعايير المهنية المعروفة داخل المؤسسات العسكرية، وإنما إلى موازين القوة التي فرضتها ظروف الصراع، معتبرا أن استقبال بعض الدول له يعكس حسابات مرتبطة بمصالحها الخاصة أكثر من كونه اعترافا بشرعية سياسية أو عسكرية.
ودعا -في تصريح للجزيرة نت- إلى التركيز على إنجاز الدستور باعتباره المدخل الحقيقي لبناء مؤسسات الدولة وإنهاء المراحل الانتقالية.
وتأتي هذه المواقف المتباينة بينما تتحرك المبادرة الأمريكية التي يقودها مسعد بولس على أكثر من مسار في آن واحد.
فإلى جانب الجهد السياسي الهادف إلى تقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب، دفعت واشنطن نحو تعاون عسكري غير مسبوق تُوّج بتنظيم تمرين "فلينتلوك 2026" في مدينة سرت، بمشاركة قوات من الشرق والغرب تحت إشراف القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، في خطوة وُصفت بأنها أول اختبار عملي لإمكان العمل المشترك بين الطرفين.
وبين من يرى في صعود صدام حفتر انتقالا عمليا لمركز الثقل داخل معسكر الشرق، ومن يعتبره جزءا من ترتيبات دولية لإعادة تشكيل السلطة في ليبيا، تبقى الأسئلة الجوهرية مفتوحة: هل يقود هذا المسار إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، أم إلى إعادة إنتاج مراكز النفوذ نفسها بصيغة جديدة؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة