في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تمر المحكمة الجنائية الدولية بمرحلة تُعد من أصعب الاختبارات منذ تأسيسها بموجب نظام روما الأساسي عام 2002، إذ تواجه ضغوطا سياسية وجيوسياسية متزايدة تضع شرعيتها وقدرتها التشغيلية أمام تحديات غير مسبوقة، رغم الدور الذي أُنشئت من أجله بكونها آلية أخيرة لمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم الدولية.
وتزامنت هذه الأزمة مع حالة من الفراغ القيادي والارتباك الداخلي في أروقة المحكمة، وأيضا مع حملة دبلوماسية أمريكية شرسة تمارس أقصى درجات الضغط والتهديد بالعقوبات الفردية والمؤسسية لتجريد المحكمة من سلطتها ومنعها من ملاحقة حلفائها. وفي ظل هذا المناخ الدولي المشحون، تتصاعد موجة غير مسبوقة من الانسحابات المتتالية للدول الأطراف.
تشكل حالة تشاد النقطة الأكثر دلالة في الموجة الحالية للانسحابات من المحكمة الجنائية الدولية، إذ أعلنت -أمس الاثنين- إبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش رغبتها الرسمية في الانسحاب من نظام روما الأساسي، المعاهدة المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية.
بررت تشاد -وهي الدولة الخامسة التي تُقدم على هذه الخطوة أخيرا بعد فنزويلا وبوركينا فاسو ومالي والنيجر– قرارها باتهام المحكمة بـ"الانتقائية الجغرافية" والتركيز غير المتوازن على القارة الأفريقية وتركيز التحقيقات والملاحقات عليها، ووصفها بأنها "أداة للهيمنة والاستعمار الجديد".
وقالت حكومة تشاد إن 9 من التحقيقات الـ13 التي فتحتها المحكمة منذ دخولها حيز التنفيذ تتعلق بدول أفريقية، في حين فُتحت 4 تحقيقات في مناطق أخرى من العالم "ولكن دون أي تقدم ملموس".
ورحبت واشنطن -وهي ليست عضوا في المحكمة- بانسحاب دول مثل فنزويلا، وحثت بقية الدول على الاقتداء بها، واصفة المحكمة بأنها "فاسدة وتفتقر إلى المصداقية".
ويبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أعلنت الحرب صراحة على المحكمة الجنائية الدولية، إذ نشرت وزارة الخارجية التشادية بيانا على موقعها الرسمي جاء فيه أن قرار الانسحاب جاء استجابة لطلب من واشنطن.
وكشفت التقارير الإعلامية أن مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية فرانك غارسيا أجرى اتصالات، وحث الحكومة التشادية مباشرة على إعادة النظر في عضويتها بالمحكمة الجنائية الدولية.
وجاء في بيان للحكومة التشادية "أعرب الجانب الأمريكي عن مخاوفه بشأن أداء هذه المؤسسة، ودعا تشاد إلى مراجعة انضمامها إلى نظام روما الأساسي".
ووفقا للمادة 127 من المعاهدة، يدخل الانسحاب حيز التنفيذ بعد عام واحد من تسلم الإخطار.
ولا تُعد هذه الانسحابات الأولى من نوعها، ففي عام 2016، أعلنت جنوب أفريقيا وغامبيا نيتهما الانسحاب من المحكمة. ومع ذلك، لم تتحقق هذه الانسحابات، إذ تراجعت بريتوريا عن خطوتها بعد قرار قضائي، في حين ألغت الحكومة الغامبية الجديدة الإجراءات.
لكن هذه الخطوة تأتي هذه المرة في توقيت بالغ الحساسية، بعد أيام من تصويت 82 دولة من أصل 125 دولة عضوا في المحكمة على عزل كريم خان من منصبه المدعي العام، بسبب ما وُصف بـ"سوء سلوك جسيم".
وفي عام 2002، أقر الكونغرس قانون حماية أعضاء الخدمة الأمريكيين، وهو القانون الذي يوجب قطع المساعدات المالية عن الدول الأعضاء بالمحكمة التي توافق على تسليم أفراد أمريكيين إليها، ويخول الرئيس استخدام كل الوسائل اللازمة لإنقاذ الأمريكيين المحتجزين لدى المحكمة، فضلا عن إبرام اتفاقيات ثنائية مع عشرات الدول لضمان عدم تسليم الرعايا الأمريكيين.
وشهدت العلاقات محطات دعم مشروط، إذ سمحت إدارة بوش عام 2005 لمجلس الأمن بإحالة قضية دارفور إلى المحكمة، كما صوتت إدارة أوباما عام 2011 لمصلحة إحالة الوضع في ليبيا، وساعدت في تسليم فارين ورصد مكافآت مالية لجمع معلومات عن متهمين بجرائم بشعة.
وفي عهد ترمب، بدت العلاقات أكثر تشددا، غاضبة من اندفاع المدعية العامة الرئيسية -حينئذ- فاتو بنسودا للتحقيق مع القوات المسلحة الأمريكية وأفراد وكالة الاستخبارات المركزية بشأن جرائم حرب محتملة في أفغانستان، فضلا عن تحقيقها الأولي في الجرائم الإسرائيلية المزعومة في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة.
وفي عام 2018، أعلن مستشار الأمن القومي -حينئذ- جون بولتون أن البيت الأبيض لن يتعاون بعد الآن مع المحكمة الجنائية الدولية، وسيمنع أي جهود لملاحقة مواطنين أمريكيين أو إسرائيليين.
وفي العام التالي، وبعد أن هدد وزير الخارجية مايك بومبيو بإلغاء تأشيرات أي من موظفي المحكمة الجنائية الدولية الذين يحققون بشأن الولايات المتحدة ، تم إلغاء تأشيرة بنسودا الأمريكية، وأطلقت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقا في عام 2020 بشأن الجرائم في أفغانستان، متراجعة عن قرار سابق بعدم التحقيق في الأمر. وردا على ذلك، فرض ترمب عقوبات على أفراد مرتبطين بالمحكمة الجنائية الدولية.
وفي عهد الرئيس جو بايدن، اتخذ نهجا أكثر تعاونا مع المحكمة، فبعد توليه منصبه بفترة قصيرة، رفع العقوبات وقيود التأشيرات التي فُرضت في عهد ترمب.
لكن لوائح الاتهام بحق المسؤولين الإسرائيليين عقدت الأمور، إذ وصف بايدن طلب إصدار أوامر اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين في مايو/أيار 2024 بأنه "مثير للغضب"، ورفض إعلان أمر الاعتقال بحق نتنياهو.
ومع عودة ترمب إلى المنصب، أعاد فرض العقوبات بسرعة على المحكمة الجنائية الدولية بسبب "إجراءات غير شرعية ولا أساس لها" تستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل. وجاء هذا الإعلان في فبراير/شباط 2025، في الأسبوع نفسه الذي أصبح فيه نتنياهو أول قائد أجنبي يزور البيت الأبيض خلال الولاية الثانية لترمب.
وفي يوليو/تموز الجاري، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن "جهود حكومية شاملة لتعطيل المحكمة بشكل منهجي"، واصفة إياها بأنها "تهديد لا يمكن تحمله للسيادة الأمريكية".
وحذر وزير الخارجية ماركو روبيو من ملاحقة الجنود والمسؤولين الأمريكيين، محولا الحملة إلى خيار بين "الدول ذات السيادة مقابل العولمة"، مع التلويح بفرض عقوبات جديدة وتكثيف التدقيق في الحلفاء المعتمدين على المساعدات الأمريكية والذين لا يرفضون سلطة المحكمة.
وتشير التقارير أن الحملة الأمريكية لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل بدأت تؤثر في قدرة المحكمة على العمل، فقد تزامنت مع أزمة اختيار المدعي العام الجديد، وسط مخاوف من أن تؤدي العقوبات الأمريكية إلى عزوف المرشحين وإضعاف التعاون الدولي مع المحكمة.
ويرى محللون قانونيون أن الترشح لهذا المنصب بات ينطوي على مخاطر جسيمة، في ظل إدراك المرشحين المحتملين أنهم سيتعرضون تلقائيا لعقوبات أمريكية فور توليهم المسؤولية.
ويمكن أن نعزو خوف الخبراء القانونيين إلى أن واشنطن حولت ملف المحكمة الجنائية الدولية من مجرد خلاف سياسي إلى مسألة "تهديد غير عادي واستثنائي للأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة"، مما يمنح الإدارة الأمريكية صلاحيات استثنائية لمواجهتها.
ووفقا للموقع الرسمي للبيت الأبيض، ستفرض الولايات المتحدة عقوبات ملموسة ومهمة على المسؤولين عما تصفه بتجاوزات المحكمة الجنائية الدولية، قد تشمل تجميد الممتلكات والأصول، فضلا عن منع دخول مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها ووكلائها وأفراد أسرهم المباشرين إلى الولايات المتحدة، لأن دخولهم إلى أمريكا سيضر بمصالحها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة