آخر الأخبار

الحرب مع إيران وأزمة القرار الأمريكي.. التداعيات الإستراتيجية على أمن الخليج

شارك

تستعرض دراسة الباحث القطري عبد الله راشد المرسل، المتخصص في العلاقات الدولية والمهتم بدراسة التحولات الجيوسياسية والنظام الدولي المعاصر، والمعنونة «الحرب مع إيران وأزمة القرار الأمريكي: التداعيات الإستراتيجية على أمن الخليج العربي»، أثر القرار الأمريكي المتخذ في واشنطن على معادلة الأمن الإقليمي في الخليج.

وتنطلق الدراسة من أن قرار استهداف المواقع الإيرانية لا تنتهي آثاره عند حدود الهدف، وإنما ينعكس في حجم الرد الإيراني وطبيعته، وتدفق الطاقة، وأمن الموانئ، وكلفة الشحن، وتأمين سلاسل التوريد.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كيف حوّل الحوثيون اقتصاد اليمن إلى رافد لتمويل الحرب؟
* list 2 of 2 الثأر في الخطاب الإيراني… من الأسطورة إلى السياسة end of list

ولذلك، ترى أن دول المنطقة تحتاج إلى شراكة أكثر توازنًا مع الولايات المتحدة، تجمع بين الالتزام الأمريكي وبناء قدرة ردع خليجية تحمي المنطقة من أن تصبح ساحة تختبر فيها حدود القوة الأمريكية والإيرانية.

القرار الأمريكي في قلب معادلة أمن الخليج

توضح الدراسة أن المواجهة الأمريكية-الإيرانية دخلت مرحلة تجاوزت حدود الصراع الثنائي، بعدما أصبحت الممرات البحرية والمنشآت الحيوية والقواعد العسكرية في الخليج جزءًا مباشرًا من حركة التصعيد.

فالضربة التي تقررها واشنطن ضد موقع إيراني تنعكس في حجم الرد الإيراني، واتجاه الصواريخ والطائرات المسيرة، وحركة ناقلات النفط والغاز، وكلفة التأمين والشحن، ومستوى المخاطر المحيطة بالموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والمياه في دول المنطقة.

ويجعل هذا الترابط طبيعة القرار الأمريكي عاملًا داخليًّا في معادلة الأمن الإقليمي، لأن تأثير قدرة الولايات المتحدة على استخدام القوة لا ينفصل عن قدرتها على تحديد غايتها وضبط مداها وبناء تسوية تعقب استخدامها.

وكشف استئناف العمليات الأمريكية بعد انهيار التهدئة هشاشة الصيغة التي أوقفت القتال مؤقتًا دون أن تعالج مصادره السياسية والعسكرية.

فقد أبلغ الرئيس دونالد ترمب الكونغرس، في 13 يوليو/تموز 2026، باستئناف الأعمال القتالية مع إيران، واعتبرت الإدارة أن العمليات الجديدة بدأت في 7 يوليو/تموز، بعدما اتهمت طهران بخرق مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو/حزيران واستهداف السفن التجارية في مضيق هرمز.

إعلان

وأعادت واشنطن فرض الحصار على الملاحة المرتبطة بالموانئ الإيرانية، ووسعت ضرباتها ضد القدرات العسكرية المنتشرة على الساحل الإيراني.

وتشير الدراسة إلى أن فترة التوقف لم تفض إلى تسوية تنظم العلاقة بين الردع العسكري، والممر البحري، والمفاوضات النووية، والأمن الإقليمي، بل ظل الاتفاق المؤقت معلقًا على تفسير كل طرف لالتزاماته وفق حاجاته العملياتية.

وعندما عادت الهجمات على السفن، تعاملت واشنطن معها باعتبارها انهيارًا للتهدئة، بينما وسعت إيران ردودها باتجاه مواقع أمريكية في دول الخليج، فتحولت القواعد والمنشآت الموجودة في البحرين والكويت وقطر وغيرها إلى امتداد ميداني للصراع.

وخلال الأيام التالية، أعلنت طهران استهداف مواقع في دول تستضيف قوات أمريكية، وتعرضت محطة كويتية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه لأضرار أدت إلى تعطل عدد من وحداتها. ورأت الدراسة في ذلك بداية انتقال الحرب من نطاق المنشآت العسكرية إلى البنية التي تستند إليها الحياة اليومية والقدرة الاقتصادية لدول المنطقة.

ويكشف هذا الانتقال حدود الفصل بين الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة والمجال الجغرافي الذي يتحمل جانبًا كبيرًا من أعبائها.

فدول الخليج ترتبط بواشنطن بعلاقات دفاعية طويلة، وتستضيف منشآت عسكرية تؤدي وظيفة مركزية في حماية الممرات البحرية وردع التهديدات، إلا أن وجود هذه المنشآت يجعل أراضيها جزءًا من حسابات الرد الإيراني عندما تتسع المواجهة.

ومن ثم، لا يرتبط نجاح الردع بحجم القوة الأمريكية وحده، وإنما يتطلب منع إيران من استهداف دول المنطقة، وحماية منشآت الطاقة والمياه والبنى التحتية والمطارات، والإبقاء على الملاحة مفتوحة، ومنع العمليات العسكرية نفسها من دفع طهران إلى توسيع بنك أهدافها.

مصدر الصورة إيران تستهدف مواقع مدنية بالكويت (الفرنسية)

التفوق العملياتي وغياب النتيجة السياسية

توضح الدراسة أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك قدرة عملياتية واسعة على إصابة الدفاعات الجوية، ومواقع الصواريخ والطائرات المسيرة، والقوات البحرية التابعة للحرس الثوري، غير أن هذا التفوق العملياتي ظل منفصلًا عن النتيجة السياسية النهائية.

فقد استمرت الهجمات الإيرانية بعد عدة موجات من القصف، ووصلت إلى مواقع عسكرية ومنشآت في دول مجاورة، كما استمرت الاعتداءات على الناقلات والسفن التجارية في المضيق.

وأدى التصعيد في منتصف يوليو/تموز إلى مقتل عسكريين أمريكيين في هجوم إيراني، وارتفاع عدد القتلى الأمريكيين منذ بداية الحرب، وهو ما دفع واشنطن إلى توسيع نطاق عملياتها.

ويقود ذلك، بحسب الدراسة، إلى التمييز بين القدرة على تدمير الهدف والقدرة على تغيير البيئة التي تنتجه؛ فالضربات الأمريكية تستطيع تقليص مخزون من الصواريخ، أو تعطيل منظومة دفاع، أو تدمير زوارق وقواعد، بينما تحتاج حماية الخليج إلى ترتيب مستدام يمنع إعادة بناء التهديد، ويضبط سلوك إيران تجاه الملاحة والدول المجاورة.

وتزداد صعوبة الوصول إلى هذا الترتيب عندما تتحول العمليات إلى جولات متعاقبة، لأن كل جولة تمنح الطرفين دافعًا إلى توسيع الأدوات والأهداف، وتجعل العودة إلى التفاوض مرهونة بإثبات القوة أكثر من ارتباطها ببناء قواعد مستقرة.

رسوم مضيق هرمز واضطراب الغاية السياسية

ترى الدراسة أن اضطراب الغاية السياسية ظهر بوضوح في إعلان الرئيس الأمريكي فرض رسوم بنسبة 20% على البضائع العابرة من مضيق هرمز، مقابل ما وصفه بالحماية الأمريكية للملاحة، ثم تراجعه عن المقترح في اليوم التالي واستبداله بالحديث عن اتفاقات استثمارية وتجارية مع دول الخليج.

إعلان

ولم تعلن الإدارة تفاصيل الالتزامات التي قيل إنها عوضت خطة الرسوم، كما واجه المقترح اعتراضًا من جهات دولية وشركات ملاحة رأت أنه يفتقر إلى أساس قانوني ويمس مبدأ المرور في الممرات الدولية.

ولا تنظر الدراسة إلى المسألة باعتبارها مجرد قرار اقتصادي ألغي سريعًا؛ فمضيق هرمز لا يحتمل التعامل معه بمنطق اختبار الأفكار أو القرارات السياسية عبر التصريحات، لارتباطه بسيادة الدول المطلة عليه، وقواعد القانون البحري، وحركة نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.

كما أن فرض رسوم أو نظام حماية أمريكي أحادي يثير أسئلة عن طبيعة السلطة التي تمنح واشنطن حق فرضه، وآلية تحصيله، وحدود مسؤوليتها القانونية عن السفن التي تدفعه.

وقد أدى الإعلان عن الرسوم، بالتزامن مع إعادة الحصار وعودة الضربات، إلى زيادة التوتر في سوق النفط، وسجلت الأسعار ارتفاعات حادة مع تزايد احتمالات تعطل الإمدادات وانخفاض حركة السفن عبر المضيق.

وتتعلق المشكلة الأعمق بنوعية الإشارة السياسية التي تتلقاها دول المنطقة.

فقد قامت العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة تاريخيًّا على افتراض امتلاك واشنطن منظومة مؤسسية قادرة على تحويل القوة إلى التزام يمكن توقعه، وأن القرارات الكبرى تمر عبر تقديرات عسكرية وقانونية ودبلوماسية تحدد آثارها قبل إعلانها.

وعندما تتغير سياسة تمس حرية الملاحة خلال ساعات، يصبح الحلفاء مضطرين إلى التحوط من القرار الأمريكي نفسه بالتوازي مع تحوطهم من التهديد الإيراني.

ولا يعني ذلك، وفق الدراسة، تراجع أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة، لأن قدراتها العسكرية والتقنية والاستخباراتية تبقى عنصرًا رئيسيًّا في أمن المنطقة، لكنه يكشف أن قيمة هذه القدرات ترتفع عندما تخضع لإستراتيجية مستقرة، وتتراجع عندما تتحول إلى استجابة متعاقبة للأحداث.

مصدر الصورة مضيق هرمز (مارين ترافيك)

الحرب بين سلطة الرئيس ومسؤولية الكونغرس

تنتقل الدراسة إلى البعد الدستوري للأزمة، وترى أن العودة إلى القتال وضعت مسألة الصلاحيات الدستورية في مركز الجدل، بعدما اعتبرت إدارة الرئيس دونالد ترمب أن استئناف العمليات العسكرية يطلق مهلة جديدة مدتها ستون يومًا وفق قانون سلطات الحرب.

وتوضح أن الإخطار الذي أرسلته الإدارة إلى الكونغرس جاء بعد خلاف بشأن احتساب المهلة الأصلية التي بدأت عقب الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ثم توقفت جزئيًّا خلال الهدنة التي رأت الإدارة أنها أنهت حالة الأعمال العدائية لأغراض القانون.

وأكد مسؤولون أمريكيون أن وقف القتال أوقف احتساب المهلة، في حين رأى معارضو الإدارة أن القانون لا يتضمن نصًّا يسمح للرئيس بتعليق المهلة ثم استئنافها بإرادته المنفردة.

وتوضح الدراسة أن قانون سلطات الحرب، الذي صدر عام 1973 أثناء حرب فيتنام، استهدف استعادة دور الكونغرس في القرارات التي تدخل القوات الأمريكية في أعمال قتالية.

ويلزم القانون الرئيس بالتشاور مع الكونغرس، وتقديم تقرير عند إدخال القوات في أعمال عدائية، كما يقضي بإنهاء استخدامها بعد ستين يومًا ما لم يعلن الكونغرس الحرب أو يصدر تفويضًا أو يمدد المهلة قانونًا، مع إمكانية إضافة فترة محدودة للانسحاب الآمن. وقد قصد المشرعون من هذه الأحكام منع السلطة التنفيذية من تحويل التحرك العسكري المؤقت إلى حرب طويلة تفرض نفسها على المؤسسة التشريعية أمرًا واقعًا.

غير أن التطبيق العملي للقانون، بحسب الدراسة، أفضى إلى نتيجة أكثر التباسًا، إذ تعاملت إدارات أمريكية متعاقبة مع مهلة الستين يومًا باعتبارها مجالًا يسمح للرئيس باستخدام القوة قبل الحصول على تفويض صريح.

ومع مرور الوقت، تحول القانون الذي وضع لتقييد سلطة الحرب إلى أداة توفر مساحة زمنية لممارستها، خصوصًا عندما يكتفي الكونغرس بالاعتراض السياسي دون قطع التمويل أو تمرير تشريع ملزم. ويصبح هذا الخلل أكثر وضوحًا في الحروب التي تعتمد على الطائرات والصواريخ والقوات البحرية، لأن الإدارة تستطيع مواصلة العمليات دون تعبئة اجتماعية واسعة أو نشر أعداد كبيرة من القوات البرية، بينما يصعب على المشرعين وقف التمويل في ظل استمرار الهجمات على الجنود والسفن الأمريكية.

إعلان

وتضيف الدراسة أن فكرة إعادة تشغيل الساعة بعد هدنة مؤقتة تضيف بعدًا أكثر خطورة، فإذا اعتبر أن التوقف القصير ينهي قانونيًّا جولة الحرب، ثم يمنح الرئيس مهلة جديدة عند استئنافها، يصبح بإمكان البيت الأبيض إدارة نزاع طويل عبر دورات متعاقبة من القتال والتهدئة والإخطار.

وعندئذ يفقد سقف الستين يومًا وظيفته، لأن الإدارة تستطيع تجديد صلاحيتها العملية بمجرد توصيف كل جولة على أنها حالة منفصلة، رغم بقاء القوات والأهداف والخصم والغاية العامة جزءًا من حرب واحدة.

وترى الدراسة أن خطورة هذا الخلاف بالنسبة إلى أمن الخليج تكمن في أن الصراع الدستوري داخل واشنطن يحدد مقدار الاستقرار في الالتزام العسكري الأمريكي. فإذا تمكن الرئيس من بدء العمليات وتوسيعها واستئنافها دون تفويض واضح، أصبحت السياسة الإقليمية مرتبطة بدائرة ضيقة في البيت الأبيض وبالتقدير الشخصي للرئيس، بينما يوفر التفويض التشريعي الأوسع درجة أكبر من الاستمرارية والمساءلة وتحديد الغايات.

ولذلك يحتاج الحلفاء الذين يستضيفون قوات أمريكية إلى معرفة طبيعة الالتزام ومدته، وإلى فهم ما إذا كانت الحرب تمثل سياسة دولة قابلة للاستمرار أم قرارًا تنفيذيًّا يمكن أن يتغير مع تبدل الموقف السياسي أو الانتخابي.

وتشير الدراسة إلى أن الكونغرس أظهر خلال عام 2026 قدرًا من الاعتراض تجاوز الخلاف الحزبي المعتاد، إذ أقر مجلس النواب في يونيو/حزيران قرارًا يوجه الرئيس إلى وقف مشاركة القوات الأمريكية في الحرب ما لم يصدر تفويض أو إعلان حرب، وانضم أربعة جمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت.

ثم أيد مجلس الشيوخ قرارًا مشابهًا بأغلبية ضيقة، بما عكس تزايد القلق من استمرار العمليات دون غاية معلنة أو تفويض تشريعي صريح. كما أدى تجدد القتال بعد هذه القرارات إلى إعادة الخلاف إلى نقطة أكثر حساسية، لأن الإدارة لم تعد تواجه اعتراضًا نظريًّا على صلاحياتها، بل إرادة تشريعية سبق أن عبر عنها المجلسان قبل انتهاء الهدنة. وتضيف الدراسة أن الاعتراض على الحرب أدى أيضًا إلى تعطيل تقدم مشروع قانون الدفاع البالغ حجمه 1.15 تريليون دولار في مجلس الشيوخ، بعدما ربط الديمقراطيون موقفهم بغياب التشاور والإستراتيجية والتفويض.

وتخلص الدراسة إلى أن هذه التحركات لا تعني استعادة الكونغرس السيطرة الكاملة على قرار الحرب، لأن الرئيس ما زال يملك حق النقض، كما يستطيع المشرعون التراجع عند ارتفاع الخسائر الأمريكية أو تصاعد الخطر على الملاحة. و

مع ذلك، فإنها تكشف تغيرًا في البيئة السياسية التي كانت تسمح للرؤساء بتوسيع العمليات الخارجية تحت عناوين حماية القوات أو مكافحة الإرهاب أو الدفاع عن المصالح القومية.

فقد أصبح جزء من الحزب الجمهوري أقل استعدادًا لمنح تفويض مفتوح، مدفوعًا بتكلفة الحرب، وارتفاع الدين العام، وانقسام القاعدة المحافظة حول معنى شعار «أمريكا أولًا».

كما ترى الدراسة أن المناورة الدستورية تؤثر في مصداقية السياسة الأمريكية تجاه إيران، لأن الردع لا يقوم على شدة الضربة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى وضوح الإرادة واستمرار الالتزام.

وعندما تدرك طهران وجود خلاف بين الرئيس والكونغرس حول مشروعية الحرب ومدتها، قد تراهن على إطالة المواجهة حتى تتزايد كلفتها السياسية داخل الولايات المتحدة.

وفي المقابل، قد يدفع شعور البيت الأبيض بضيق الوقت إلى تكثيف العمليات خلال المهلة المتاحة، بما يزيد احتمالات التصعيد قبل أن تنضج فرصة التسوية.

وترى الدراسة أن دول الخليج تجد نفسها أمام نتيجتين متعارضتين؛ فتمكن الكونغرس من ضبط صلاحيات الرئيس قد يقلل الاندفاع نحو حرب مفتوحة ويخفض المخاطر المحيطة بالمنشآت والمدن والممرات البحرية، لكنه قد يضعف أيضًا صورة الردع إذا فُهمت القيود الداخلية على أنها رسالة تسمح لإيران بتجاوز الضغوط عبر إطالة أمد المواجهة.

ولهذا تؤكد الدراسة أن السياسة الأمريكية المتماسكة تقتضي الجمع بين الشرعية الدستورية والحزم الإستراتيجي، من خلال تفويض واضح يحدد الأهداف، والسقف الزمني، وشروط إنهاء العمليات، بدلًا من ترك السياسة تتأرجح بين قرار رئاسي متقلب أو انسحاب يترك التهديدات دون معالجة.

مصدر الصورة الكونغرس وصلاحيات الرئيس أيهما أقوى؟ (غيتي)

الاقتصاد الأمريكي والتحولات داخل الحزب الجمهوري

توضح الدراسة أن الحرب لا تنفصل عن القوة المالية التي تحملها، فالولايات المتحدة تستطيع تمويل عمليات واسعة، وتحريك أساطيل وقاذفات ومنظومات دفاعية، مستفيدة من حجم اقتصادها، ومكانة الدولار، وعمق سوق سندات الخزانة. غير أن هذه الامتيازات تقوم على ثقة المستثمرين في المؤسسات الأمريكية، وعلى قدرة واشنطن على إدارة الأزمات من دون إدخال الاقتصاد العالمي في دورات متكررة من عدم اليقين. وتزداد حساسية الخليج تجاه هذه العلاقة بسبب ارتباط عملات عدد من دوله بالدولار، واعتماد الإيرادات العامة والأسواق والاستثمارات على استقرار الطاقة والسياسة النقدية الأمريكية.

إعلان

وتشير الدراسة إلى أن تقرير الاستقرار المالي الصادر عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مايو/أيار 2026 أظهر أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية أدى إلى زيادة تقلبات أسعار الفائدة، وإلى تدهور أولي في سيولة سوق سندات الخزانة، قبل أن تستعيد السوق جانبًا من استقرارها.

وترى الدراسة أن هذه النتيجة تكشف مرونة النظام المالي الأمريكي، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الصدمات المرتبطة بالحرب تستطيع الوصول إلى السوق التي تمثل مرجع التسعير والضمان في النظام المالي العالمي.

ولهذا تدعو الدراسة إلى التعامل بحذر مع الحديث عن انهيار الثقة في الدولار أو تخلي الحلفاء عن السندات الأمريكية، لأن البيانات المتاحة لا تدعم فكرة الهروب الجماعي من الأصول الأمريكية. فقد أظهرت وزارة الخزانة ارتفاع القيمة الإجمالية للأوراق المالية الأمريكية التي يحتفظ بها المستثمرون الأجانب من 30.881 تريليون دولار في نهاية يونيو/حزيران 2024 إلى 35.349 تريليون دولار في يونيو/حزيران 2025.

كما أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي ارتفاع حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية المعلنة إلى 57.13% خلال الربع الأول من 2026، مقارنة بـ56.42% في الربع السابق، في حين ارتبط تجاوز الذهب لسندات الخزانة من حيث حصته في بعض الاحتياطيات الرسمية بدرجة كبيرة بارتفاع سعر الذهب، وليس بتصفية واسعة للسندات الأمريكية.

وتؤكد الدراسة أن هذه الأرقام تثبت استمرار مركزية الدولار، لكنها لا تلغي مسار التنويع التدريجي الذي تتبعه بنوك مركزية وصناديق سيادية ومستثمرون ومؤسسات.

فالدولار يحتفظ بموقعه بفضل عمق السوق الأمريكية، وقابليتها للتحويل، وغياب بديل يملك الحجم والسيولة نفسيهما، بينما تؤدي الديون الحكومية، وتكرار العقوبات، والتوترات التجارية، والحروب، إلى رفع الحوافز التي تدفع الدول إلى توزيع المخاطر على الذهب وعملات وأصول أخرى.

ومن هنا، يظهر أثر الارتجال السياسي بصورة تراكمية أكثر من ظهوره في انهيار فوري، لأن كل قرار مفاجئ يستهلك جزءًا من الرصيد المؤسسي الذي يمنح الأصول الأمريكية جاذبيتها.

وتطبق الدراسة هذا المعنى على مقترح فرض رسوم على البضائع العابرة من مضيق هرمز ثم التراجع عنه. فمكانة الدولار لم تتغير خلال يوم، لكن الواقعة قدمت مثالًا جديدًا على استخدام قضايا تمس التجارة العالمية في خطاب سريع لا تسبقه بنية قانونية أو تفاوضية معلنة. ومع تكرار هذا السلوك ترتفع المخاطر السياسية، لأن المستثمر، وشركة الملاحة، والحكومة الحليفة، يصبحون مضطرين إلى احتساب احتمال صدور قرار مفاجئ ثم تعديله أو إلغائه.

وتضيف الدراسة أن أثر الحرب على دول الخليج يتضاعف عبر أسعار الطاقة، وأسواق الأسهم، والسياسة النقدية. فقد أدت عودة الضربات إلى ارتفاع أسعار النفط، كما انعكس التصعيد على أداء عدد من أسواق المنطقة، وتراجعت شهية المخاطرة. وتظل زيادة أسعار النفط قادرة على رفع الإيرادات خلال فترة قصيرة، لكنها تأتي مصحوبة بكلفة أعلى للتأمين والشحن، واضطراب في سلاسل الإمداد، وضغوط على المنشآت والاستثمارات، فضلًا عن احتمال ارتفاع التضخم العالمي وتشدد السياسة النقدية الأمريكية.

مصدر الصورة لا تزال مكانة الدولار كما هي (رويترز)

تحولات الحزب الجمهوري ومستقبل التدخل الأمريكي

تنتقل الدراسة إلى التحولات الجارية داخل بنية القرار الجمهوري، وترى أن لها أثرًا مباشرًا على السياسة الخارجية. فقد أدى رحيل السيناتور ليندسي غراهام في يوليو/تموز 2026 إلى غياب أحد أبرز المدافعين عن الاستخدام الواسع للقوة الأمريكية والتحالفات التقليدية داخل مجلس الشيوخ. وكان غراهام يجمع بين قربه من ترمب وتمسكه بسياسة خارجية تدخلية، وهو ما منحه قدرة على تقريب الرئيس من المؤسسة الجمهورية التقليدية في ملفات إيران وأوكرانيا والإنفاق الدفاعي.

وتزامن غياب غراهام مع استمرار ابتعاد ميتش ماكونيل عن مجلس الشيوخ بسبب وضعه الصحي، وهو ما خفض الأغلبية الجمهورية الفعلية، وأضعف حضور جيل ارتبط بتوسيع الالتزامات الأمريكية الدولية. وقد عُينت دارلين غراهام نوردون، شقيقة السيناتور الراحل، بصورة مؤقتة لإكمال المدة المتبقية من ولايته، لكن شغل المقعد لا ينقل تلقائيًّا النفوذ الذي بناه غراهام عبر الأقدمية، واللجان، والعلاقات داخل الحزب والإدارة.

وترى الدراسة أن هذا الفراغ يفتح المجال أمام إعادة تعريف موقف الحزب الجمهوري من الحرب. فالجمهوريون التقليديون ينظرون إلى إيران بوصفها اختبارًا للهيبة الأمريكية، وحرية الملاحة، ومصداقية التحالفات، بينما ترى تيارات «أمريكا أولًا» أن التدخل الطويل يعيد إنتاج حروب الشرق الأوسط التي استنزفت الولايات المتحدة ماليًّا وسياسيًّا. أما النزعة التحررية داخل الحزب فتربط رفض الحرب بالحد من السلطة التنفيذية، والإنفاق، والدين العام، وتطالب بإعادة قرار استخدام القوة إلى الكونغرس.

وتوضح الدراسة أن هذه التيارات لا تسير في خطوط منفصلة، لأن القاعدة الترامبية قد تؤيد الرئيس حين يوسع الضربات، ثم تعبر في الوقت نفسه عن رفضها للحروب المفتوحة. وقد ساعد غراهام في إدارة هذا التناقض من خلال تقديم القوة العسكرية بوصفها أداة تخدم شعار «أمريكا أولًا» عبر الردع السريع، لكن غيابه يجعل التوتر أكثر ظهورًا بين الرئاسة والتيارات التي ترفض الالتزامات الطويلة.

وتربط الدراسة هذا التحول بتصاعد المطالب بالشفافية تجاه المؤسسات الأمنية والقضائية، ومن بينها الجدل حول الملفات المتعلقة بجيفري إبستين. فقد تحولت هذه القضية لدى أجزاء من القاعدة المحافظة إلى رمز للشك في النخب وأجهزة الدولة، وتجاوزت نطاقها الجنائي إلى سؤال عن قدرة المؤسسات على إخفاء المعلومات وحماية أصحاب النفوذ. ويغذي هذا المزاج الشك في المبررات الحكومية للحروب، لأن المجتمع الذي يشك في شفافية الدولة داخليًّا يصبح أقل استعدادًا لقبول تقديراتها الخارجية من دون رقابة.

وترى الدراسة أن هذه التحولات تنعكس على العلاقات مع الولايات المتحدة بطريقة مركبة. فصعود التيار المتحفظ على التدخل قد يقلل احتمالات اندفاع واشنطن نحو حرب برية أو احتلال طويل، لكنه قد يرفع أيضًا الشكوك حول استمرارية الالتزامات الأمنية عندما ترتفع الكلفة.

وفي المقابل، يضمن نفوذ الصقور استمرار الردع العسكري، مع ما يحمله ذلك من مخاطر اتساع المواجهة ووصول الرد إلى أراضي الحلفاء. ولذلك، تحتاج المنطقة إلى علاقة مع الولايات المتحدة تتجاوز الارتباط بتيار حزبي أو شخصية رئاسية، وتستند إلى مصالح مؤسسية، واتفاقات واضحة، وقدرات دفاعية مشتركة قادرة على الصمود أمام التحولات السياسية الأمريكية.

مصدر الصورة الجمهوريون التقليدون ينظرون لإيران على أنها اختبارًا للهيبة الأمريكية (غيتي)

الخاتمة

تخلص الدراسة إلى أن الحرب مع إيران كشفت أن التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة لا يرتبط بحجم القوة المتاحة بقدر ارتباطه بطريقة تحويلها إلى استقرار. فقد أثبتت واشنطن قدرتها على ضرب المواقع الإيرانية، وحماية أجزاء من المجال البحري، وتحريك منظوماتها العسكرية بسرعة، بينما بقيت النتيجة السياسية غامضة، واستمرت إيران في استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة وشن الهجمات البحرية، كما اتسعت دائرة الخطر لتصل إلى القواعد والمنشآت المدنية في دول المنطقة.

وتعني هذه النتيجة، بحسب الدراسة، أن حماية الخليج تحتاج إلى إستراتيجية تتجاوز تبادل الضربات، لأن الأمن الإقليمي لا يتحقق بمجرد إضعاف إيران عسكريًّا، وإنما يتطلب منع انتقال الرد إلى الدول المجاورة، وحماية منشآت الطاقة والمياه والموانئ والمطارات، وتطوير دفاع جوي وبحري مشترك، وفتح مسار سياسي يضع قواعد قابلة للتنفيذ للملاحة وعدم استهداف الأراضي والمنشآت المدنية.

كما أظهرت الأزمة أن الخلاف الدستوري الأمريكي ليس شأنًا داخليًّا معزولًا، لأن طريقة توزيع سلطة الحرب بين الرئيس والكونغرس تحدد استمرارية الالتزام الأمريكي، وتؤثر في حسابات الخصوم والحلفاء معًا. فالقرار الرئاسي السريع يمنح واشنطن مرونة عملياتية واسعة، لكن غياب التفويض الواضح يجعل السياسة قابلة للتغير، ويضعف قدرتها على حمل التزامات طويلة، في حين تمنح المشاركة التشريعية الحرب شرعية واستمرارية أكبر، شريطة أن تقترن بأهداف محددة ومسار للخروج.

وتؤكد الدراسة أن الاقتصاد الأمريكي يظل أكثر متانة مما توحي به القراءات التي تتحدث عن انهيار وشيك للدولار، فقد استمرت الحيازات الأجنبية للأصول الأمريكية، وبقيت العملة في مركز الاحتياطيات العالمية. ومع ذلك، تقوم هذه القوة على ثقة تراكمت بفعل المؤسسات واستقرار القواعد، ويمكن للقرارات المتقلبة أن تستنزفها تدريجيًّا. وكلما امتزجت إدارة الحرب بسياسة الرسوم والإعلانات المفاجئة، ارتفعت كلفة عدم اليقين على الملاحة والطاقة والأسواق.

وفي المحصلة، ترى الدراسة أن العلاقات مع الولايات المتحدة تدخل طورًا جديدًا يحتاج إلى قدر أكبر من التوازن. فواشنطن تبقى شريكًا أمنيًّا مركزيًّا، وتظل قدراتها ضرورية لحماية الممرات البحرية، وردع الهجمات، وتطوير المنظومات الدفاعية، بينما تفرض تقلبات السياسة الأمريكية بناء قدرة إقليمية أوسع على إدارة الأزمات، وتقليل الاعتماد على قرار يصدر من مركز واحد.

وتخلص الدراسة إلى أن الشراكة الأكثر استدامة هي التي تجمع بين الالتزام الأمريكي والقدرة الذاتية الخليجية المتنامية، وتحول التحالف من استجابة متأخرة عند اندلاع الحرب إلى بنية مؤسسية تمنع اتساعها، وتحمي المنطقة من أن تصبح الساحة التي تختبر فيها حدود القوة الأمريكية والإيرانية معًا.

الدراسة كاملة (اضغط هنا)

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا