أظهر تحليل أجرته الجزيرة، استنادا إلى صور أقمار صناعية وبيانات من مصادر مفتوحة، أن البنية التحتية الروسية للطاقة تعرضت لأكثر من 30 هجوما أوكرانيا خلال يونيو/حزيران الماضي والنصف الأول من يوليو/تموز الجاري.
وخلال شهر ونصف، واصلت القوات الأوكرانية إستراتيجيتها الرامية إلى شل الإمدادات، عبر تنفيذ ضربات مكثفة ومباشرة استهدفت منشآت الطاقة داخل روسيا.
وتكشف البيانات والأدلة البصرية عن توسع غير مسبوق في بنك الأهداف الأوكراني، واختراق نوعي للعمق الإستراتيجي الروسي، إذ أصابت الضربات أهدافًا تبعد ما بين 1100 و2500 كيلومتر عن الحدود الأوكرانية، وشملت كبرى مصافي تكرير النفط، ومحطات ضخ النفط الخام، وموانئ تصدير حيوية على ثلاث واجهات بحرية رئيسية.
وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة أعدت خريطة تسلط الضوء على توزيع الضربات الأوكرانية للبنية التحتية الروسية للطاقة خلال فترة ما بين 1 يونيو و14 يوليو الجاري، استنادا إلى مقاطع فيديو وصور أقمار صناعية وبيانات حكومية مفتوحة المصدر.
شهد يونيو/حزيران الماضي ضربات منسقة ركزت بالدرجة الأولى على تجفيف منابع النفط الموجهة للتصدير أو المخصصة لدعم القطاعات العسكرية الروسية في القرم ومحاور الجنوب.
تحول إقليم كراسنودار الحيوي إلى مربع مشتعل بالحرائق، إذ وثقت صور أقمار صناعية آثار استهداف مصفاة إيلسكي، ومستودع أوست-لابينسك الذي يضم 28 خزان وقود، ومستودع بلدة ستانيتسا بولتافسكاي المرتبط بشركة لوك أويل، كما استهدفت مصفاة أفيبسكي، التي تُعدّ كبرى مصافي الجنوب وتبلغ طاقتها 6.25 ملايين طن سنويا.
وقد أحدثت الاستهدافات الأوكرانية شللا في مجمعات نقل الهيدروكربون، ففي 13 يونيو/حزيران عاودت المسيّرات ضرب مجمع "تامانيفتيغاز" الضخم لنقل الهيدروكربونات المسالة في كراسنودار، بالتزامن مع استهداف البنية التحتية لنقل النفط في ميناء تيمريوك وميناء كافكاز الإستراتيجي الذي يربط روسيا بالقرم.
وامتدت النيران إلى مقاطعة فولغوغراد، حيث دمرت الهجمات في 8 يونيو/حزيران خزان وقود عملاقا يسع 50 ألف متر مكعب في محطة كراسني يار، وتلا ذلك تدمير خزانين في محطة إفيموفكا المركزية منتصف الشهر.
أما العاصمة الروسية، فقد تعرضت فيها مصفاة موسكو لضربات متقاربة أصابت خزاناتها الرئيسية في منتصف يونيو/حزيران، مما أجبرها على وقف العمل مدة 6 أشهر على الأقل، بحسب مصادر في قطاع النفط لوكالة رويترز.
وأظهرت المقارنة البصرية لصور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركة "بلانت" الأمريكية، الدمار الذي لحق بمصفاة موسكو النفطية التي تعد أحد الأهداف الحيوية للبنية التحتية للطاقة في محيط العاصمة الروسية.
وتكشف الصور الفضائية الملتقطة بتاريخ 20 يونيو/حزيران الماضي، عن تأثر منشآت طاقة محددة، ويَظهر تفحم وأضرار واضحة في عدد من خزانات الوقود الواقعة في الجزء الشرقي من المجمع.
كما اخترقت المسيّرات الأوكرانية مسافة 1100 كيلومتر لتضرب محطة سانت بطرسبرغ النفطية على خليج فنلندا بالبلطيق في مطلع يونيو/حزيران بالتزامن مع منتدى اقتصادي تحتضنه المدينة، وتمددت جغرافيًّا إلى محطتي ضخ النفط "فتوروفو" و"لوبكوفو" في فلاديمير، ومحطة كويبيشيف في سامارا، وصولًا إلى مصفاة تيومين بسيبيريا في 20 يونيو/حزيران وبعدها مجمع أورينبورغ لمعالجة الغاز.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن طائرات مسيّرة أوكرانية قصفت مصفاة نفط في منطقة تيومين الروسية في غرب سيبيريا على بعد أكثر من ألفي كيلومتر من أوكرانيا.
وأضاف زيلينسكي في بيان آنذاك أن أوكرانيا طورت طائرات مسيّرة بعيدة المدى لتصبح قادرة على إصابة أهداف على بعد أكثر من 3 آلاف كيلومتر.
مع حلول يوليو/تموز، انتقل الجيش الأوكراني وجهاز الأمن إلى استهداف المرافق الأكثر عمقا وتأثيرا في سلاسل إمداد الطاقة الروسية، حيث تلقت الصناعة النفطية الروسية ضربة قوية في 6 يوليو/تموز الجاري باستهداف مصفاة أومسك الواقعة على بعد نحو 2500 كيلومتر من الحدود الأوكرانية، وهي المنتج الأكبر للبنزين في البلاد، وتسبب الهجوم في إلحاق أضرار بوحدات معالجة رئيسية أوقفت عملياتها التشغيلية.
وتظهر مقارنة صور الأقمار الصناعية الملتقطة قبل الهجوم وبعده آثار احتراق في أحد قطاعات المصفاة الواقعة بمدينة أومسك في جنوب غرب سيبيريا.
في 8 يوليو/تموز، أصابت الضربات محطة "تشيركاسي" للإنتاج والتوزيع الخطي في جمهورية باشكورتوستان، أحد المفاصل الحيوية لشبكة "ترانسنفت-أورال".
وأوضح جهاز الأمن الأوكراني أن تعطيل هذه المنشأة يعقد العمليات اللوجستية لإمداد الوقود للمجمع الصناعي العسكري الروسي.
وفي تزامن متسلسل خلال الليلة ذاتها، امتدت الاستهدافات لتضرب مجمع مصفاة "تانيكو" ومصفاة "الطايف-إن كيه" بمدينة نيجنكامسك في جمهورية تتارستان.
وبحسب بيان لقوات العمليات الخاصة الأوكرانية، فإن الهجوم أصاب منشآت إستراتيجية ضخمة، إذ تعد "تانيكو" من أحدث المصافي الروسية بعمق تكرير يبلغ 99%، بينما تبلغ قدرة "الطايف-إن كيه" نحو 8.5 ملايين طن سنويا، وأكد البيان استمرار فرض ما وصفه بـ"العقوبات البعيدة المدى" لضرب عصب صناعة النفط الروسية.
وضمن هذه الموجة المتصاعدة، شمل بنك الأهداف الأوكرانية قصف مصفاة النفط في نيجني نوفغورود ومحطة ضخ النفط "ستاروليكيفو" في كستوفو، وتجديد استهداف محطة سانت بطرسبرغ في الرابع من يوليو/تموز الجاري.
وامتدت الضربات لاحقاً لتطال مصفاة "سيزران" النفطية في منطقة سامارا، والتي أظهرت مشاهد ميدانية متداولة اشتعال النيران فيها إثر هجوم جوي مباشر.
كما شهدت الأيام القليلة الماضية تصعيدا في استهداف البنية التحتية النفطية الروسية، ففي 10 يوليو/تموز، تعرضت محطة النفط في ميناء تاغانروغ البحري بإقليم روستوف لهجوم أسفر عن تدمير أحد خزانات النفط وتفحم في محيط بقية الخزانات، وحدوث تسرب نفطي في مياه بحر آزوف المطل على المنشأة، وفق ما كشفته مقارنة صور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركة "بلانت" يومي 7 و11 يوليو/تموز الجاري.
وتتقاطع هذه التوثيقات الفضائية مع بيان رسمي أصدره حاكم إقليم روستوف، يوري سليوسار، عبر قناته على تليغرام، أكد فيه تعرض المنطقة لهجوم جوي واسع تم خلاله اعتراض عشرات الطائرات المسيرة.
وتزامن ذلك مع هجمات جديدة بطائرات مسيّرة ضربت مصفاة "إيلسكي" في إقليم كراسنودار، في سياق حملة مستمرة لتعميق الخسائر في قطاع التكرير الروسي الجنوبي.
ولم تقتصر الضربات على المنشآت النفطية، ففي 9 يوليو/تموز قُصفت محطة "كراسنودارسكايا" للضغط التابعة لشركة "غازبروم"، المغذية لخط أنابيب "بلو ستريم".
كما امتدت النيران إلى غرب روسيا، حيث اندلعت حرائق ضخمة في خزانات الوقود بمستودع "كراسنايا زاريا" الإستراتيجي ومستودع "تفيرنيفتيبرودكت" الملاصق له في مدينة تفير.
وفي تطور لاحق يؤكد استمرار هذا الضغط المكثف على قطاع التكرير، أعلنت أجهزة الطوارئ الروسية، الثلاثاء 14 يوليو/تموز، اندلاع حريق جديد في مصفاة "أفيبسكي" للنفط في منطقة كراسنودار جراء هجوم بطائرات مسيّرة أوكرانية هاجمت المنشأة مجددا.
وبدأ الجيش الأوكراني قبل عدة أشهر حملة من الضربات المتوسطة والبعيدة المدى لأهداف روسية، مع التركيز بشكل أساسي على قطاع النفط بهدف عرقلة قدرة موسكو على تمويل الحرب ومنعها من الاستفادة من أزمة الطاقة العالمية التي سببتها اضطرابات المرور عبر مضيق هرمز.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة