آخر الأخبار

لعبة حافة الهاوية في هرمز.. هكذا تدير أمريكا العبور الخفي للسفن

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عادت أزمة مضيق هرمز إلى الواجهة هذا الأسبوع، بعدما انهار الهدوء النسبي الذي أعقب التفاهم المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، وتجددت الهجمات على السفن التجارية والضربات العسكرية المتبادلة، لتعود المخاوف من اضطراب أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

لكن التطورات الأخيرة كشفت أيضا أن الصراع تجاوز مرحلة الحديث عن إغلاق المضيق أو إبقائه مفتوحا، إلى واقع جديد يقوم على "إدارة الأزمة" بدلا من إنهائها.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الصحافة الصينية: رحيل مهندس نهضة قطر الحديثة
* list 2 of 2 حرب الأجنحة الخفية في معسكر ترمب.. بين فانس الانعزالي ولوبيات إسرائيل الرقمية end of list

وفي 4 تقارير متقاطعة، كشفت كل من مجلة نيوزويك الأمريكية، وصحيفة إندبندنت البريطانية، ومقالان نشرتهما صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية وصحيفة تايمز البريطانية، كيف طورت واشنطن نظاما موازيا لعبور السفن بصورة "خفية" لتقليل مخاطر استهدافها.

ويركز النقاش من جهة أخرى على سؤال مركزي: هل تمثل هذه الآلية حلا مؤقتا أم أنها تمهد لصراع طويل الأمد؟ ويستعرض هذا التقرير زوايا الإجابة في 4 محاور.

مصدر الصورة سفينة شحن راسية قرب مضيق هرمز قبالة الساحل الشرقي للإمارات في مدينة خورفكان 12 يوليو/تموز 2026 (الفرنسية)

أولا: نظام العبور الخفي

بدلا من استعادة الملاحة الطبيعية، باتت السفن التجارية تعبر المضيق في كثير من الأحيان وهي "صامتة" إلكترونيا، ضمن ترتيبات أمنية تشرف عليها القوات الأمريكية والبريطانية، بحسب نيوزويك.

ويشار إلى نمط العبور هذا بالعبور "المظلم"، حيث تطفئ السفن التجارية نظام التعريف التلقائي الذي يبث هويتها وموقعها وسرعتها واتجاهها إلى السفن الأخرى ومحطات المراقبة، مع الالتزام بإبلاغ القوات الأمريكية والبريطانية بمواقعها كل ساعتين.

وترى المجلة أن هذا النمط من العبور قد يحول الأزمة إلى "حرب دائمة منخفضة الحدة"، إذ يسمح باستمرار تدفق جزء من التجارة والنفط، ويخفض تكلفة الحرب الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه يرسخ الحاجة إلى وجود عسكري أمريكي طويل الأمد في المنطقة، دون أن ينجح في إزالة التهديد الإيراني.

إعلان

ويستشهد التقرير ببيانات شركة كيبلر للملاحة، التي أظهرت أن السفن الست التي عبرت المضيق الأحد الماضي كانت جميعها تعبر وأجهزة التتبع لديها مغلقة.

وتفرض الإرشادات الأمنية الجديدة على أطقم السفن الاستعداد للتشويش على إشارات الملاحة بالأقمار الصناعية أو التلاعب بها، واستخدام الخرائط الورقية والرادارات التقليدية لتحديد المواقع، مع نشر مراقبين إضافيين على متن السفينة، والاستعداد لتولي القيادة اليدوية إذا استدعت الظروف، إضافة إلى تأجيل الدخول إلى المضيق إذا ازدحم المجال البحري بعدد كبير من الأهداف المرصودة.

مصدر الصورة نموذج رمزي لصاروخ إيراني بطهران، إيران، 12 يوليو/تموز 2026 (رويترز)

ثانيا: هل يمهد نظام العبور لحرب طويلة؟

ترى نيوزويك أن هذه الإجراءات تمثل "حلا وسطا"، فهي ليست عديمة الجدوى حتى يتم التخلي عنها، وليست كافية لإعادة الملاحة الطبيعية، مما يجعل استمرارها لوقت أطول احتمالا قائما، وقد يؤدي تدريجيا إلى اعتياد شركات الشحن وأسواق التأمين على ظروف الحرب باعتبارها الوضع الطبيعي الجديد.

وبحسب التقرير، تعتمد واشنطن أيضا على منظومة تواصل غير معلنة مع السفن التجارية، إذ تطلب منها التنسيق المسبق مع خلايا التوجيه التابعة للبحرية الأمريكية، والالتزام الفوري بتعليمات القوات الأمريكية، بل وحتى تجاهل أي نداءات لاسلكية صادرة عن القوات الإيرانية، لأن الرد عليها قد يساعد طهران في تحديد مواقع السفن واستهدافها.

وفي المقابل، تؤكد إيران أنها ما زالت تمتلك القدرة على التأثير في الملاحة حتى دون إغلاق المضيق بالكامل.

فبحسب التقرير، يكفي استخدام طائرات مسيّرة أو تهديدات عبر أجهزة اللاسلكي أو إشاعات عن ألغام بحرية أو التشويش على أنظمة الملاحة، لإبقاء العبور محفوفا بالمخاطر ورفع تكاليف التأمين وإجبار السفن على الاعتماد بصورة أكبر على الحماية الأمريكية.

مصدر الصورة قال خبير لإندبندنت إن الضربات الجوية الأمريكية على إيران لن تحل الأزمة وإن التدخل البري ضروري (رويترز)

ثالثا: هل هناك حلول أخرى؟

وفي ظل هذا الجمود النسبي، يرى خبراء عسكريون -وفق ما نقلته إندبندنت- أن إعادة مضيق هرمز إلى وضعه الطبيعي قبل الحرب تبدو أكثر صعوبة مما تعلنه الإدارة الأمريكية، وأن الضربات الجوية والبحرية الحالية لن تكون كافية لإزالة التهديد الإيراني.

ويقول جيسون كامبل، الباحث في معهد الشرق الأوسط والمسؤول السابق في البنتاغون، إن إيران أمضت عقودا في التحضير لهذا النوع من الحروب غير المتكافئة، عبر توزيع مخازن الأسلحة ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة على مواقع متعددة، ومنح وحداتها الميدانية هامشا واسعا للعمل دون انتظار أوامر مباشرة من القيادة المركزية.

خيار الحل العسكري

ويرى كامبل أن القضاء الكامل على القدرات الإيرانية سيتطلب -في نهاية المطاف- وجود قوات برية أمريكية بأعداد قد تصل إلى عشرات الآلاف، ليس فقط لتدمير منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما أيضا لتأمين مئات الكيلومترات من السواحل الإيرانية والمناطق الداخلية، وهو سيناريو يحمل مخاطر كبيرة واحتمالات مرتفعة لخسائر بشرية.

ويؤكد خبراء أن إيران لا تحتاج إلى تعطيل الملاحة بالكامل لتحقيق أهدافها العسكرية، فمجرد استمرار التهديدات أو توجيه رسائل عبر أجهزة الاتصال البحرية، أو تنفيذ هجوم محدود بين حين وآخر، يكفي لرفع تكاليف الشحن والتأمين وإبقاء شركات الملاحة في حالة تردد دائم.

إعلان

خيار مرافقة السفن

ويطرح مايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن، خيارا مختلفا هو مرافقة سفن حربية أمريكية للسفن التجارية، على غرار ما حدث خلال "حرب الناقلات" في ثمانينيات القرن الماضي.

وحرب الناقلات هي مرحلة من الحرب العراقية الإيرانية، امتدت بين 1984 و1988، وشهدت استهدافا متبادلا لناقلات النفط والسفن التجارية في الخليج العربي، بهدف إلحاق الضرر باقتصاد الخصم والضغط على داعميه.

ولكن ينوه آيزنشتات بأن هذا الخيار يواجه تحديات لوجستية، أولا، الأسطول الأمريكي اليوم أصغر مما كان عليه في عقد الثمانين، وتخصيص جزء كبير منه لحماية المضيق ينهك القدرات البحرية الأمريكية في مناطق أخرى.

وثانيا، تنطوي العملية على مخاطر عالية، فأي عملية مرافقة أو حماية تجعل السفن الحربية الأمريكية نفسها هدفا سهلا لصواريخ ومسيرات إيران، مما يرفع احتمال سقوط قتلى أمريكيين، وهو "خط أحمر" يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجنبه.

مصدر الصورة إيرانيون يرفعون شعارات مناهضة للرئيس ترمب خلال مشاركتهم في مراسم دفن المرشد الأعلى علي خامنئي (غيتي)

رابعا: ماذا عن الأفق الدبلوماسي؟

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تخلص قراءتان من كاتب العمود بصحيفة وول ستريت جورنال والتر راسل ميد، ووزير الخارجية البريطاني الأسبق ويليام هيغ، إلى أن إمكانية التوصل إلى تسوية دائمة في المدى القريب قد تبددت.

وبينما يفسر ميد ذلك بأن الصراع صدام إستراتيجي حتمي تفرضه حقائق الجغرافيا والمصالح، يذهب هيغ إلى أن الأزمة الحالية هي نتاج مباشر للأخطاء الدبلوماسية وسوء الإدارة في البيت الأبيض

صراع لا يمكن كبحه

ويرى ميد أن الأزمة أصبحت صراعا "لا يمكن كبحه أو وقفه"، وأن الأزمة وصلت إلى صدام إستراتيجي وجودي، إذ وصل الطرفان إلى قناعة بأن تكلفة التراجع أو التسوية أصبحت أخطر من تكلفة الحرب.

ويفسر الكاتب وجهة نظره عبر ثلاثة أسباب رئيسية: أولا: إنه لا يوجد حل وسط يرضي الطرفين، فبالنسبة لإيران تعد مواجهة أمريكا والسيطرة على مضيق هرمز وسيلة لضمان بقاء الحكومة، وبدورها ترى أمريكا أنه لا يمكن ترك أمن الطاقة العالمي بيد "نظام معاد".

والسبب الثاني هو أن الصراع يغذي نفسه، فكل ضربة أمريكية تزيد من غضب المتشددين في الحكومة الإيرانية، وكل رد إيراني -عبر وكلاء إيران في المنطقة أو تهديد الملاحة- يفرض ردا أمريكيا أقوى، وهذا "التصعيد المتبادل" يجعل احتواء الصراع ومنعه من الانفجار أمرا مستحيلا دبلوماسيا.

مصدر الصورة ترمب ملوم لموافقته على اتفاق يعطي إيران السيطرة على المضيق، وفق ويليام هيغ (أسوشيتد برس)

وأخيرا، يرى الكاتب أن حسابات الربح والخسارة لدى الطرفين تؤجج النزاع، في إيران، يعتقد المتشددون أن قدرتهم على تعطيل الملاحة وتحدي واشنطن يعزز شرعيتهم الداخلية، وبدوره يبدو ترمب أكثر استعدادا للمخاطرة مما يتوقع الإيرانيون، خاصة مع ضعف حلفاء إيران روسيا والصين، وتزايد عزلة النظام الإيراني إقليميا بسبب هجماته على جيرانه في الخليج.

ووسط هذا الجمود -يتابع المقال- يبدو أنه لا توجد قوى إقليمية وسيطة قوية بما يكفي لفرض التهدئة، ولا يوجد طرف لديه القدرة أو الرغبة في تقديم "تنازلات مؤلمة" تنهي الأزمة، مما يعني أن كلا من ترمب وإيران يعتقدان أن القتال هو الخيار الوحيد المتبقي لهما.

السبب "سذاجة" أمريكا

بدوره يرى هيغ أن اتفاق "مذكرة التفاهم" بين أمريكا وإيران اتسم بسذاجة مفرطة، حيث قدمت واشنطن تنازلات ضخمة -مثل الدعم الاقتصادي بـ 300 مليار دولار- لحكومة كان ترمب يسعى لتدميرها قبل أسابيع فقط.

ويجادل هيغ بأن صياغة الاتفاق كانت كارثية، فبينما ظن ترمب أن إيران ستفتح المضيق، أعطت الصياغة القانونية لإيران "حق إدارة" المضيق، وهو ما جعلها تستخدم ذلك كأداة ضغط وشرعنة لممارساتها الحالية في إطلاق النار على السفن.

إعلان

ويؤكد هيغ أن العالم -وخاصة طهران وبكين- لاحظ أن ترمب سيختار دائما التراجع والانسحاب بدلا من التصعيد العسكري عند مواجهة أزمات اقتصادية أو مخاطر خسارة أرواح أمريكية، مما أفقد الولايات المتحدة هيبتها.

ويتوقع هيغ أربع نتائج خطيرة لهذا الفشل، منها استمرار النزاع، ويمكن تلخيص النقاط وفق الآتي:


* صعوبة التوصل لاتفاق نهائي لأن الحكومة الإيرانية ستظل متمسكة بحقها في إدارة المضيق ولن تتنازل عنه.
* تغير خارطة الطاقة، إذ سيسارع العالم إلى البحث عن بدائل ومسارات بعيدة عن مضيق هرمز. تفكك التحالفات الأمريكية بعد تضرر ثقة الحلفاء في التزام واشنطن بأمنهم، مما سيدفعهم للبحث عن تحالفات بديلة.
* تغيير حسابات الصين، إذ يرى هيغ أن ما حدث قد شجّع بكين على إعادة التفكير في ملف تايوان، حيث أصبحوا أكثر قناعة بأن ترمب قد يضحي بالمصالح الإستراتيجية لتجنب "كارثة اقتصادية" أو خسائر بشرية.

وبذلك، يبدو أن مضيق هرمز دخل مرحلة جديدة، إذ لا يمكن القول بأنه مفتوح بالكامل ولا مغلق بالكامل، فالسفن لا تزال تعبر، لكن ضمن ترتيبات استثنائية وحماية عسكرية مكثفة ومخاطر مرتفعة، بينما يستمر الصراع في فرض "وضع طبيعي جديد" قد يطيل أمد المواجهة بين واشنطن وطهران دون حسم واضح لأي من الطرفين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا