في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تتابع وسائل الإعلام الصينية تطورات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران بوصفه اختبارا جديدا لتوازنات النظام الدولي، حيث تنظر بكين إلى الصراع من زاوية مركبة تجمع بين أمن الطاقة، واستقرار الممرات البحرية، والحفاظ على موقعها في نظام متعدد الأقطاب.
ويعكس الخطاب الصيني الرسمي ميلا ثابتا نحو التهدئة والدعوة للحلول الدبلوماسية، بينما ترى القراءة الأوسع في الأزمة فرصة لفهم تحولات موازين القوى العالمية.
تشير صحيفة هوان تشيو الصينية إلى أن الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت أكثر من 80 موقعا داخل إيران تمثل تصعيدا غير مسبوق منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الطرفين، إذ نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن العملية كانت أكبر بخمسة أضعاف من الضربات السابقة.
كما لفتت الصحيفة إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صرّح بأن مذكرة التفاهم "قد انتهت"، في مؤشر واضح على هشاشة الترتيبات السابقة، وفي المقابل، اعتبرت طهران الخطوات الأمريكية انتهاكا جوهريا للاتفاق، وردت عبر الحرس الثوري باستهداف 85 موقعا أمريكيا في دول الجوار الخليجي.
هذا التصعيد المتبادل -بحسب الصحيفة- يعد الأخطر منذ بدء التفاوض، ويهدد بإعادة الصراع إلى نقطة الصفر، خصوصا لتزامنه مع تعليق المفاوضات.
الصين خففت من حساسيتها للصدمات النفطية عبر تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في البدائل، مما يمنحها هامشا أوسع للتحرك السياسي دون ضغط اقتصادي مباشر
تعكس تغطية صحيفة الشعب اليومية حال الأسواق النفطية التي كانت أول المتأثرين، حيث ارتفع خام برنت إلى نحو 78 دولارا للبرميل عقب الضربات، إلا أن التحليل يشير إلى أن هذا الارتفاع تحكمه عوامل قصيرة الأجل مرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية، مقابل ضغوط هيكلية معاكسة.
وتوضح الصحيفة أن زيادة إنتاج " أوبك+" واستمرار نمو الإنتاج من خارجها، إلى جانب ضعف الطلب العالمي، قد تدفع السوق نحو فائض محتمل.
كما نقلت عن تقارير مثل (غولدمان ساكس) أن تأثير المخاطر الجيوسياسية قد يتلاشى تدريجيا أمام واقع العرض المرتفع، ويبرز هذا التباين أن أزمة هرمز -رغم حساسيتها- لم تعد العامل الوحيد المحدد للأسعار.
في هذا السياق، نقلت صحيفة تشاينا ديلي موقف بكين الداعي إلى التهدئة، حيث شددت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ على أن "التصعيد العسكري لا يخدم أي طرف"، داعية إلى الالتزام بمذكرة التفاهم والعودة إلى الحوار.
لكن القراءة الأعمق للموقف الصيني تتجاوز الخطاب الدبلوماسي، إذ تشير التحليلات إلى أن الصين خففت من حساسيتها للصدمات النفطية عبر تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في البدائل، مما يمنحها هامشا أوسع للتحرك السياسي دون ضغط اقتصادي مباشر.
وهذا ما ييفسر -وفق تحليل نشرته صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست – غياب القلق الاقتصادي الحاد في الموقف الصيني رغم خطورة التصعيد.
التباين في ردود أفعال الدول الأعضاء لا يعني الفشل في تنسيق المواقف، بل تعبير عن جوهر مجموعة البريكس المرن، وهو ما يعد سمة مميزة للتعددية القطبية المعاصرة
يرى تحليل ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الحرب على إيران شكلت اختبارا حقيقيا لمجموعة " بريكس+"، لكنها كشفت في الوقت ذاته طبيعته غير التحالفية.
فالدول الأعضاء لم تتبنّ موقفا موحدا، إذ أدانت الصين وروسيا وجنوب أفريقيا الهجمات على إيران، بينما دعت دول أخرى مثل الهند وإندونيسيا إلى التهدئة أو اتخذت مواقف أقرب إلى حساباتها الإقليمية.
ويشير التحليل إلى أن هذا التباين لا يعني فشل الأعضاء في تنسيق المواقف بقدر ما يعبّر عن جوهر التكتل كمنصة مرنة تسمح للدول بالحفاظ على استقلاليتها، وهو ما يعد سمة مميزة للتعددية القطبية المعاصرة.
وفي هذا الإطار، تفهم مقاربة الصين للأزمة كجزء من إستراتيجية أوسع تقوم على "المرونة المؤسسية" وتعدد الشراكات، بدلا من الانخراط في محاور صلبة على غرار التحالفات التقليدية.
تظهر المعالجات الصحفية الصينية أن بكين تقرأ التصعيد الأمريكي الإيراني من خلال ثلاث أولويات رئيسية:
ومن هنا يبدو واضحا رهان بكين على إدارة المخاطر بدلا من مواجهتها، مستفيدة من تنوّع أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية، ومن قدرتها على التحرك داخل شبكات دولية متعددة دون الالتزام بمحور واحد، ويتجلى ذلك في سلوكها الذي يجمع بين دعم إيران دبلوماسيا والحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الخليج.
ومن ثم، فإن الصين لا تنظر إلى الأزمة بوصفها صراعا ثنائيا بحتا، بل باعتبارها جزءا من تحولات أوسع في بنية النظام الدولي، مما يدفعها إلى مواصلة دورها كفاعل يسعى إلى الموازنة بين الدعوة إلى التهدئة وبين حماية مصالحه الإستراتيجية، مستفيدة من واقع يتجه نحو تعددية قطبية تقوم على تداخل المصالح الوطنية والحسابات البراغماتية.
المصدر:
الجزيرة