في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا يكتفي الرئيس الصيني شي جين بينغ بإعادة صياغة سياسات بلاده، بل يعمل أيضا على إعادة كتابة السردية الرسمية لتاريخ الحزب الشيوعي الصيني، بما يضمن لنفسه مكانة تاريخية مستقلة عن أسلافه، وفق تقدير الكاتب والباحث الصيني دينغ يوين.
وفي مقال بمجلة فورين بوليسي، يرى يوين أن الرئيس شي أعلن فعليا نهاية "حقبة الإصلاح" التي قادت الصين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، واستبدل بها ما يسميه "العصر الجديد".
ويستند الكاتب إلى خطاب ألقاه شي في 1 يوليو/تموز بمناسبة الذكرى الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي، تحدث فيه عن أربع مراحل متعاقبة في تاريخ الحزب هي: الثورة، والبناء، والإصلاح، ثم "العصر الجديد".
ويعتبر أن هذا التقسيم ليس مجرد توصيف تاريخي، بل يحمل دلالات سياسية عميقة، لأنه يفصل المرحلة التي بدأت مع وصول شي إلى السلطة عام 2012 عن حقبة الإصلاح التي أطلقها دينغ شياو بينغ عام 1978.
ويشير دينغ يوين إلى أن الرواية الرسمية للحزب كانت تنظر سابقا إلى الإصلاح والانفتاح باعتبارهما مرحلة مستمرة ومفتوحة، بل إن شي نفسه أكد في مناسبات سابقة أن الإصلاح "لا يزال على الطريق". لكن استحداث "العصر الجديد" بوصفه مرحلة مستقلة يعني، بحسب الكاتب، أن عهد الإصلاح انتهى رسميا، وأن الصين دخلت مرحلة مختلفة تحمل بصمة شي وحده.
ويرى الكاتب أن تقسيم التاريخ داخل الحزب الشيوعي لا يتعلق بالأحداث بقدر ما يرتبط بتوزيع الشرعية السياسية. فكل مرحلة تاريخية ترتبط باسم زعيم بعينه؛ إذ يحتكر ماو تسي تونغ مرحلتي الثورة وبناء الدولة، بينما ارتبط الإصلاح بدينغ شياو بينغ، وإن كان هذا الإرث يتقاسمه أيضا مع الرئيسين السابقين جيانغ زيمين و هو جينتاو اللذين واصلا تعميق الانفتاح الاقتصادي ودمج الصين في الاقتصاد العالمي.
أما "العصر الجديد" فيتمثل، وفق الكاتب، في المرحلة التي ينفرد فيها الرئيس شي بالزعامة، وهو ما يعكس رغبته في ترسيخ مكانته باعتباره مؤسس مرحلة تاريخية جديدة، لا مجرد امتداد لسياسات أسلافه.
ويضيف أن شي لا يسعى إلى منافسة ماو مباشرة، لأن مكانته لا تزال راسخة في الذاكرة الرسمية الصينية، بل يركز على تجاوز إرث دينغ. فإذا كان دينغ قد أجاب عن سؤال "كيف تصبح الصين غنية؟"، فإن شي يحاول تقديم نفسه باعتباره صاحب الإجابة عن سؤال "كيف تصبح الصين قوية؟"، واضعا القوة والأمن القومي في مقدمة أولويات الدولة.
إصلاحات الرئيس شي تسير في اتجاه مختلف، إذ تضع الأمن القومي وقيادة الحزب والاكتفاء الذاتي والتحديث الصيني في صدارة الأولويات، مع تعزيز سيطرة الحزب على الاقتصاد والمجتمع.
ويؤكد الكاتب أن إعلان نهاية حقبة الإصلاح لا يعني توقف الحديث الرسمي عن الإصلاح أو التخلي عن بعض إجراءاته الاقتصادية، إذ لا تزال القيادة الصينية تطرح خططا لتعميق الإصلاحات.
غير أن مضمون الكلمة تغير جوهريا؛ فالإصلاح لم يعد يمثل قيمة سياسية قائمة بذاتها أو عنوانا لمرحلة تاريخية، وإنما أصبح أداة تخدم أهداف "العصر الجديد" كما يحددها شي.
وبحسب المقال، فإن إصلاحات دينغ قامت على تحرير الاقتصاد والمجتمع تدريجيا من قبضة السياسة، وشجعت الانفتاح على العالم، والاستفادة من الخبرات الغربية، ومنحت الأسواق والمجتمع مساحة أوسع للحركة.
أما إصلاحات شي فهي تسير في اتجاه مختلف، إذ تضع الأمن القومي وقيادة الحزب والاكتفاء الذاتي والتحديث الصيني في صدارة الأولويات، مع تعزيز سيطرة الحزب على الاقتصاد والمجتمع.
الإصلاح الذي شكّل لعقود أساس شرعية الحزب الحاكم في الصين لم يعد يحدد حاضرها ومستقبلها، بعدما أصبح خاضعا لأولويات "العصر الجديد".
ويلفت الكاتب إلى أن هذا التحول ينعكس أيضا في الخطاب الرسمي. فبدلا من شعارات مثل "تحرير العقول" و"الانفتاح على العالم" و"السماح لبعض الناس بأن يصبحوا أغنياء أولا"، أصبحت القيادة الصينية تركز على مفاهيم مثل "القيادة الشاملة للحزب"، و"الأمن"، و"الكفاح"، و"الاعتماد على الذات"، و"الرخاء المشترك"، و"صعود الشرق وتراجع الغرب".
ويخلص دينغ يوين إلى أن الصين لم تتخل عن كلمة "الإصلاح"، لكنها غيرت معناها بصورة جذرية. فالإصلاح الذي شكّل لعقود أساس شرعية الحزب الحاكم لم يعد يحدد حاضر الصين ومستقبلها، بعدما أصبح خاضعا لأولويات "العصر الجديد".
المصدر:
الجزيرة