في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في كواليس السياسة الدولية، حيث تُحاك التحالفات وتُفض، تتكشف ملامح تصدع غير مسبوق في جدار العلاقات عبر الأطلسي.
ففي تقرير استقصائي معمق نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، من إعداد الصحفيين جو باركنسون، ودرو هينشو، ودانيال مايكلز، تبرز تفاصيل اللحظات الحرجة التي أدركت فيها القارة العجوز أن حليفها التاريخي وحاميها التقليدي، الولايات المتحدة، ربما تحول إلى أكبر تهديد لاستقرارها.
كانت الساعة، وفقا للتقرير، تقترب من منتصف الليل في بروكسل، وكان حوالي 30 من القادة الأوروبيين منشغلين في ساعتهم الخامسة من اجتماع طارئ، لم يكن على جدول أعماله سوى موضوع واحد: كيفية التعامل مع الانفصال عن أمريكا.
وقد كان الخيط الناظم لتقرير وول ستريت جورنال هو محاولة توضيح مسار قناعة تبلورت في أروقة بروكسل المظلمة، قناعة مفادها أن استرضاء واشنطن لم يعد خيارا إستراتيجيا مجديا، وأن أوروبا تقف اليوم على أعتاب حقبة جديدة من الاستقلال الإجباري.
كانت ليلة باردة من ليالي يناير/كانون الثاني 2026، وداخل مقر المجلس الأوروبي المعروف بـ "بيضة الفضاء"، اجتمع القادة الأوروبيون في جلسة طارئة ومغلقة، جُردوا فيها من هواتفهم ومرافقيهم.
لم تكن الجلسة اعتيادية، بل وصفها بعض الحاضرين بـ "ليلة العلاج النفسي"، حيث هيمنت حالة من القلق العميق إثر سياسات الإدارة الأمريكية المتقلبة وتهديداتها المفاجئة، مثل التلويح بضم جزيرة غرينلاند.
في تلك اللحظة المشحونة، التقط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زمام المبادرة ليضع حدا لسنوات من التردد الأوروبي، قائلاً بحسم: "نحن نضع حدا هنا.. لا عودة إلى الوراء".
هذه الجملة لم تكن مجرد تعبير عن غضب عابر، بل كانت إعلانا ببدء مسار إستراتيجي جديد. ولم يكن ماكرون وحيداً في هذا الطرح، فقد عبر رئيس وزراء بلجيكا عن مخاوف القارة من التحول إلى مجرد أداة في يد إدارة أمريكية تبحث عن صفقات التعدين والطاقة متجاهلة دورها القيادي في العالم الحر، محذراً من أن أوروبا تخاطر بأن تصبح: "عبدا بائسا للولايات المتحدة".
كارني للأوروبيين: أمريكا القديمة ذهبت إلى غير رجعة
وفي خضم هذه العاصفة، كان الدفع نحو الاستقلال من جهة غير متوقعة، من شخص لم يكن في الغرفة، فرئيس الوزراء الكندي الجديد، مارك كارني، هو من لعب دوراً محورياً في إيقاظ الحلفاء من وهم الاعتماد المفرط على واشنطن.
كارني، الذي وصل إلى السلطة إثر تهديدات أمريكية بضم بلاده، وجه رسائل حاسمة للقادة الأوروبيين، مؤكداً لهم أن الأزمة أعمق من شخص الرئيس الأمريكي، وأنها تعكس تحولاً هيكلياً في السياسة الأمريكية، قائلاً كلمته التي رددت صداها العواصم الأوروبية: "أمريكا القديمة ذهبت إلى غير رجعة".
هذا التقييم الكندي الصارخ شجع القادة الأوروبيين على الشروع في عملية "فك الأمركة" (De-Americanization) بصمت، عبر استبدال التكنولوجيا الأمريكية، وبناء مراكز بيانات أوروبية، واختبار استقلالية ترساناتهم العسكرية.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، كان الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر تبني "دبلوماسية الإطراء"، مقترحاً زيادة الإنفاق الدفاعي ومنح الرئيس الأمريكي "انتصارات سياسية" شكلية لإبقائه ملتزما بحماية أوروبا.
لكن هذه الاستراتيجية سرعان ما اصطدمت بواقع السياسة الأمريكية المتقلب، لا سيما بعد قمة ألاسكا بين ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وما نجم عنها من تفاهمات أمريكية روسية همشت المصالح الأوروبية.
دخل ستة من الرؤساء ورؤساء الوزراء الأوروبيين، بالإضافة إلى روته وفون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، إلى البيت الأبيض مروراً بفرقة رباعية وترية، وأثنوا على الرئيس لقوته كمفاوض، بينما كانت كاميرات الأخبار تصورهم، وقال ترمب لروته: "شكراً جزيلاً، مارك، أنت قائد عظيم، أنت تقوم بعمل رائع".
لكن ماكرون، الذي كان يتابع المشهد، بدا غير مرتاح، وفقا للتقرير.
هنا أدرك القادة أنهم لن يتمكنوا من إجبار ترمب على تأييد الموقف الغربي بشأن أوكرانيا – أو ربما حتى أي سياسة أخرى، وقد وصف أحد الحاضرين ذلك بأنه "تجربة مؤلمة"، مشيرا إلى مدى ضآلة التأثير الذي مارسه أقرب حلفاء أمريكا، حتى وهم يتحركون ككتلة واحدة، على الإدارة الأمريكية.
هذا الواقع الجديد، دفع حتى أكثر القادة الأوروبيين تفاؤلاً في البداية لتغيير مواقفهم، فرئيسة وزراء إيطاليا المحافظة جورجيا ميلوني، التي جادلت سابقاً بأنه يمكن التفاهم مع الإدارة الأمريكية، تراجعت عن تفاؤلها بعد التصعيد الأمريكي في الشرق الأوسط، لتُقر أمام نظرائها الأوروبيين بحقيقة مُرة: "ترمب ليس عقلانيا".
وكالة الاستخبارات البريطانية شبهت أجواء الخوف والتقلبات الحادة في البيت الأبيض بعملين أدبيين شهيرين يجسدان جنون الارتياب والمكائد البلاطية: البيت الأبيض أصبح مزيجا بين مسرحية "البوتقة" ورواية "قاعة الذئب".
ولم يقتصر القلق على القيادات السياسية، بل امتد إلى أروقة المخابرات الأوروبية التي قدمت تقييمات قاتمة لطبيعة صنع القرار في واشنطن.
فقد رصدت تقارير استخباراتية أوروبية غياباً تاماً للعمل المؤسسي المعتاد في الإدارة الأمريكية.
ولعل أدق وأقسى وصف لتلك الحالة هو ما قدمته وكالة الاستخبارات البريطانية (MI6) لرئيس الوزراء كير ستارمر، حين شبهت أجواء الخوف والتقلبات الحادة في البيت الأبيض بعملين أدبيين شهيرين يجسدان جنون الارتياب والمكائد البلاطية: البيت الأبيض أصبح مزيجا بين مسرحية "البوتقة" ورواية "قاعة الذئب".
في النهاية، يبدو أن ما حدث في تلك الغرفة المغلقة ببروكسل لم يكن سوى البداية.
فقد تجاوزت أوروبا مرحلة الصدمة ومحاولات الاسترضاء، لتجد نفسها مضطرة للسير في طريق وعر نحو الاستقلال الإستراتيجي، طريق فرضته تحولات واشنطن، وأكدت فيه أوروبا لنفسها أنه بالفعل.. "لا عودة إلى الوراء".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة