آخر الأخبار

مدارس دينية لترسيخ الاستيطان شمال الضفة الغربية

شارك

جنين- أمام منزله في منطقة الجبل الشمالي ببلدة عرابة جنوب مدينة جنين شمال الضفة الغربية المحتلة، يقود الطفل آدم رحال دراجته ذهاباً وإياباً، فيما لا تغيب أنظار والده عنه لحظة واحدة.

وفي الوقت ذاته يخرج عمّ آدم، مهدي رحال، من منزله إلى البقالة للتبضع، لا ينسى إقفال الباب الحديدي بالمفتاح، رغم وجود عائلته في الداخل.

وهذا المشهد بات معتاداً لعائلة رحال منذ شهر تقريبا، وتحديداً بعد إقامة أول كرفان متنقل للمستوطنين في منطقة رأس الجبل شمال غرب عرابة.

مصدر الصورة مهدي رحال يغلق باب منزله الحديدي بالمفتاح إذا خرج الى ساحة المنزل خوفا من هجوم المستوطنين (الجزيرة)

خطر قائم

تحدث مهدي -للجزيرة نت- عن العيش بجوار المستوطنين قائلاً إنه "خطر بحد ذاته". وتساءل "كيف إذا كان هذا المستوطن متشدداً ويسعى لإقامة مدرسة دينية يهودية تُدرّس تعاليم متطرفة تحرض على العرب بشكل دائم؟".

وأضاف "أخشى أن يستغل المستوطن غيابي ويهاجم أطفالي الثلاثة ووالدتهم. النزول إلى الساحة ممنوع علينا، ولعب الأطفال أمام المنزل خطر أيضا. كما مُنعنا من الوصول إلى مزرعة الدواجن التي أنشأناها قبل عامين، وتُعد مصدر دخلنا، بحجة أنها أصبحت ضمن أراضي المستوطنة، على الرغم من أنها تبعد بضعة أمتار عن منزلي".

وبسبب هذا المنع فقد مهدي نصف الدواجن، مضيفا "نقلنا النصف الباقي إلى مكان آخر. المشكلة أن إقامة مدرسة دينية هنا تعني منح المستوطنة صفة رسمية يصعب إزالتها لاحقا".

ويسكن مهدي إلى جوار أشقائه الثلاثة في منازل مستقلة متجاورة يعيش فيها نحو 20 شخصا، فرض عليهم المستوطنون نمط حياة قاسياً تحكمه المراقبة والخوف، وتقييد الحركة والتنقل والعمل واستغلال الأرض.

مصدر الصورة أراضٍ زراعية جرفها المستوطنون في منطقة جبل الشمالي في عرابة وبدؤوا بوضع بيوت متنقلة عليها (الجزيرة)

مدرستان في مدينة

وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (جهة رسمية)، صادقت حكومة الاحتلال على بناء مدرستين دينيتين في شمال الضفة الغربية، وتحديداً في محافظة جنين؛ الأولى بالقرب من مستوطنة "غانيم" التي أُخليت عام 2005 ضمن ما عرف بـ"خطة فك الارتباط" أحادية الجانب، التي نفذتها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، وشملت إخلاء خمس مستوطنات في محافظة جنين.

إعلان

أما الثانية فتقام في مستوطنة "عيمك دوتان" الجاثمة على أراضي المواطنين غربي بلدة عرابة. ووفق الهيئة، فإنه وبالرغم من عدم المصادقة النهائية على المخططات الرسمية للمدرستين، فإن الاحتلال بدأ فعلياً أعمال البناء قبل استكمال الإجراءات الرسمية.

وعلى الأرض، أبلغ الاحتلال الإسرائيلي جهاز الارتباط الفلسطيني، وهو جهة تنسيق رسمية مع الجانب الإسرائيلي، بمصادرة أراضٍ من البلدة لصالح إقامة حظيرة للأبقار. وعلى الفور، شيّد قرابة 15 مستوطنا 3 وحدات سكنية متنقلة في الأراضي المصادرة، وجلبوا معهم عدداً من رؤوس الأغنام والأبقار تمهيداً لإقامة مستوطنة.

تسارع عملية الاستيطان

وقال مدير بلدية عرابة، أحمد تحسين العارضة، للجزيرة نت، إن قوات الاحتلال جرّفت أراض زراعية الشهر الماضي، قُدرت مساحتها بـ163 دونما (الدونم=1000 متر مربع)، لكن الأهالي القاطنين بالقرب من مناطق التجريف أكدوا تضاعف مساحة الأراضي المستهدفة خلال الأسبوعين الماضيين، وهو ما يؤكد، بحسب العارضة، أن العمل لا يقتصر على إقامة حظيرة للأبقار والمواشي.

وأضاف "وفق متابعتنا تمت المصادقة على 260 وحدة سكنية داخل المستوطنة، وتوسعتها لتصبح مستوطنة سكنية وليست مجرد بؤرة رعوية".

ويعمل العارضة على توثيق الاعتداءات على الأراضي الزراعية ومنازل المواطنين وممتلكاتهم في عرابة منذ 2023. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة رصد مئات الشكاوى لمواطنين تعرضوا لاعتداءات مباشرة وغير مباشرة من المستوطنين، شملت الاحتجاز والضرب ومصادرة ثمار الزيتون، ومحاولة حرق المزارع ومهاجمة وتخريب المنازل.

ووفق الشهادات الموثقة ومشاهد الاعتداءات وحجمها، يؤكد العارضة أنه ورغم قلة عدد المستوطنين الموجودين في المنطقة، فإنهم يتسمون بالعنف والخطورة.

كما شمل التوثيق التعرُّض لاعتداءات نفذها أشخاص يرتدون لباسا عسكريا إسرائيلياً، وهو ما يجعل التعامل مع الأمر أكثر خطورة، إذ يصعب التمييز بين ما إذا كانوا جنود احتياط أو مستوطنين يرتدون زياً عسكرياً إسرائيلياً.

مصدر الصورة جنود الاحتلال يحمون المستوطنين في حال هجومهم على منازل الفلسطينيين (الجزيرة)

مخاطر بحماية الجيش

وفي المنطقة المذكورة، استقبلنا فراس رحال. ورغم هدوء المكان، إلا أن الحذر الشديد كان يطغى على تصرفاته وتحركاته. وقال إن المستوطنين في الكرفان المقام قرب منزله يراقبون تحركاته وأفراد عائلته، ويتعمدون اقتحام ساحة المنزل والاعتداء عليهم، كما يحاولون بصورة متكررة تحطيم الأبواب والنوافذ.

وخلف المنزل، نصب جيش الاحتلال شريطاً من الأسلاك البلاستيكية السوداء، وطلب من سكان المنازل في المنطقة عدم اجتيازه على امتداد المسافة التي وضع فيها، محذراً من أن تجاوز هذا الخط قد يُعرّضهم لإطلاق النار، بحجة أن المنطقة أصبحت تابعة للبؤرة الاستيطانية الجديدة المقامة في منطقة رأس الجبل الشمالي، أعلى البلدة.

وتحدث رحال للجزيرة نت عن صعوبة الحياة في المنطقة بعد بدء الاستيطان فيها قائلاً: "هذه أجمل وأهدأ منطقة في عرابة كلها، وهي منطقة حيوية. مقابل منازل عائلتي أُقيم متنزه البلدة، وإلى جواره دائرة السير، لكن كما تلاحظون لا يوجد متنزهون في المكان ولا مراجعون لتجديد تراخيص السيارات".

إعلان

الناس -أضاف رحال- "تتجنب الوصول إلى هنا خوفاً من هجمات المستوطنين، أما نحن فأصبح النوم عدواً لنا. نسهر كي ينام أطفالنا بأمان، ونراقب النوافذ والأبواب طوال الليل".

مصدر الصورة أحمد العارضة: هدف الاحتلال من الاستيطان في عرابة هو السيطرة على سهل البلدة ومن ثم طرد سكانها (الجزيرة)

السهل هو الهدف

من جانبه، أشار رئيس بلدية عرابة، أحمد فتحي العارضة، إلى أن اختيار أراضي البلدة لإقامة مدرسة دينية عليها، "يتعاظم بوتيرة متسارعة، واليوم نلاحظ أن غالبية الإسرائيليين باتوا أكثر تشدداً، وأن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو مزيد من التطرف".

وأضاف للجزيرة نت أن المدرسة الدينية المزمع إقامتها في مستوطنة "عيمك دوتان"، تقع في واحدة من أكثر مناطق شمال الضفة الغربية خصوبة، إلى جانب تجمعات زراعية استيطانية.

والهدف بطبيعة الحال -بحسبه- هو سهل عرابة، "الذي يعد ثاني أكبر سهل داخلي في فلسطين التاريخية بعد سهل مرج ابن عامر، الذي احتُلت معظم أراضيه ولم يتبقَّ سوى نحو 10% من مساحته الأصلية. فالهدف لا يقتصر على مصادرة نحو 240 دونما لصالح المدرسة، بل يتعداه إلى السيطرة على كامل سهل عرابة والتضييق على المواطنين في أرزاقهم وحياتهم، وصولاً إلى الهدف الأكبر وهو دفع الفلسطينيين للهجرة".

كما أن المشكلة -أوضح العارضة- أن هؤلاء المستوطنين يتجولون بالسلاح ويهددون المواطنين، إضافة إلى أن "قوات الاحتلال الموجودة يوميا توفر لهم الحماية أثناء اعتداءاتهم وعربدتهم على الأهالي، وكذلك خلال سرقتهم محاصيل الزيتون والقمح".

دور يتعدى الاستيطان

ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، منعت قوات الاحتلال أهالي عرابة من الوصول إلى نحو 1500 دونم مزروعة بأشجار الزيتون، وحرمتهم خلال المواسم الماضية من جني محصولها وفلاحتها والعناية بها. ويقول الأهالي إن هذه الأراضي باتت معرضة لتلف الأشجار وجفاف التربة.

ووفق إحصائيات البلدية، فإن 800 دونم من الأراضي المحيطة بالمنطقة المصادرة لصالح المستوطنة الدينية أُغلقت بالكامل، ومُنع الأهالي من الوصول إليها. ويعتمد 80% من أهالي البلدة البالغ عددهم 20 ألف نسمة، على الزراعة، إذ تبلغ مساحة سهل عرابة نحو 32 ألف دونم، وتعود ملكية أراضيه لأهالي البلدة والقرى المحيطة.

وبحسب مركز القدس للدراسات، فإن المدارس الدينية اليهودية في الضفة الغربية، والتي يُعرف بعضها باسم "اليشيفا" للرجال و"المدراش" للنساء، هي مؤسسات تعليمية داخلية يدمج فيها الطلاب بين دراسة النصوص التوراتية والخدمة العسكرية ضمن إطار برنامج "هسدر"، وتعمل أداة إيديولوجية لترسيخ المشروع الاستيطاني.

وتؤدي هذه المدارس دورين هما:


* الارتباط العسكري: تُعرف غالباً باسم "يشيفات هسدر"، حيث يدرس الطلاب لفترة محددة ويؤدون الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي ضمن إطار ديني وعسكري مدمج.
* الاستيطان والتوسع: تلعب هذه المدارس دوراً محورياً في تغذية الفكر الاستيطاني، إذ يُعد طلابها وحاخاماتها نواة للحركات الدينية المتطرفة التي تدعو إلى توسيع الاستيطان في قلب الضفة الغربية.

ومن أبرزها في شمال الضفة، مدرسة مستوطنة حومش الواقعة على الطريق بين نابلس وجنين، وقد أعاد مستوطنون إنشاءها وبناء مقر دائم لها بموافقة رسمية بعد إخلاء المستوطنة في 2005.

مصدر الصورة أحمد تحسين العارضة يراجع توثيق الأهالي لاعتداءات المستوطنين على منازلهم (الجزيرة)

السياحة والزراعة

ووفق الكاتب والباحث مفيد جلغوم، من مدينة جنين، فإن إنشاء مدارس دينية يهودية في محافظة جنين يؤثر بصورة مباشرة في القطاعين السياحي والزراعي بالمحافظة.

ويؤكد في حديثه للجزيرة نت أن "المدرسة التي أُعلن عن بنائها في مستوطنة غانيم تبعد نحو 100 متر فقط عن قرية حداد السياحية، وهذه المنطقة تعد واحدة من أكبر المرافق السياحية في شمال الضفة الغربية، وتمثل متنفساً لمئات العائلات في محافظة جنين ومحافظات الشمال، وإقامة المدرسة تعني تدفق أعداد كبيرة من المستوطنين إلى المنطقة، ما سيؤثر سلباً في القطاع السياحي".

إعلان

وتسعى سلطات الاحتلال -وفق جلغوم- إلى مصادرة الأراضي الزراعية، وإقامة المستوطنات عليها، سواء كانت بؤراً رعوية أو مدارس دينية أو مستوطنات كبيرة، وكل ذلك بهدف فرض واقع جديد بالسيطرة على الأراضي الزراعية وتعميق المشروع الاستيطاني فيها.

وبحسبه أيضا، فإن الاحتلال يسعى إلى إضفاء صفة قانونية وتشريعية على المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي يعمل على إقامتها، لكن بالنسبة للفلسطينيين فإن البرج العسكري والمدرسة الدينية والبؤرة الاستيطانية الرعوية تشترك جميعها في هدف واحد، يتمثل في سلب الأرض الفلسطينية وزيادة أعداد المستوطنين في المدن والبلدات الفلسطينية.

الاحتلال يسعى لنهب الأرض الفلسطينية بكل السبل (الجزيرة)

الإيديولوجيا في خدمة الصراع

أما عن أهداف تأسيس المدارس الدينية، فيذكر الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي، سليمان بشارات منها:


* تحويل الوجود الاستيطاني من طابع استعماري وظيفي إلى طابع إيديولوجي ديني، بما يتيح لغلاة المستوطنين ضخ مزيد من الإمكانات المادية والبشرية في هذا النمط من الاستيطان، وهو ما يخدم السياسات التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية بوجود الوزيرين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش".
* صراع الهوية؛ إذ لا تزال إسرائيل تسعى إلى حسم الصراع في الضفة الغربية على المستويات الجغرافية والديمغرافية والإيديولوجية والدينية، وهو ما تراه أكثر مسارات الصراع أهمية من منظورها
* توفير بيئة حاضنة للفكر القومي والديني الإسرائيلي، الذي يعزز ليس فقط مشاعر العداء تجاه الفلسطينيين، بل أيضاً الحضور الإسرائيلي وترسيخ الهوية القومية الإسرائيلية.

وأضاف في حديثه للجزيرة نت "يعلم الاحتلال أن جزءاً من تمسك الفلسطيني بأرضه نابع من البعد الديني، باعتبارها أرض الإسراء والمعراج وأرض الرسالات السماوية، لذلك يحاول العزف على الوتر ذاته من خلال تعزيز فكرة أن هذه هي "أرض الميعاد" و"الأرض المقدسة" وفق المنظور اليهودي.

وهذا ما تعمل عليه المدارس الدينية التي تسهم في إنتاج جيل مترابط ومتشدد، شديد الارتباط بهذه الأرض، ولا يقبل التنازل عنها … فإسرائيل لا تريد أن يبقى وجودها مرتبطاً فقط بالبعد السياسي ومنطق القوة والدعم الدولي، بل تسعى أيضاً إلى ترسيخ الارتباط الديني بالأرض".

وختم بالقول إن أحد أبرز مشاهد الصراع في المرحلة المقبلة قد يتمثل في المواجهة المباشرة بين المستوطنين المتشددين والمواطنين الفلسطينيين، وهو ما تظهر ملامحه في تصاعد محاولات تهويد المسجد الأقصى، واقتحامات المستوطنين المتكررة له، إضافة إلى الاعتداءات على المساجد في عدد من البلدات والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية.

مهدي رحال: منذ إعلان إقامة مدرسة دينية في عرابة وقدوم مستوطنين اليها ونحن نواجه خطرا دائما (الجزيرة)الطفل آدم رحال يلهو بدراجته أمام منزله القريب من المستوطنة الدينية المنوي اقامتها (الجزيرة)فراس رحال يتخوف من تواجد المستوطنين المتشددين في عرابة بعد اقامة مدرسة دينية فيها (الجزيرة)مهدي رحال وضع حاجز من الأخشاب على مدخل منزله لمنع وصول المستوطنين إليه (الجزيرة)آثار التجريف وتدمير الحديقة المنزلية لعائلة رحال من قبل المستوطنين (الجزيرة)أحمد تحسين العارضة يعمل على توثيق اعتداءات المستوطنين بشكل يومي في عرابة منذ 2023 (الجزيرة)بلدية عرابة توثق شهادات الأهالي حول اعتداءات المستوطنين على منازلهم وأملاكهم (الجزيرة)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا