كشفت منظمة العفو الدولية ، في تقرير موسع، أن سلطات دول مجلس التعاون الخليجي اعتقلت أكثر من ألف شخص ضمن حملة أمنية واسعة استهدفت حرية التعبير منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران والهجمات الإيرانية التي طالت دولاً خليجية.
وقالت المنظمة إن الإجراءات شملت توقيف أشخاص بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو بسبب مشاركتهم محتوى وصوراً ومقاطع فيديو مرتبطة بالحرب، فيما أقدمت كل من الكويت والبحرين على سحب جنسية عدد من المواطنين، في بعض الحالات على خلفية مواقف أو تعبيرات مرتبطة بالنزاع.
ووفق التقرير، سارعت حكومات الكويت و البحرين والإمارات وقطر والسعودية وسلطنة عُمان، عقب اندلاع الحرب، إلى إصدار تحذيرات عامة استندت إلى اعتبارات الأمن القومي، دعت فيها المواطنين والمقيمين إلى الامتناع عن تداول ما وصفته بـ"الشائعات" أو "المعلومات الكاذبة" أو المحتوى الصادر عن مصادر غير معروفة.
وبعد هذه التحذيرات بفترة قصيرة بدأت السلطات في عدد من الدول الخليجية الإعلان عن حملات اعتقال جماعية.
وقالت المديرة الإقليمية لمنظمة العفو الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هبة مرايف، إن القيود التي فرضتها دول الخليج تجاوزت بكثير ما يسمح به القانون الدولي، معتبرة أن السلطات استخدمت قوانين الجرائم الإلكترونية ومكافحة الإرهاب والأمن القومي ذات الصياغات الفضفاضة للسيطرة على تدفق المعلومات والحد من حرية التعبير.
وأضافت أن القانون الدولي يجيز للدول اتخاذ تدابير لحماية الأمن القومي أو مكافحة المعلومات المضللة خلال النزاعات المسلحة، إلا أن أي قيود على حرية التعبير يجب أن تكون محددة قانوناً، وضرورية ومتناسبة مع الهدف المشروع الذي تسعى لتحقيقه، وهو ما اعتبرت المنظمة أنه لم يتحقق في الإجراءات التي اتخذتها دول الخليج.
واعتمدت المنظمة في تقريرها على مقابلات مع 16 شخصاً، بينهم صحفيون وناشطون ومواطنون ومقيمون وأفراد من عائلات معتقلين، فضلاً عن مراجعة بيانات رسمية صادرة عن الحكومات الخليجية وتقارير إعلامية ووثائق أعدتها منظمات حقوقية محلية.
وبحسب التقرير، أعلنت السلطات في الكويت والبحرين والإمارات وقطر عن توقيف مئات الأشخاص بسبب تصوير مواقع تعرضت لهجمات أو نشر مقاطع فيديو توثق اعتراض الصواريخ أو الأضرار الناتجة عن المقذوفات.
كما سجلت المنظمة حالات اعتقال على خلفية ما وصفته السلطات بـ"تمجيد دولة معادية" أو قياداتها العسكرية، في إشارة إلى محتوى اعتبر متعاطفاً مع إيران أو متضامناً مع شعبها أو متضمناً رسائل حداد على المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي.
وأشارت المنظمة إلى أن عدداً من الدول الخليجية باشرت تحقيقات ومحاكمات بحق أشخاص اتُهموا بنشر معلومات مضللة أو أخبار كاذبة أو دعاية تحريضية، بما في ذلك مواد مولدة بالذكاء الاصطناعي أو مقاطع فيديو زُعم أنها تنشر معلومات غير صحيحة.
كما أصدرت محاكم في الكويت والبحرين أحكاماً بالسجن تراوحت بين ثلاث وعشر سنوات بحق عشرات الأشخاص بعد محاكمات وصفتها المنظمة بالسريعة على خلفية نشر أو إعادة نشر محتوى متعلق بالحرب.
أعلنت السلطات الكويتية، بحسب منظمة العفو الدولية، اعتقال 33 شخصاً في الفترة الممتدة من 1 إلى 30 مارس/آذار، بينهم ثلاث نساء وأجنبي واحد على الأقل، بتهم تراوحت بين التعاطف مع "جماعات إرهابية"، ونشر معلومات كاذبة، والإضرار بالأمن القومي، والسخرية من الأجهزة الأمنية، واستخدام الطائرات المسيّرة للتصوير دون تصريح.
لكن المنظمة أكدت أن حجم الملاحقات القضائية كان أكبر بكثير من عدد الاعتقالات المعلن عنها، ففي 23 أبريل/نيسان و1 و7 مايو/أيار، أصدرت محكمة أمن الدولة الابتدائية، التي أُنشئت مطلع أبريل للنظر في قضايا أمن الدولة الداخلي والخارجي، أحكاماً بحق 204 متهمين في قضايا تتعلق بالتعاطف مع ما وصفته السلطات بـ"العدوان الإيراني"، والتحريض الطائفي ونشر الأخبار الكاذبة.
وقضت المحكمة بالسجن ثلاث سنوات بحق 23 شخصاً، وخمس سنوات بحق شخص واحد، وعشر سنوات بحق شخص آخر، فيما علقت تنفيذ العقوبة بحق غالبية المتهمين وبرأت عدداً منهم.
ومن بين القضايا التي وثقتها المنظمة قضية الصحفي أحمد شهاب الدين، الذي اعتقل في 3 مارس/آذار بواسطة عناصر بملابس مدنية دون مذكرة توقيف بسبب إعادة نشر صور مرتبطة بالحرب سبق أن نشرتها وسائل إعلام دولية، وبقي محتجزاً 52 يوماً قبل أن يمثل أمام المحكمة بتهم نشر معلومات كاذبة والإضرار بالأمن القومي وإساءة استخدام الهاتف المحمول، وفي 23 أبريل/نيسان برأته المحكمة من إحدى التهم وعلقت تنفيذ العقوبة في التهمتين الأخريين.
كما وثقت المنظمة اعتقال رجل نشر محتوى ينعى المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، واحتُجز الرجل خمسة أيام بمعزل عن العالم الخارجي لدى جهاز أمن الدولة، حيث خضع للاستجواب دون حضور محامٍ، قبل أن يواجه اتهامات تتعلق بالإضرار بالمصالح الوطنية وإثارة الفتنة الطائفية والإخلال بالوحدة الوطنية.
وفي سياق متصل، أشارت المنظمة إلى أن الكويت أقرت خلال الحرب مجموعة من التشريعات الجديدة التي وسعت صلاحيات الدولة، ففي 15 مارس/آذار صدر قانون مكافحة الإرهاب رقم 47 لسنة 2026، الذي اعتمد تعريفاً واسعاً للأعمال الإرهابية يشمل أفعالاً تهدف إلى التأثير على قرارات السلطات العامة، كما شدد العقوبات لتصل في بعض الحالات إلى الإعدام.
وفي اليوم ذاته صدر القانون رقم 13 لسنة 2026 الذي يجرم نشر الشائعات المتعلقة بالمؤسسات العسكرية ويعاقب عليها بالسجن حتى عشر سنوات.
كما عدلت الكويت قانون الجنسية في 13 أبريل/نيسان بما يسمح بسحب الجنسية إذا اقتضت المصالح العليا للدولة أو أمنها الخارجي ذلك، أو إذا توافرت أدلة جدية على قيام الشخص بالترويج لأفكار من شأنها تقويض النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو ارتباطه بمنظمة سياسية أجنبية.
وفي 26 أبريل/نيسان أعلنت السلطات سحب الجنسية من أكثر من 1200 شخص بموجب مرسوم أميري لم يوضح الأسباب، وقال شخصان يقيمان في الكويت للمنظمة إن هذه القرارات خلقت مناخاً من الخوف ودفعتهما إلى تجنب ممارسة حقهما في التعبير عن الرأي.
كما أشارت المنظمة إلى أن السلطات سحبت في 7 مايو/أيار جنسية والد المعارض الكويتي المقيم في بريطانيا فواز الكثيري وكل من اكتسب الجنسية عن طريقه، بعد نشر الكثيري مقاطع فيديو انتقد فيها تعامل السلطات مع الهجمات الإيرانية واعتقال أشخاص بسبب منشوراتهم المتعلقة بالحرب، وكان الكثيري نفسه قد فقد جنسيته مع أطفاله في يوليو/تموز 2025 دون إعلان الأسباب.
في البحرين، أعلنت السلطات اعتقال 47 شخصاً، بينهم ستة أجانب، خلال الفترة بين 1 و14 مارس/آذار على خلفية محتوى مرتبط بالهجمات الإيرانية، بعد أيام من إصدار تحذير رسمي يمنع تداول معلومات أو أخبار غير صادرة عن الجهات الحكومية.
غير أن وثائق اطلعت عليها منظمة العفو الدولية وأعدتها منظمات حقوقية بحرينية، بينها مركز الأمل لحقوق الإنسان والعدالة ومعهد البحرين للحقوق والديمقراطية، تشير إلى أن عدد المعتقلين تجاوز 303 أشخاص حتى 5 مايو/أيار، بينهم أشخاص شاركوا في فعاليات حداد على علي خامنئي، وأفادت الوثائق بأن 38 شخصاً على الأقل أُفرج عنهم لاحقاً.
وقال محامٍ يمثل عدداً من المعتقلين للمنظمة إن ستة أشخاص على الأقل حُرموا من الاستعانة بمحامين أثناء التحقيق، كما مُنع المحامون من دخول مقار النيابة العامة.
ومن بين المعتقلين الفنان منصور ياسين البالغ من العمر 26 عاماً، والذي احتُجز لنحو شهر بعد تصميم عمل فني يصور يد المرشد الإيراني الراحل ، واتُهم مع خمسة آخرين بإظهار التعاطف مع إيران وتمجيد أعمالها العدائية.
وأعلنت النيابة العامة البحرينية في 28 أبريل/نيسان و12 مايو/أيار صدور أحكام بحق 34 شخصاً تراوحت بين الغرامات والسجن من سنة إلى عشر سنوات، بتهم دعم الهجمات الإيرانية أو نشر بيانات حساسة أو تصوير مواقع محظورة أو نشر أخبار وشائعات كاذبة عبر الإنترنت.
وفي 27 أبريل/نيسان أعلنت السلطات إسقاط الجنسية عن 69 شخصاً وعائلاتهم بدعوى التعاطف مع إيران أو تمجيد أفعالها أو التعاون مع جهات خارجية، قبل أن يقر البرلمان في اليوم التالي تعديلات قانونية ألغت حق الطعن القضائي في قرارات سحب الجنسية.
كما وثقت المنظمة حالة رجل يدعى علي جُرد هو وأحد أفراد أسرته من الجنسية رغم عدم توجيه أي تهمة جنائية لهما، وكان علي قد استُدعي إلى إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية بسبب إعادة نشر مقطع فيديو يوثق هجوماً إيرانياً على قاعدة أميركية في البحرين، ثم وقع تعهداً بالولاء للبلاد وعدم نشر محتوى يضر بها، قبل أن يُفاجأ لاحقاً بإلغاء جنسيته وترحيله مع أحد أفراد أسرته إلى دولة أخرى بعد منحهما جوازي سفر مؤقتين.
وأكدت منظمة العفو الدولية أن القانون الدولي يحظر الحرمان التعسفي من الجنسية، ولا يسمح باستخدام إسقاط الجنسية كعقوبة على التعبير السلمي عن الآراء السياسية.
في الإمارات، أصدرت إدارة أمن الدولة في 3 مارس/آذار توجيهات تحظر تصوير أو نشر أو تداول المحتوى غير المؤكد أو المفبرك، مستندة إلى اعتبارات أمنية.
وقالت المنظمة إن السلطات الإماراتية أعلنت بين 3 مارس/آذار و8 أبريل/نيسان اعتقال أو احتجاز ما لا يقل عن 375 شخصاً بسبب نشر أو تداول مواد بصرية مرتبطة بالحرب.
وفي 20 مارس/آذار أعلنت شرطة أبوظبي اعتقال 109 أشخاص من جنسيات مختلفة بدعوى تصوير مواقع وأحداث ونشر معلومات كاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بما قد يؤدي إلى إثارة الرأي العام ونشر الشائعات، كما تحدثت السلطات عن توقيف أشخاص بسبب نشر محتوى يمجد دولة معادية وقياداتها السياسية والعسكرية.
وترى منظمة العفو الدولية أن تصوير مواقع تعرضت لضربات جوية أو نشر مواد إعلامية وآراء مرتبطة بالنزاعات المسلحة يدخل ضمن نطاق حرية التعبير التي يحميها القانون الدولي.
كما أشارت المنظمة إلى ورود تقارير عن احتجاز عشرات البريطانيين بسبب تصوير الهجمات الإيرانية، وتنفيذ عمليات تفتيش للهواتف المحمولة في المناطق المتضررة من هجمات الطائرات المسيّرة، إضافة إلى حجب الوصول إلى عدد من الحسابات الإعلامية التي نشرت مقاطع للهجمات.
وفي مارس/آذار 2026 طلبت السلطات الإماراتية من شركة ميتا تقييد الوصول إلى 18 حساباً على فيسبوك وإنستغرام تنشر مواد تتعلق بالتطورات الأمنية والنزاعات الإقليمية، وذكرت الشركة أنها لم تعتبر المحتوى مخالفاً لمعاييرها، لكنها قيدت الوصول إليه استجابة للطلب.
وأضاف التقرير أن قانون الجرائم الإلكترونية الإماراتي رقم 34 لسنة 2021 يجرم نشر المعلومات التي تعتبر مضللة أو ضارة بسمعة الدولة، إلى جانب قوانين أخرى تتعلق بالأمن القومي تجرم انتقاد السلطات أو نشر معلومات حساسة.
بحسب منظمة العفو الدولية، أصدرت السلطات القطرية في 28 فبراير/شباط تحذيراً عاماً دعت فيه الجمهور إلى الامتناع عن تداول الشائعات أو نشر مقاطع فيديو غير موثقة أو مشاركة محتوى حساس.
وأعلنت السلطات لاحقاً اعتقال 313 شخصاً من جنسيات مختلفة خلال الفترة بين 28 فبراير/شباط و9 مارس/آذار بسبب تصوير ومشاركة مقاطع فيديو وتداول معلومات وصفتها السلطات بأنها مضللة أو مثيرة للرأي العام.
وأشارت المنظمة إلى أن قانون الجرائم الإلكترونية القطري الصادر عام 2014 يجرم نشر محتوى تعتبره السلطات مضراً بالقيم الاجتماعية أو النظام العام، إضافة إلى نصوص قانونية أخرى واسعة الصياغة تتيح فرض قيود على حرية التعبير بما في ذلك التعبير السلمي عن الرأي.
وفي السعودية، أصدرت وزارة الداخلية في 2 مارس/آذار تحذيراً عاماً طالبت فيه الجمهور بالاعتماد حصراً على المصادر الرسمية للحصول على المعلومات المتعلقة بالحرب.
ورغم عدم إعلان السلطات عن اعتقالات مرتبطة بحرية التعبير، قالت منظمة العفو الدولية إنها وثقت احتجاز ثلاثة أجانب على الأقل بسبب منشورات إلكترونية مرتبطة بالحرب ، من بينهم مواطنان من نيبال والفلبين وفقاً لمصادر دبلوماسية.
وتضمنت الحالات التي وثقتها المنظمة احتجاز شخص بسبب نشر مقاطع للغارات الجوية، وآخر بسبب مشاركة محتوى اعتبرته السلطات مضللاً، وثالث بسبب إبداء تعاطف مع أحد أطراف النزاع.
كما أفادت المنظمة بأن السعودية طلبت من شركة ميتا خلال أبريل/نيسان 2026 تقييد الوصول إلى 144 حساباً وصفحة إلكترونية بسبب محتوى يتعلق بالنزاعات الإقليمية أو التطورات الأمنية أو السخرية السياسية أو مواد اعتُبرت مخالفة للحساسيات الدينية، استناداً إلى نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية.
وقالت المنظمة إن القيود المفروضة أسهمت في خلق حالة واسعة من الخوف، وأوردت مثالاً لعامل حذف صوراً التقطها لأضرار أصابت مجمعاً للبتروكيماويات بعد وقت قصير من نشرها خوفاً من الملاحقة، قبل أن يخضع هاتفه وهواتف زملائه للتفتيش من قبل مسؤولين للتأكد من عدم تداول أي معلومات.
ونقلت المنظمة عن صحفي مقيم في الرياض، طلب عدم الكشف عن هويته، قوله إن هذه القيود أعاقت بشكل كبير جهود الصحفيين في الوصول إلى الشهود وتوثيق الوقائع، مضيفاً أن الخوف السائد جعل الناس يتجنبون الحديث علناً عن تأثير الحرب أو الإجراءات المفروضة عليهم.
المصدر:
يورو نيوز