آخر الأخبار

في أفغانستان والعراق.. لماذا تعجز الطائرات الأمريكية عن الطيران؟

شارك

في الثامن من يوليو/تموز 2021، سُئل الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عن احتمالية سقوط الحكومة الأفغانية أمام مقاتلي حركة طالبان بعد الانسحاب الأمريكي، فأجاب بثقة: "لا، ليس هذا أمرا حتميا. لأن القوات الأفغانية لديها 300 ألف جندي مجهزين تجهيزا جيدا، وقوة جوية، في مواجهة نحو 75 ألف مقاتل من طالبان".

لكن بعد أسابيع قليلة فقط، انهارت القوات الأفغانية، وسقطت كابول، بينما عجزت الطائرات التي أنفقت عليها واشنطن مليارات الدولارات عن تغيير مسار الحرب أو حتى حماية الجيش الذي تقاتل دفاعا عنه. وهكذا تبخَّرت جهود امتدت 20 عاما، تحت إشراف 4 رؤساء أمريكيين، وبمشاركة نحو مليوني جندي من حلف شمال الأطلسي (الناتو) على مدار الحرب.

"عجزت الطائرات التي أنفقت عليها واشنطن مليارات الدولارات عن تغيير مسار الحرب أو حتى حماية الجيش الذي تقاتل دفاعا عنه"

وقد مثَّل انهيار القوات الجوية الأفغانية تتويجا لمسار طويل من الإخفاقات الأمريكية في بناء قوات جوية فاعلة للدول التي خضعت للاحتلال الأمريكي. فمن العراق إلى أفغانستان، أنفقت واشنطن عشرات المليارات على إنشاء جيوش جديدة، لكنها اصطدمت في كل مرة بحقيقة أن هذه القوات غير قادرة على العمل بصورة مستقلة بمجرد تراجع الوجود الأمريكي أو انسحاب شبكات الدعم اللوجستي والاستخباري والفني المرتبطة به.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كارثة أكبر من هرمز.. ماذا سيحدث للعالم إذا أغلقت الصين مضيق تايوان؟
* list 2 of 2 وداعا للسيارات ومرحبا بالقنابل.. انقلاب فولكس فاغن وأخواتها في أوروبا end of list

وقد دفع تكرار هذه الظاهرة مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) -وهو هيئة رقابية أنشأها الكونغرس عام 2008 لمراقبة أموال وبرامج إعادة إعمار أفغانستان- إلى تخصيص دراسة مطولة لها ضمن تقرير صدر عام 2023 بعنوان "لماذا انهارت قوات الأمن الأفغانية؟"، استند إلى مقابلات مع عسكريين ومسؤولين أمريكيين وأفغان، لفحص أسباب الانهيار.

مصدر الصورة جندي من قوات الناتو بالقرب من طائرات عسكرية تابعة للجيش الأفغاني في قاعدة قندهار الجوية عام 2015 (أسوشيتد برس)

كما نشر مركز راند، الممول من وزارة الحرب الأمريكية، دراسة في عام 2022 بعنوان "بناء قوة جوية للشركاء" تناولت الدروس المستفادة من تجربة الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان بين عامي 2004-2021، وقدمت توصيات تتعلق ببناء القوات الجوية الشريكة في الحروب غير النظامية.

إعلان

كذلك تناول ديفيد كيلكالِن وغريغ ميلز هذه التجربة في كتابهما "الدفتر: المحاسبة عن الفشل في أفغانستان". ويُعد كيلكالِن أحد أبرز مُنظِّري "مكافحة التمرُّد"، فإلى جانب عمله أستاذا للعلاقات الدولية في جامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية، خدم كيلكالِن ضابطا ومستشارا في الحكومتين الأسترالية والأمريكية، وعمل مستشارا للجنرال ديفيد بترايوس في العراق، ثم مستشارا لمكافحة الإرهاب لوزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس.

أما غريغ ميلز، فهو مدرس في كلية الدفاع العليا التابعة لحلف الناتو، وكان حاضرا داخل القصر الرئاسي الأفغاني رفقة الرئيس أشرف غني خلال الأيام الأخيرة قبل سقوط كابول، وعمل مع كيلكالِن بصفة استشارية إلى جانب قادة قوة "إيساف" (قوة الناتو في أفغانستان)، ما منح كتابهما طابعا يجمع بين الخبرة الأكاديمية والمعايشة الميدانية.

إن التجربتين العراقية والأفغانية تُجسِّدان طبيعة العقيدة العسكرية الأمريكية القائمة على التفوق الجوي باعتباره مُضاعِف القوة الأهم في الحروب الحديثة. فقد صُمِّم الجيش الأمريكي ليكون قادرا على الحركة السريعة، وتوجيه الضربات الدقيقة، وتقديم الإسناد الجوي للقوات البرية، وتقليل الخسائر البشرية عبر الاعتماد على التكنولوجيا والطيران والاستخبارات الجوية.

"التجربتان العراقية والأفغانية تُجسِّدان طبيعة العقيدة العسكرية الأمريكية القائمة على التفوق الجوي باعتباره مُضاعِف القوة الأهم في الحروب الحديثة"

ولهذا، عندما واجهت الولايات المتحدة حركات مقاومة في العراق وأفغانستان، سعت إلى بناء قوات جوية محلية تقاتل بالطريقة الأمريكية. فمنذ عام 2002، خصصت الولايات المتحدة ما يقرب من 90 مليار دولار لقوات الجيش والأمن الأفغانية، وزودتها بأكثر من 600 ألف قطعة سلاح و300 طائرة و80 ألف مركبة، لكن التجربة كشفت أن امتلاك الطائرات لا يعني بالضرورة امتلاك قوة جوية فعالة.

واللافت أن القوات الجوية الأمريكية كشفت في مقترح ميزانيتها لعام 2026 نيتها تقليص عدد الوحدات المسؤولة عن تدريب وتقديم المشورة للشركاء العسكريين الأجانب. وجاء ذلك بعد 4 سنوات من إلغاء وحدات التدريب الأجنبية التابعة لها في مجال العمليات الخاصة والهجوم الخفيف. ويعيد هذا التوجه إلى الأذهان ما حدث عقب حرب فيتنام، عندما ألغت القوات الجوية الأمريكية جميع قدراتها الاستشارية، قبل أن تبدأ في معالجة هذا القصور جزئيا عام 1994، عبر إعادة تفعيل سرب استشاري جوي تابع لقيادة العمليات الخاصة.

مصدر الصورة كتاب "الدفتر: المحاسبة عن الفشل في أفغانستان" لديفيد كيلكالِن وغريغ ميلز (الجزيرة)

الطائرات وحدها ليست هي المشكلة

"بين عشية وضاها، بمجرد توقيع اتفاق الدوحة، توقفت في اليوم التالي 98% من الضربات الجوية الأمريكية"

بواسطة (الجنرال سميع سادات نائب رئيس أركان الجيش الأفغاني السابق)

على مدار الحرب التي امتدت 20 عاما، خسر حلف الناتو 110 طائرات مأهولة، فيما اعتادت القوات الأفغانية القتال تحت مظلة أمريكية وفَّرت الإسناد الجوي القريب والإخلاء الطبي والخدمات اللوجستية والاستخبارية. ومع مرور الوقت، تحوَّلت هذه القدرات من أدوات دعم إلى شرط جوهري لبقاء الجيش الأفغاني. ففي عام 2019 نفذت الولايات المتحدة 7423 غارة جوية، ولذلك عندما خفَّضت واشنطن غاراتها عقب اتفاق الدوحة عام 2020، فقدت القوات الأفغانية أهم عنصر كان يمنع قوات طالبان من الحشد والتحرك بحرية.

إعلان

وقد برزت أزمة ضخمة في منظومة تشغيل الطائرات التي تُبقيها عاملة، حيث يعتمد سلاح الجو الحديث على شبكات صيانة وإمداد واتصالات وتخطيط معقدة. وعندما سحبت الولايات المتحدة عقود الصيانة في مايو/أيار 2021، لم يكن لدى الأفغان سوى نحو 200 فني مُدرَّب لصيانة 186 طائرة، أي ما يعادل 30% فقط من العدد المطلوب، وطُلب منهم أداء المهام نفسها التي كان المقاولون الأمريكيون يقومون بها.

ومع اتساع نطاق الاشتباكات، ارتفع الضغط على الطائرات إلى مستويات تجاوزت معدلات الصيانة الآمنة، ما انعكس مباشرة على جاهزيتها، حيث نفذت القوات الجوية الأفغانية في يونيو/حزيران 2021 نحو 16 غارة يوميا، وذلك قبل سقوط كابول بشهر واحد فقط. وبحسب شهادة هبة الله عليزاي، آخر قائد للجيش الأفغاني في عهد أشرف غني، فإن إصلاح مروحيات بلاك هوك كان يستغرق يوما واحدا عندما كان المقاولون الأمريكيون يشرفون عليه، لكن بعد انسحابهم أصبحت الطائرات المتضررة تُرسَل إلى دبي للصيانة، ما استغرق أسابيع أو حتى أشهرا، وأدى إلى خروج أعداد كبيرة من الطائرات عن الخدمة.

مصدر الصورة أكثر من نصف طائرات بلاك هوك توقفت عن العمل في غضون أشهر من انسحاب المقاولين الأمريكيين (الفرنسية)

وقد لخَّص الجنرال سميع سادات حجم التدهور بقوله إن "60% من طائرات بلاك هوك توقفت عن العمل في غضون أشهر من انسحاب المقاولين الأمريكيين". وبحلول أوائل يوليو/تموز 2021، لم يتبق سوى 88 طائرة قادرة على التحليق. كما تغيَّب عدد من الطيارين عن الخدمة خوفا من حملة اغتيالات شنتها حركة طالبان ضد الطيارين والعاملين في سلاح الجو.

ومع تراجع الجاهزية الجوية، لم تعد القوات الأفغانية قادرة على توفير الإمدادات أو تنفيذ عمليات الإخلاء الطبي أو دعم الحاميات المعزولة، ما أدى إلى نقص الذخيرة والطعام، وأسهم في انهيار الروح المعنوية وتسريع سقوطها. كما ظهرت أزمة حادة في الذخائر والوقود، إذ عانى سلاح الجو الأفغاني عجزا في الصواريخ والقنابل الموجهة ووقود الطائرات.

"مع الانسحاب الأمريكي، عانى سلاح الجو الأفغاني عجزا في الصواريخ والقنابل الموجهة ووقود الطائرات"

ظهرت كذلك فجوة بشرية وثقافية نتيجة انتشار الأمية وضعف التأهيل الفني. فلم يكن يجيد القراءة والكتابة باللغة الأم سوى 13% فقط من المرشحين الأفغان للخدمة في سلاح الجو، في حين تطلَّب تشغيل وصيانة الطائرات الأمريكية فهم كتيبات تقنية باللغة الإنجليزية. ولهذا اضطر المستشارون الأمريكيون إلى تعليم بعض المجندين أساسيات القراءة والكتابة قبل تدريبهم على اللغة الإنجليزية والمفاهيم التقنية. وقد بلغ معدل الفشل بين الطيارين الأفغان المتدربين على قيادة المروحيات نحو 26%، وهو معدل يفوق بنحو 3 مرات معدل الفشل بين طلاب الطيران الجامعيين في القوات الجوية الأمريكية.

مصدر الصورة ضابط أمريكي يشرح لطيارين أفغان استخدام جهاز تحديد المواقع العالمي خلال محاضرة في قاعدة قندهار (الفرنسية- أرشيف)

بناء الاعتمادية

مرَّ برنامج دعم القوات الجوية الأفغانية بمرحلتين رئيسيتين. ركزت الأولى، بين عامي 2005-2014، على النقل الجوي والدعم اللوجستي للقوات البرية الأفغانية عبر طائرات الشحن والمروحيات، حيث رفعت الولايات المتحدة حجم سلاح الجو الأفغاني إلى 57 طائرة بينها 35 مروحية من طراز "ميل مي – 17" (Mil Mi-17) السوفيتية الأصل، التي اشترتها الولايات المتحدة من شركات روسية. غير أن تلك المرحلة شهدت حادثة تركت أثرا عميقا في علاقة المستشارين الأمريكيين بالمتدربين، بعدما قتل طيار أفغاني 9 مستشارين أمريكيين داخل مطار كابول الدولي عام 2011، ما دفع إلى تشديد إجراءات الحماية وخلق أجواء من الشك وانعدام الثقة.

أما المرحلة الثانية، الممتدة بين عامي 2015-2021 مع بدء مهمة "المساعدة الأمنية"، فقد ركزت على تطوير قدرات الهجوم الجوي الليلي، والاستطلاع والمراقبة الجوية، وعمليات مكافحة الإرهاب، حيث زُوِّدَت قوات العمليات الخاصة الأفغانية بطائرات استطلاع مجهزة بأجهزة استشعار كهروضوئية وأنظمة تصوير بالأشعة تحت الحمراء وأجهزة تحديد أهداف بالليزر.

"التجربة كشفت أن واشنطن بَنَت منظومة تعتمد على الدعم الأمريكي بصورة شبه كاملة"

لكن التجربة كشفت أن واشنطن بَنَت منظومة تعتمد على الدعم الأمريكي بصورة شبه كاملة. وقد ظهر ذلك بوضوح في قرار واشنطن عام 2017 استبدال المروحيات الروسية، والتي يعرف الأفغان تشغيلها وصيانتها، بمروحيات بلاك هوك الأمريكية الأكثر تعقيدا، رغم أن سعة الواحدة منها تعادل نصف سعة نظيرتها الروسية، فضلا عن معاناتها من صعوبات تشغيلية في الأجواء الحارة. وبرَّر المسؤولون الأمريكيون القرار بالعقوبات المفروضة على روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، وما ترتَّب عليها من صعوبات في الحصول على قطع الغيار الروسية.

إعلان

وامتدت هذه التبعية إلى مجالات الاستخبارات والتخطيط العملياتي والإمداد، حتى بالنسبة للقوات الخاصة الأفغانية التي اعتُبرت الأكثر كفاءة داخل المؤسسة العسكرية. فقد اعتمدت تلك القوات على الأمريكيين في الاستطلاع والتنسيق الجوي والتخطيط والإسناد، كما جُهِّزَت لتنفيذ عمليات قصيرة لا تتجاوز 72 ساعة. ومع نمو حجمها، برز ما وصفه عالم الاجتماع العسكري روجر بومونت في كتابه الصادر عام 1974 بعنوان "النخب العسكرية" بـ"دورة الاختيار والتدمير"، فمع انتقال أفضل العناصر إلى القوات الخاصة، تُدفع هذه الوحدات إلى تنفيذ مهام عالية الخطورة تتسبب عادة بخسائر أكبر، ما يؤدي إلى استنزاف أكثر العناصر كفاءة داخل الجيش.

مصدر الصورة جنود تابعون للجيش الأفغاني ينزلون من مروحية من طراز "مي-17" خلال مناورة عسكرية عام 2017 (الفرنسية)

بدا هذا النمط جليا في الحالة الأفغانية مع تحوُّل قوات النخبة، بعد تراجع الدعم الجوي الأمريكي، إلى فرق تدخل سريع تُرسَل لإنقاذ الحاميات المُحاصَرة، حتى استُنزفت بالكامل. وقد اعتمدت الحكومة الأفغانية إستراتيجية تقوم على نشر نحو 1200 نقطة تفتيش وحامية صغيرة في أنحاء البلاد لمنع طالبان من السيطرة على الأرض، ما أدى إلى تشتيت القوات واعتمادها على الإمدادات والتعزيزات الجوية بسبب الطبيعة الجغرافية الوعرة لأفغانستان.

"الحكومة الأفغانية ورثت من الجيش الأمريكي أكثر من 200 قاعدة تحتاج إلى الإمداد الجوي، في حين لم تملك القدرة إلا على دعم 80 قاعدة فقط"

ويشرح نائب وزير الدفاع الأفغاني السابق شاه محمود آثار هذه السياسة بقوله إن معظم نقاط التفتيش أُنشئت لدعم القوات الدولية، وتحوَّلت إلى أهداف سهلة عديمة الفائدة. وأضاف أن بعضها استمر في العمل حتى بعد سنوات من مغادرة القوات الأمريكية للمناطق المحيطة، لأن إغلاقها كان سيُفسَّر سياسيا على أنه انسحاب للحكومة من تلك المناطق. كما أقر أمر الله صالح نائب الرئيس الأفغاني السابق بأن الحكومة ورثت من الجيش الأمريكي 210 من القواعد تحتاج إلى الإمداد الجوي، في حين لم تملك القدرة إلا على دعم 80 قاعدة فقط، مضيفا: "هذا جعلنا مهزومين نفسيا".

وقد تسارع الانهيار بعد الانسحاب الأمريكي المفاجئ من قاعدة بغرام، أكبر قاعدة جوية في أفغانستان، في يوليو/تموز 2021 دون تنسيق مع الحكومة الأفغانية، ما عمَّق الشعور بالتخلي، في وقت كانت فيه طالبان تعزل القواعد العسكرية تباعا وتعرض العفو مقابل الاستسلام، مستفيدة من الانهيار والتخبط داخل القوات الحكومية.

انهيار الحكومة الأفغانية تسارع بعد الانسحاب الأمريكي المفاجئ من قاعدة بغرام أكبر قاعدة جوية في أفغانستان (الفرنسية)

وعبر القائد الأفغاني لقاعدة بَغرام، الجنرال مير أسد الله كوهستاني، عن مرارة ما جرى، كاشفا أنه لم يعلم بانسحاب القوات الأمريكية إلا بعد ساعات من حدوثه. وقال إن القوات الأمريكية غادرت دون إبلاغهم، بل قطعت الكهرباء أثناء انسحابها، ما فتح الباب أمام اللصوص لاقتحام القاعدة ونهبها. في المقابل، برَّر المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية الانسحاب المفاجئ باعتبارات أمنية تشغيلية.

وفي النهاية، شدد ديفيد كيلكالِن وغريغ ميلز على أن مؤشرات الانهيار كانت واضحة منذ سنوات، لكن جرى تجاهلها لأنها لم تنسجم مع السردية السياسية الأمريكية القائمة على الحديث عن "إحراز تقدم" واقتراب "إنجاز المهمة". ونقلا عن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية مارك ميلي قوله، بعد 3 أيام من فرار الرئيس أشرف غني من كابول، إن الحكومة الأفغانية انهارت بسرعة أكبر مما توقعه الجميع. فقد كانت التقديرات الاستخبارية الأمريكية تتوقع احتمال انهيار سريع، لكنها قدَّرت أن ذلك قد يستغرق أسابيع أو أشهرا، وربما سنوات بعد الانسحاب الأمريكي، لا أحد عشر يوما فقط.

خردة تخلصت منها القوات الأمريكية بعد انسحابها من قاعدة باغرام الجوية عام 2021 (الأوروبية)

تجربة العراق

في الحالة العراقية، كانت الولايات المتحدة قد قضت عمليا على القوة الجوية العراقية قبل وأثناء غزو عام 2003. وبعد إسقاط نظام صدام حسين، حلَّت واشنطن الجيش العراقي، ثم شَرَعت في إعادة بنائه وفق تصوُّر يركز على الأمن الداخلي. ولم تتضمن الخطة الأمريكية إنشاء قوة جوية، لكن تصاعد المقاومة العراقية دفع صناع القرار الأمريكيين، بحلول عام 2004، إلى تبني مشروع لبناء قوات مسلحة عراقية متكاملة تشمل سلاحا جويا جديدا لمساندة عمليات مكافحة التمرُّد. وفور تكليفها بالمهمة، نشرت القوات الجوية الأمريكية مستشارين جويين داخل العراق، لكن حادثة سقوط طائرة عام 2005 ومقتل خمسة طيارين أمريكيين دفعتها إلى وقف بعض أنشطتها.

"لم تتضمن الخطة الأمريكية إنشاء قوة جوية للعراق، لكن تصاعد المقاومة العراقية دفع صناع القرار الأمريكيين لتغيير توجههم"

وبحلول نهاية عام 2011، قُدر عدد أفراد القوات الجوية العراقية بنحو 5000 عنصر يمتلكون قرابة 80 طائرة، بمتوسط 350 طلعة جوية أسبوعيا. لكن رغم هذا التطور النسبي، غادر المستشارون الأمريكيون العراق قبل اكتمال المشروع، بعد فشل التوصل إلى اتفاقية أمنية تسمح ببقاء القوات الأمريكية. وقد أشار آخر قائد لبعثة المستشارين الأمريكيين إلى أن القوات الجوية العراقية حافظت على صلاحية 56% فقط من طائراتها وفق المعايير الأمريكية، بينما لم تتجاوز النسبة 22% بالنسبة للمروحيات العراقية التي كان الفنيون المحليون مسؤولين عن صيانتها.

إعلان

ومع صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عام 2014 وسيطرته على الموصل، عادت الولايات المتحدة مجددا، فأرسلت نحو 1200 مستشار لدعم القوات العراقية، لكنهم وجدوا مؤسسة جوية تعاني من الفوضى التنظيمية والتقنية، بعدما أضاف العراق طائرات ومعدات من روسيا والصين وإيران ودول أخرى، مُشغِّلا بذلك أكثر من 12 نوعا مختلفا من الطائرات.

أفراد من القوات الجوية العراقية بجوار مروحيات روسية الصنع خلال تدريب عسكري في قاعدة بسماية عام 2011 (الفرنسية)

ورغم أن بعض برامج التدريب أظهرت نتائج جيدة وفق المعايير الأمريكية، فإن حواجز اللغة والتعليم ظلت عقبة أساسية. فلم يكن كثير من المجندين العراقيين قادرين على قراءة التعليمات الفنية الخاصة بالصيانة باللغة الإنجليزية، كما أعيد 4 من أصل 10 طيارين عراقيين أُرسلوا إلى الولايات المتحدة عام 2011 لتعلم قيادة طائرات "إف-16" بسبب ضعف مستواهم في اللغة الإنجليزية.

وقد مثَّل برنامج طائرات "إف-16" ذروة الطموح الأمريكي لبناء قوة جوية عراقية حليفة. فقد بلغت قيمة صفقة شراء 36 طائرة نحو 4 مليارات دولار. غير أن المشروع واجه مشكلات جمة؛ لأن تشغيل هذا النوع من الطائرات يتطلب خبرات وتخصصات لم تكن موجودة داخل القوات الجوية العراقية التي لم يسبق لها تشغيل طائرات أمريكية من هذا النوع.

"لم تكن الطائرات العراقية قادرة على تنفيذ دعم جوي قريب للقوات البرية أو الاشتباك مع أهداف متحركة، واقتصرت مهامها غالبا على ضرب أهداف ثابتة مُعدَّة مُسبقا"

ورغم دخول طائرات "إف-16" الخدمة بدعم من المستشارين الأمريكيين وشركات المقاولات الدفاعية الأمريكية، فإن مساهمتها في الحرب ضد تنظيم الدولة بقيت محدودة. فلم تكن الطائرات العراقية قادرة على تنفيذ دعم جوي قريب للقوات البرية أو الاشتباك مع أهداف متحركة، واقتصرت مهامها غالبا على ضرب أهداف ثابتة مُعدَّة مُسبقا. وفي المقابل، لعبت المروحيات دورا أهم بفضل بساطتها وسهولة استخدامها.

لكن العقبة الأكبر ظلت في رأس المال البشري. فقد اعتمد تشغيل طائرات "إف-16" وصيانتها بدرجة كبيرة على المقاولين الأمريكيين، الذين توَّلوا تحميل الذخائر، وإجراء الفحوص الفنية، والإشراف على العمليات. وحتى بعد سنوات من شراء الطائرات، ظلت القوات العراقية عاجزة عن تحمل المسؤولية التشغيلية الكاملة بسبب ضعف التدريب، والحواجز اللغوية، والفجوات التقنية، بحسب مركز راند.

طائرة "إف-16" على مدرج قاعدة بلد الجوية في محافظة صلاح الدين عام 2015 (الأناضول)

دروس العراق وأفغانستان

تكشف تجربتا العراق وأفغانستان أن الولايات المتحدة لم تعمل بجدية على بناء قوات جوية مستقلة، بقدر ما أنشأت منظومات تعتمد على الوجود الاستخباري واللوجستي والفني الأمريكي. ولهذا بدت تلك القوات قادرة على العمل طالما استمرت المظلة الأمريكية، لكنها سرعان ما فقدت قدرتها على القتال بفاعلية بمجرد تقلص الدعم أو انسحاب المتعاقدين والخبراء.

إن بناء قوات جوية حديثة لا يقتصر على شراء الطائرات، إذ يتطلب نقل المعرفة التقنية، وتطوير منظومات قيادة وصيانة وإمداد مستقلة، وهي عملية طويلة ومكلفة، قد تنتج في النهاية شريكا أقل اعتمادا على واشنطن وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عنها.

ومن هنا، فإن دروس العراق وأفغانستان تتجاوز حدود هاتين التجربتين، وتكشف المعضلة الكامنة في نموذج بناء الشركاء الأمريكي، إذ إن واشنطن تريد حلفاء يقاتلون نيابة عنها أو إلى جانبها، لكنها تبدو غير مستعدة لتحمل كلفة بناء قوة ذات استقلالية قد تتحوَّل لاحقا تحت ظروف مُتغيِّرة إلى لاعب خارج السيطرة الأمريكية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا