حذر مركز مركز ألما للأبحاث والتعليم الإسرائيلي من أن فرص نجاح المفاوضات المباشرة الجارية بين إسرائيل ولبنان في التوصل إلى اتفاق سلام يلبي الاحتياجات الأمنية للطرفين تبقى "منخفضة للغاية"، مشيرا إلى أن الفجوات بين مواقف الجانبين كبيرة، وأن الحكومة اللبنانية تواجه صعوبة فعلية في تنفيذ أي التزامات أمنية، حتى في حال وجود إرادة سياسية جزئية.
وأوضح التقرير أن الجولة الثالثة من المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، بوساطة أميركية، عقدت يومي 14 و15 أيار/مايو، في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي وحزب الله تبادل الهجمات اليومية رغم وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ ليل 17-18 نيسان/أبريل.
وأضاف أن وزارة الخارجية الأميركية وصفت اللقاء بأنه "محادثات مثمرة"، وأعلنت تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 45 يوما لإفساح المجال أمام استمرار المفاوضات. ووفقا للجدول الزمني الذي أشار إليه التقرير، من المتوقع استمرار المحادثات السياسية والدبلوماسية خلال حزيران/يونيو، بينما يبدأ المسار الأمني، الذي وصفه التقرير بأنه "الأكثر حساسية"، في 29 أيار/مايو.
لكن التقرير اعتبر أن هناك "فجوة عميقة" بين هذه المواقف والواقع الميداني، موضحا أن الحكومة اللبنانية لا تفرض سيادتها على حزب الله ، الذي وصفه بأنه أقوى تنظيم عسكري وسياسي واجتماعي في البلاد، وكان جزءا من معظم الحكومات اللبنانية خلال العقدين الماضيين. وأشار التقرير إلى أن هذا الواقع مستمر منذ صدور قرار مجلس الأمن الدولي 1559 عام 2004، الذي دعا إلى نزع سلاح حزب الله وبقية الميليشيات في لبنان عقب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.
في المقابل، أكد التقرير أن إسرائيل تطالب بنزع سلاح حزب الله بشكل "فعلي وقابل للتحقق" كشرط مسبق لأي انسحاب من جنوب لبنان أو وقف للهجمات، معتبرة أن أي تسوية لا تعالج قدرات الحزب العسكرية لن تشكل سوى "هدنة مؤقتة" وليس تغييرا استراتيجيا. وأضاف أن إسرائيل تنظر إلى حزب الله باعتباره "وكيلا للجمهورية الإسلامية الإيرانية" يسعى إلى تدمير إسرائيل، وقد خاض ضدها حروبا في أعوام 2006 و2023 و2026، بينما واصل خلال الفترات الفاصلة تطوير قدراته العسكرية وإعداد خطط هجومية تشمل الصواريخ والطائرات المسيرة وعمليات التوغل.
وأشار التقرير إلى أن حزب الله يرفض بشكل كامل المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، ويرفض الاعتراف بأي اتفاق ينتج عنها. واستشهد بتصريحات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في 12 أيار/مايو، والتي أكد فيها أن الحزب يقبل فقط بالمفاوضات غير المباشرة، معتبرا أن مجرد عقد لقاءات مباشرة يمثل "مكسبا صافيا لإسرائيل" و"تنازلات مجانية" من الدولة اللبنانية.
وأضاف التقرير أن قاسم شدد على أن سلاح حزب الله ليس جزءا من المفاوضات مع إسرائيل، بل "شأن لبناني داخلي" يمكن بحثه فقط ضمن استراتيجية أمن قومي لبنانية مستقبلية، مع الحفاظ على "المقاومة". كما جدد الحزب مطالبه بوقف النشاط الإسرائيلي برا وبحرا وجوا، والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، والإفراج عن الأسرى، وعودة السكان، وإعادة إعمار مناطق القتال.
ووفقا للتقرير، يعتبر حزب الله أن المفاوضات المباشرة تمثل خضوع الحكومة اللبنانية للضغوط الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى كونها "خيانة للشعب اللبناني".
ورأى التقرير أن المقاربة الأميركية والدولية تستند إلى تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية عبر الاستثمارات الاقتصادية وبرامج التدريب ودعم الجيش اللبناني، على أساس أن تقوية الدولة ستؤدي تدريجيا إلى إضعاف حزب الله.
لكن التقرير اعتبر أن المشكلة لا تتعلق فقط بقدرات الجيش اللبناني، بل أيضا "بانعدام الرغبة" في مواجهة حزب الله عسكريا، بسبب الخشية من الانزلاق إلى حرب أهلية، إلى جانب الطبيعة الطائفية للجيش اللبناني، حيث يشكل الشيعة نحو نصف الجنود والضباط، وكثير منهم تربطهم علاقات عائلية بعناصر من حزب الله، فضلا عن وجود روابط مباشرة وغير مباشرة بين بعض عناصر الجيش والحزب. كما أشار إلى ما وصفه بـ"السياسة التصالحية" التي ينتهجها قائد الجيش العماد رودولف هيكل.
وأضاف أن المجتمع الدولي لا يزال ينظر إلى الجيش اللبناني باعتباره بديلا مستقبليا لحزب الله في جنوب لبنان، في حين أن الجيش يعمل حاليا بالتنسيق مع الحزب أو بغض الطرف عن نشاطه، بل ويساعده في إخفاء مخازن الأسلحة والنشاط العسكري في الجنوب، بحسب التقرير.
وذكر التقرير أنه منذ إعلان وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل وحتى وقت إعداد التقرير، نفذ حزب الله 384 موجة هجمات ضد إسرائيل، تركزت على القوات الإسرائيلية العاملة في جنوب لبنان، بينما نفذت إسرائيل 534 موجة غارات جوية، بينها غارة واحدة على بيروت و15 غارة في منطقة البقاع.
وأكد التقرير أن لدى إسرائيل مصلحة في الحفاظ على قناة دبلوماسية مع الحكومة اللبنانية من أجل التنسيق والحفاظ على الشرعية الدولية لعملياتها الأمنية، لكنه شدد على أن أي اتفاق سياسي مع بيروت لا ينبغي اعتباره قادرا على إحداث تغيير جوهري في الواقع الأمني.
وأضاف أن احتمال أن يؤدي أي اتفاق إلى نزع سلاح حزب الله فعليا أو تقليص نفوذه أو ضمان الأمن لسكان شمال إسرائيل يبقى "ضئيلا للغاية"، طالما يواصل الحزب العمل بوصفه "دولة داخل الدولة" على المستويين العسكري والخدماتي. واعتبر أن أي اتفاق مع إسرائيل سيبقى "مجرد حبر على ورق".
ودعا التقرير إلى منح الجيش الإسرائيلي "حرية عمل" ضد حزب الله داخل لبنان، بما يشمل استهداف قياداته، وهياكل القيادة، والبنية التحتية للإنتاج، وطرق التهريب، ومخازن الأسلحة، وقدرات بناء القوة، والبنية التحتية المدنية.
كما حذر من أن كل يوم يمر في ظل وقف إطلاق النار في بيروت والبقاع يمنح حزب الله فرصة لتعزيز قدراته، سواء عبر الأنشطة المالية أو إنتاج وتهريب الأسلحة أو تدريب العناصر والقادة وتجديد الخطط العملياتية ضد إسرائيل، معتبرا أن ذلك يطيل أمد القتال في جنوب لبنان ويمكّن الحزب من التحضير لمواجهة طويلة ولكن محدودة مع إسرائيل.
وفي ختام التقرير، شدد التقرير على أن تعزيز الجيش اللبناني وحده لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع ما وصفه بـ"سقوط الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، وتحرك دولي ضد الأنشطة المالية لحزب الله حول العالم، وممارسة ضغوط على الحكومة اللبنانية للانتقال "من الأقوال إلى الأفعال"، وصولا إلى بناء تفاهمات مع إسرائيل "تستحق الورقة التي تكتب عليها".
المصدر:
يورو نيوز