آخر الأخبار

مجلس البرامكة.. طقوس شاي سودانية تصنع تقليدا اجتماعيا فريدا

شارك
يتميّز مجلس البرامكة بتنظيم دقيق يشبه المؤسّسات الرسمية، حيث تُوزَّع الأدوار بوضوح، بدءًا من إشعال النار لغلي الشاي، مرورًا بعملية صبّه وتوزيعهصورة من: Sarah El Deeb/AP Photo/picture alliance

للشاي حضورٌ خاص في الحياة اليومية السودانية ، إذ تتجاوز عادات شربه عند قبائل البقارة"وهي قبائل عربية تعيش في السودان وتشاد وتعتمد على تربية الأبقار والتنقّل بحثًا عن المراعي، وتتركز أساسًا في إقليمي دارفور و كردفان بغرب السودان "كونها ممارسة يومية، لتتحوّل إلى طقس اجتماعي له قواعده وهيبته ودلالاته العميقة. ومن هذا السياق نشأ مجلس البرامكة، حيث لم يعد الشاي مجرد مشروب، بل وسيلة للتربية الاجتماعية وتعزيز التكافل داخل المجتمع.

ووفق المجلس القومي للتراث الثقافي وترقية اللغات القومية، يُقاس سلوك الفرد داخل مجلس البرامكة بمدى التزامه بقوانينه؛ فإمّا أن يكون برمكيًا ملتزمًا بتقاليد المجلس وآدابه، أو يُوصم بـ الكمكلي، في دلالة على الجهل بأصول المجلس أو الاستخفاف بقيمه وأعرافه.

ويرتبط مصطلح البرمكة تاريخيًا بالكرم، إذ تعود جذوره إلى الأسرة البرمكية ذات الأصل الفارسي، التي ارتبط اسمها تقليديًا بإكرام الضيف وحسن التدبير، وبرزت بقوة في العصر العباسي، ما أسهم في ترسيخ الدلالة الرمزية للاسم بوصفه مرادفًا للسخاء والمروءة.

كيف يُدار "دستور" البرامكة؟

ويتميّز مجلس البرامكة بتنظيم دقيق يشبه المؤسّسات الرسمية، حيث تُوزَّع الأدوار بوضوح، بدءًا من إشعال النار لغلي الشاي ، مرورًا بعملية صبّه وتوزيعه، وصولًا إلى مراقبة التزام الأعضاء بتقاليد المجلس، والفصل في المخالفات وإصدار الأحكام بشأنها. لذلك لا تُعد هذه المجالس مجرد لقاءات للتسامر، بل فضاءات تحكمها تقاليد راسخة وقوانين عرفية صارمة، يشكّل احترام طقوس الشاي والالتزام بآدابه جوهرها الأساسي.

وفي إطار هذا التنظيم الصارم، يتّسع دور المجلس ليشمل وظائف اجتماعية متعددة، إذ تتنوّع جلساته بحسب المناسبة؛ فقد تُعقد للسمر وتبادل الحديث، أو للمساعي الحميدة وحلّ النزاعات، أو كمجلس للمحاكمة العرفية، كما قد تتحوّل إلى ساحة احتفال في المناسبات الكبرى، بما يعكس الدور الاجتماعي المتشعّب الذي يضطلع به مجلس البرامكة داخل المجتمع في غرب السودان .

ويحضر الشعر بقوة داخل مجلس البرامكة، بوصفه وسيلة للتعبير عن القيم الاجتماعية، حيث يُشيد شعراؤه بالكرم والشهامة والمروءة والبطولات، ويمدحون النساء المحافظات على الأعراف، مقابل نقد السلوكيات التي تخرج عن هذه القيم.

ولا يُقدَّم في مجلس البرامكة أي مشروبٍ غير الشاي، ويُمنع العضو من وضع الكوب على الأرض قبل ارتشافه بالكامل، كما يُحظر ترك أي مقدار منه، ولو كان يسيرًا، لما يُعدّ ذلك انتقاصًا من قيمته الرمزية.

وتشمل المخالفات أيضًا القيام بأي حركة من شأنها تشتيت المتبارين بالشعر، الغناء الشعبي أو دخول المجلس والانصراف منه من دون إذن المسؤول عن مراقبة الالتزام بالقوانين، وفقًا لصحيفة السفير.

الشاي "قاضيًا" في مجلس البرامكة

وتخضع هذه المخالفات لنظام قضائي شعبي تتدرج عقوباته من التنبيه والغرامة المالية إلى الحرمان من الجلوس، وقد تصل في بعض الحالات إلى النبذ الاجتماعي، في نظام رمزي يتخذ من الشاي مركزًا له. ورغم صرامة هذه القواعد، يظل باب الانضمام إلى مجلس البرامكة مفتوحًا أمام الجميع، شريطة الالتزام الكامل بقوانينه،

ومن جهةٍ أخرى، تعكس ممارسات مجلس البرامكة منظومة قيم تمتد إلى الحياة العامة لأعضائه، حيث يُنظر بعين التحفّظ إلى بعض السلوكيات، مثل تناول الطعام في الأسواق، لا سيما بالنسبة للنساء، أو ارتداء الملابس غير اللائقة، أو التواجد في أماكن لا تنسجم مع مكانة الفرد ومسؤوليته الاجتماعية.

ويُعدّ احترام النساء وكبار السن والأطفال من أبرز السمات التي تميّز هذا المجلس، بوصفها قيمة راسخة تعبّر عن طبيعة الثقافة المجتمعية التي نشأ في إطارها.

ويبقى مجلس البرامكة مرصداً اجتماعياً وعرفياً قائماً بذاته، تُطبَّق فيه القوانين من على حوافّ كأس الشاي.

DW المصدر: DW
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا