آخر الأخبار

كيف تبدو تجربة السفر على متن قطار النوم الهندي الفاخر الجديد؟

شارك
مصدر الصورة

يجذب أول قطار نوم ضمن أسطول "فاندي بهارات" الهندي شبه فائق السرعة اهتماماً واسعاً في البلاد، وسط إقبال كبير من الركاب على التقاط صور السيلفي واستكشاف تجربة السفر داخله.

لكن كيف تبدو الرحلة على متن هذا القطار الذي تحول إلى حديث الهنود؟

كانت الصواعق تلمع فوق محطة هاورا جانكشن في مدينة كلكتا، بينما كانت الأمطار تهطل بغزارة على الرصيف السادس، لكن الركاب المنتظرين بالكاد بدوا منتبهين لذلك، إذ انشغلوا بالتزاحم ورفع هواتفهم لالتقاط صور سيلفي إلى جانب المقدمة الانسيابية البرتقالية والسوداء والرمادية لأحدث ما يشغل عشاق السكك الحديدية في الهند: قطار "فاندي بهارات إكسبرس" للنوم.

وأُطلق القطار في يناير/كانون الثاني 2026، ليصبح أول قطار نوم ضمن أسطول "فاندي بهارات" شبه فائق السرعة، وهي سلسلة قطارات يفتخر الهنود بها منذ بدء تشغيلها عام 2019.

وسرعان ما انتشرت مقاطع رحلات القطار الأولى على نطاق واسع عبر الإنترنت، وحتى عندما زرت كلكتا بعد ثلاثة أشهر، لم تكن موجة الحماس قد خفتت، إذ كانت الأسرة الـ823 في القطار لا تزال تُحجز بالكامل قبل أسابيع من موعد الرحلات.

رمز للهند

يعني اسم "فاندي بهارات" باللغة السنسكريتية "تحية للهند".

وقد جرى تصميم وبناء القطار داخل الهند، ويُروَّج له باعتباره نسخة أكثر حداثة ونظافة مقارنة بقطارات المسافات الطويلة القديمة في البلاد، مع مقدمة انسيابية، وأبواب أوتوماتيكية منزلقة، وتصميمات داخلية مريحة.

ووصفت صحيفة تايمز أوف إنديا عربات النوم بأنها "مذهلة" و"فاخرة"، وهي أوصاف نادراً ما ترتبط بقطارات المسافات الطويلة في الهند.

كما شارك رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي شخصياً في إطلاق العديد من قطارات "فاندي بهارات"، ما ساهم في زيادة الفضول الشعبي حولها وتحويلها إلى رمز لطموحات الهند.

ما تكلفة الرحلة؟

تبلغ تكلفة التذكرة على خط كلكتا - غواهاتي الكامل نحو 2,400 روبية هندية (25 دولاراً أمريكياً) في الدرجة الثالثة، حيث تضم كل مقصورة مفتوحة ستة أسرة.

أما في الدرجة الثانية، فتبلغ التكلفة نحو 3,100 روبية هندية (33 دولاراً أمريكياً)، وتضم المقصورة أربعة أسرة تفصل بينها ستائر.

وفي الدرجة الأولى، تصل تكلفة السرير إلى نحو 3,800 روبية هندية (40 دولاراً أمريكياً)، داخل مقصورة مغلقة يتشاركها أربعة ركاب.

وتُشغَّل خدمة قطار النوم الجديدة ست مرات أسبوعياً في كل اتجاه بين كلكتا بولاية البنغال الغربية وغواهاتي بولاية آسام، في رحلة تستغرق نحو 14 ساعة، مقارنة بما يصل إلى 18 ساعة في القطارات القديمة.

ومع بلوغ متوسط الأجور الشهرية في الهند نحو 21 ألف روبية (222 دولاراً أمريكياً)، تبقى حتى أرخص التذاكر بعيدة عن متناول كثيرين، لذلك، يستهدف القطار بدرجة كبيرة رجال الأعمال، باعتباره خياراً أكثر راحة من السفر جواً بين اثنين من أبرز المراكز التجارية في البلاد.

لكن الخط لا يقتصر على المسافرين لأغراض العمل فقط، إذ تضم غواهاتي معبد كاماخيا الواقع على قمة تل، وهو أحد أهم مواقع الحج الهندوسية في الهند.

مصدر الصورة

وبالنسبة للمسافرين، يتوقف القطار أيضاً عند محطة نيُو جالبايغوري، التي تُعد بوابة إلى حقول الشاي الشهيرة في دارجيلنغ.

ومن غواهاتي، يمكن للزوار متابعة رحلتهم إلى مدينة شيلونغ الجبلية، المعروفة باسم "اسكتلندا الشرق" لكثرة شلالاتها وطبيعتها الخضراء، إضافة إلى محمية بوبيتورا للحياة البرية، حيث تتيح رحلات السفاري بسيارات الجيب فرصة مشاهدة وحيد القرن الهندي ذي القرن الواحد.

وقد أغراني مسار الرحلة - إلى جانب فرصة خوض تجربة هذا الجيل الجديد الذي يحظى بكل هذا الاهتمام من قطارات النوم الهندية - فقررت تجربته بنفسي.

أنظف وأسرع وأكثر هدوءاً

بعد صعودي إلى القطار في محطة هاورا جانكشن، شعرت بالارتياح عندما وجدت أن سريري بدا نظيفاً ومرتباً تماماً كما أظهرت المقاطع المصورة التي وثقت تفقد رئيس الوزراء للقطار.

كان بجانب السرير مقبس كهربائي، ومصباح للقراءة، ومنافذ شحن يو إس بي، يو إس بي سي، إضافة إلى أغطية نظيفة وبطانية ووسادة.

وسرت داخل العربة مرتدياً الجوارب براحة تامة، وهو أمر كان سيبدو مستحيلاً من شدة الاتساخ في بعض قطارات النوم الهندية القديمة التي سافرت على متنها سابقاً.

وعند الساعة 6:20 مساءً، انطلق القطار في موعده تماماً.

صافحت جاري في السرير الأقرب إليّ، وهو مفتش متقاعد حديثاً في هيئة السكك الحديدية الهندية، كان يرتدي قميصاً أرجوانياً أنيقاً.

وقال لي إنه يستقل القطار "فقط لخوض تجربة جديدة… فهذا هو القطار الجديد، وهناك الكثير من الأشياء الجديدة هنا".

ثم فتح الغلاف الورقي البني الذي يحتوي على أغطية السرير المخصصة له، والتقط صورة لشعار "سكك الحدود الشمالية"، المنسوج داخل الزخارف الزهرية على القماش.

ومن حولنا، استقر الركاب بهدوء، بينما ظل صوت القطار الخافت يشكل خلفية مستمرة للرحلة.

مصدر الصورة

لطالما أثارت قطارات النوم الهندية مشاعر متناقضة تجمع بين الإعجاب والرهبة؛ فهي تُعد رمزاً لرحلات السفر البطيئة والمغامِرة، لكنها ارتبطت أيضاً بعربات فوضوية ودورات مياه مرهقة للمسافرين.

وبعد إطلاق قطار "فاندي بهارات" للنوم، أثار منشور لأحد موظفي السكك الحديدية الهندية - دعا فيه الركاب إلى عدم استقلال القطار "إلا إذا كانوا قد تعلموا آداب استخدام المراحيض" - جدلاً واسعاً، كما تسبب مقطع فيديو أظهر نفايات متناثرة داخل إحدى العربات بحالة استياء كبيرة على الإنترنت.

لكن خلال رحلتي، بقيت دورات المياه المعدنية اللامعة - سواء الغربية أو التقليدية التي تعتمد وضعية القرفصاء - نظيفة طوال الوقت، وبدا أن الموظفين يدركون جيداً حجم النقاش الدائر عبر الإنترنت حول نظافة القطار.

وبعد وقت قصير من انطلاق الرحلة، مر عامل نظافة يحمل مكنسة كهربائية لاسلكية قرب سريري، بحثاً عن أول ذرات غبار في المساء.

عرف الرجل نفسه باسم راجو ناث، ثم دعاني لزيارة "دورة المياه المفضلة لديه"، وبابتسامة عريضة، أشار إلى المرحاض الغربي النظيف وستارة الاستحمام المرتبة بعناية، قبل أن يضغط على موزع بلاستيكي أطلق رائحة زهرية عطرة.

وفي مكان قريب، كان موظف آخر يضع كمامة يسكب أكواب الشاي بعناية.

وبسرعة قصوى تصل إلى 180 كيلومتراً في الساعة، يُقدَّم قطار "فاندي بهارات" باعتباره نموذجاً للطموح والابتكار الهندي، لكن على متنه بدا أن الفخر لا يقتصر على التكنولوجيا وحدها، بل يشمل أيضاً هذه التفاصيل الصغيرة من النظام والاهتمام بالنظافة.

وقال ناث: "قطار جميل ونظيف"، مشيراً إلى الشعار المطرز على سترته الصفراء الفوسفورية، والذي يُظهر عامل نظافة مبتسماً يحمل مكنسة ودلواً.

كما بدا القطار أكثر هدوءاً وانسيابية بشكل ملحوظ مقارنة بقطارات النوم الهندية الأخرى التي استقللتها سابقاً، من دون الأصوات المعدنية الصاخبة والاهتزازات القوية التي كانت ترافق رحلاتي السابقة.

مصدر الصورة

وصفت الحكومة هذه القطارات بأنها تمثل "مرحلة جديدة في خدمات السكك الحديدية الفاخرة للركاب في الهند"، وربطتها بطموحها الأوسع لتحويل الهند رسمياً إلى دولة متقدمة بحلول عام 2047.

وتهدف الحكومة إلى تشغيل 800 قطار من طراز "فاندي بهارات" بحلول عام 2030، على أن يرتفع العدد إلى 4500 قطار بحلول عام 2047.

العشاء والهواتف الصاخبة ونوم هادئ

شملت تذكرتي وجبة عشاء جرى تقديمها إلى سريري مباشرة، وتضمنت أطباقاً من دجاج بالكاري، وعدس، وأرز، وبطاطا مع بروكلي، وخبزاً مسطحاً، إضافة إلى حلوى بالحليب.

وكانت الوجبة نسخة مبسطة تُؤكل على الركبتين من طبق "الثالي" الآسامي، وهو وجبة تقليدية متعددة الأطباق تشتهر بها المنطقة التي يتجه إليها القطار، وكانت لذيذة، وإن قُدمت فاترة قليلاً.

لم يكن النوم سهلاً عندما تمددت لأول مرة على السرير، لكن المشكلة لم تكن في تصميمه، العدو الحقيقي كان هواتف الركاب الآخرين، التي استمرت بإطلاق التنبيهات والرسائل حتى وقت متأخر من الليل.

وبحلول الساعة الثانية فجراً، هدأت أخيراً موجة الإشعارات، فاستسلمت للنوم على وقع الصوت الخافت للعجلات الجديدة فوق السكة، في أجواء تشبه هدوء مقصورة الطائرة.

وبطولي البالغ 1.9 متر، أضطر عادة للنوم في القطارات مع ثني ركبتي قليلاً، لكنني هنا تمكنت من التمدد بالكامل دون القلق من اصطدام قدمي بالركاب المارين.

وبحلول الساعة 6:30 صباحاً، كنت أجلس على أحد الأسرة السفلية، ممسكاً بكوب من الشاي، أراقب البيوت الريفية الخرسانية ذات الأسقف المعدنية، وحقول الأرز المغمورة بالمياه، وأحياناً بقرة وحيدة تمر تحت سماء ملبدة بالغيوم.

ووصل القطار إلى غواهاتي عند الساعة 8:20 صباحاً، تماماً في موعده المحدد.

وقبل مغادرة المدينة بحثاً عن وحيد القرن والتلال الضبابية، التقيت بصانعة المحتوى أنوشيا شارما، المقيمة في غواهاتي، والتي ساهم مقطعها على إنستغرام عن تجربتها في قطار "فاندي بهارات" للنوم في زيادة موجة الاهتمام بالقطار.

وقالت شارما: "أعجبني القطار كثيراً، شعرت أن الناس يعتنون فعلاً بالمكان، ربما لأنه أغلى قليلاً من القطارات العادية… كانوا يفكرون: حسناً، علينا أن نحافظ على نظافته".

مصدر الصورة

أعجبني القطار أنا أيضاً، جزئياً لأن الرحلة الهادئة جعلت النوم ممكناً، لكن السبب الأكبر كان ذاته: شعرت أن هناك عناية حقيقية بالمكان.

فعربات النوم لا تختلف جذرياً من حيث التصميم عن القطارات الهندية القديمة، لكن النظافة غيرت التجربة بالكامل.

وبعد حديثنا عن مقطع الفيديو الذي أظهر عربة مليئة بالنفايات وانتشر على نطاق واسع، سألت شارما إن كانت متحمسة لتجربة القطار مرة أخرى.

فقالت: "كل شيء كان مرتباً ونظيفاً [في رحلتي]، لكنني أريد أن أعود بعد ستة أشهر لأرى كيف سيصبح الوضع حينها. الحكومة قامت بعمل رائع في إنشاء هذا القطار وتقديم هذه الخدمة، لكن الأمر الآن يعتمد على الناس، وعلى كيفية محافظتهم عليه".

وفكرت حينها في راجو ناث، وتمنيت أن يظل بعد عدة أشهر يستعرض بفخر دورة المياه المفضلة لديه داخل القطار.

فالتحدي الحقيقي ربما لا يكمن في قدرة الهند على صناعة قطار نوم فاخر، بل في قدرتها على إبقائه جديداً مع مرور الوقت.

بي بي سي المصدر: بي بي سي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا