تمر العلاقات بين الولايات المتحدة والصين بمرحلة شديدة الحساسية والتوتر، في ظل استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للقيام بزيارة رسمية لبكين، ولقاء نظيره الصيني شي جين بينغ.
وفي خلفية هذه الزيارة، يحتدم جدل سياسي وإعلامي داخل واشنطن حول كيفية إدارة العلاقة مع الصين، التي تُذكر في خطابات مسؤولين أمريكيين على أنها المنافس الأبرز والأكثر خطورة على عدة جبهات في آن واحد.
وفي هذا السياق، لم تعد التحضيرات الخاصة بهذه الزيارة مقتصرة على الترتيبات البروتوكولية، بل باتت الاستعدادات الإعلامية والسياسية جزءا لا يتجزأ من رسم مسارها ونتائجها المتوقعة.
وقد فرضت التحولات التي يشهدها النظام الدولي، إلى جانب المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، قواعد جديدة في إدارة العلاقات بين الدول، بما في ذلك القوى الكبرى التي تجد نفسها مضطرة لتعديل أدواتها وخطابها عند التعامل مع باقي دول العالم.
وبهذه المناسبة، استعرضت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" مجموعة من أحدث وأهم تقاريرها حول العلاقات الصينية الأمريكية، لتقدّم من خلالها تصورا واسعا لهذه المرحلة، استنادا إلى متابعة دقيقة لما يجري في الكونغرس والبيت الأبيض والمؤسسات الأمنية والعسكرية الأمريكية.
وتتناول هذه التقارير ملفات متشابكة تبدأ من دور الأمم المتحدة، وتمتد إلى سباق الفضاء والذكاء الاصطناعي والسيارات الصينية والدفاع الصاروخي والتجسس والتسلح النووي، وتتقاطع جميعها في نقطة واحدة هي: كيف تنظر واشنطن إلى صعود الصين، وكيف تستعد للتعامل معه؟
في التقرير الأول تنقل الصحيفة مضمون جلسة عقدتها لجنة رقابية في مجلس النواب الأمريكي، جرى خلالها وصف الأمم المتحدة بأنها مؤسسة "منتفخة ومكلفة وتحتاج إلى إصلاح، وكثيرا ما تعمل ضد المصالح الأمريكية".
ومع ذلك يحذّر شهود الجلسة من أن انسحاب الولايات المتحدة من هذه المنظمة أو خفض انخراطها فيها سيفتح المجال أمام الصين لتوسيع نفوذها داخلها، ويضع واشنطن في موقع أضعف على صعيد النظام الدولي.
ويعكس هذا الطرح مفارقة واضحة في الموقف الأمريكي، بين انتقاد شديد للأمم المتحدة من جهة، وإدراك عملي من جهة أخرى بأن ترك الساحة للصين قد يكون ثمنه الإستراتيجي كبيرا.
وبالتالي يصبح ملف الأمم المتحدة جزءا من الحسابات المعقدة أمام البيت الأبيض قبل الزيارة المرتقبة، إذ يمكن لأي خطوة متسرعة تجاه المنظمة أن تتحوّل سريعا إلى مكسب سياسي لصالح بكين.
التقرير الثاني يتناول تحذيرات عدد من المشرعين الأمريكيين من أن الصين أصبحت "أخطر تهديد وأهم منافس" للولايات المتحدة في مجال الفضاء، وأنها توظف قدراتها الفضائية "كأداة دبلوماسية ونفوذ" في ظل سباق متسارع نحو القمر.
ويرى هؤلاء المشرعون أن البرنامج الفضائي الصيني لا يقتصر على الأبعاد العلمية، بل يرتبط أيضا بالأمن القومي والتفوق العسكري ومكانة البلدين في النظام الدولي، خاصة أن الفضاء تحوّل إلى ساحة إضافية للصراع بين واشنطن وبكين، إلى جانب الأرض والبحر والفضاء الإلكتروني.
ومع اقتراب موعد زيارة ترمب لبكين، يزداد الضغط على الإدارة الأمريكية لاعتماد موقف متشدد في هذا الملف، على نحو يضيّق هامش الحديث عن تعاون فضائي واسع بين الطرفين.
واستعرضت الصحيفة في التقرير الثالث مشروع قانون أمريكي جديد يلزم وزارة الخارجية بإعداد تقييم شامل لطموحات الصين في مجال الذكاء الاصطناعي، يتضمن تحديد "قادة محددين" في هذا المجال داخل الصين.
ويهدف هذا التوجّه إلى تحويل القلق من صعود القدرات الصينية في الذكاء الاصطناعي إلى سياسة مستندة إلى بيانات عن الشركات والمؤسسات والأفراد المؤثرين في هذا القطاع.
وتتعامل واشنطن -وفق ما يوضحه التقرير- مع الذكاء الاصطناعي باعتباره عنصرا محوريا في موازين القوة الاقتصادية والعسكرية، وليس مجرّد تقنية مدنية أو تجارية، وبذلك يغدو ملف الذكاء الاصطناعي واحدا من أكثر عناصر التوتر حضورا في العلاقات مع بكين، ويضيف عبئا على أي جهود تسعى لإطلاق حوار ثنائي حول التعاون العلمي أو التكنولوجي بالتزامن مع الزيارة.
يسلط التقرير الرابع الضوء على رسالة وجّهها أكثر من سبعين نائبا ديمقراطيا إلى الرئيس الأمريكي، طالبوه فيها بالإبقاء على الحظر المفروض على دخول شركات السيارات الصينية إلى السوق الأمريكية، محذّرين من "عواقب لا رجعة فيها" إذا سمح لتلك الشركات بالوصول إلى السوق.
ويشير التقرير إلى أن توقيت الرسالة، الذي جاء قبل أسابيع قليلة من موعد الزيارة المفترضة لبكين، منح القضية بعدا سياسيا واضحا يتجاوز الطابع التجاري، لأن هذا الملف لا يُطرح هنا باعتباره منافسة اقتصادية فحسب، بل يرتبط أيضا بمخاوف من تأثير دخول السيارات الصينية على الصناعة المحلية، وعلى الأمن الاقتصادي، وعلى ما تحمله هذه المركبات من قدرات تقنية متطورة.
وعليه يمكن أن يتحوّل ملف السيارات الصينية -حسب التقرير- إلى أداة ضغط داخلية تحدّ من قدرة الإدارة الأمريكية على إبرام تفاهمات اقتصادية واسعة مع الصين خلال الزيارة.
تركز الصحيفة في تقريرها الخامس على مشروع " القبة الذهبية" الذي تطرحه إدارة الرئيس الأمريكي كمنظومة جديدة للدفاع الصاروخي، في ظل تأكيد مسؤول رفيع في البنتاغون أمام الكونغرس أن الولايات المتحدة "لا تمتلك دفاعا ضد الأسلحة فرط صوتية أو صواريخ كروز".
ويشير التقرير إلى أن التكلفة المقدّرة للمشروع البالغة نحو 185 مليار دولار، لم تُبدّد حالة الشك داخل الكونغرس بشأن جدواه وفعاليته.
وفي دلالة على أن سباق التسلح بين البلدين تجاوز الأطر التقليدية، تُطرح هذه المنظومة باعتبارها ردا مباشرا على التقدم الذي أحرزته الصين في مجال الأسلحة المتطورة والصواريخ فرط صوتية.
غير أن الانقسام الداخلي حول كلفة المشروع ومخاطره يضيف تعقيدا جديدا إلى النقاش الأمريكي بشأن كيفية التعامل مع ما يُنظر إليه كتصاعد في القدرات العسكرية الصينية، قبيل الاستحقاق الدبلوماسي المقبل في بكين.
طيار أمريكي يتجه نحو منطاد يُشتبه في أنه صيني (أسوشيتد برس)
في التقرير السادس تنقل الصحيفة ما جاء في جلسة استماع بمجلس الشيوخ الأمريكي، حيث اتهم بعض الأعضاء نظام التأشيرات في الولايات المتحدة بأنه يمدّ "السجادة الحمراء" أمام الجواسيس، ويساعد -وفق وصفهم- في جهود الصين لسرقة الابتكار الأمريكي.
ويربط التقرير هذه الاتهامات بالتنافس المحتدم بين الطرفين على الريادة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، حيث يُنظر إلى التجسس وسرقة الملكية الفكرية كأدوات فاعلة في هذا التنافس.
ويساهم هذا الخطاب في ترسيخ صورة لدى جزء من النخبة الأمريكية عن الصين بوصفها طرفا يستغل الانفتاح الأمريكي للحصول على أسرار عسكرية وتكنولوجية، بدلا من الاعتماد على قدراتها الذاتية في الابتكار.
وبناء على ذلك يصبح أي طرح لتوسيع التعاون العلمي أو تسهيل إجراءات التأشيرات للباحثين الصينيين قضية شديدة الحساسية سياسيا في الفترة التي تسبق الزيارة.
غواصات نووية صينية تبحر في بحر الصين (رويترز)وفي تقريرها السابع والأخير تناولت الصحيفة تصريحات سيناتور يشرف على القوات الإستراتيجية الأمريكية، دعا فيها إلى إشراك الصين في أي مفاوضات جديدة للحد من الأسلحة النووية، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة تسريع عملية تحديث الترسانة النووية الأمريكية، بما في ذلك نشر عدد أكبر من القاذفات.
ويوضح التقرير أن هذا الموقف يجمع بين تعزيز الردع من جهة، والسعي لضم الصين إلى إطار منضبط للحد من التسلح من جهة أخرى.
وتعكس هذه الرؤية إدراكا متزايدا في واشنطن بأن الصين باتت طرفا لا يمكن تجاوزه في معادلة القوة النووية العالمية، وأن أي نظام مستقبلي للحد من الأسلحة الإستراتيجية لن يكون مكتمل الأركان دون مشاركتها، كما تؤكد أن ملف التسلح النووي سيظل حاضرا في خلفية أي حوار إستراتيجي رفيع المستوى بين واشنطن وبكين في المدى المنظور.
من خلال هذه التقارير السبعة، ترسم "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" صورة لعلاقات أمريكية صينية تتجه نحو مرحلة من "إدارة التنافس" بدلا من السعي إلى شراكة أو صدام مباشر.
ففي هذه المرحلة تبدو الولايات المتحدة مقيدة بضغوط داخلية تشريعية وإعلامية تدفع نحو التشدد مع الصين، وبحاجتها العملية إلى تجنب تصعيد غير محسوب مع قوة صاعدة تزداد حضورا في المؤسسات الدولية والتكنولوجيا المتقدمة والفضاء والقدرات العسكرية.
في المقابل، تظهر الصين في هذه التغطية كدولة تستثمر في أي فراغ تتركه واشنطن، وتعمل على ترسيخ موقعها كشريك لا يمكن تجاهله وكخصم لا يُستهان به.
وفي ضوء هذا المشهد، تبدو زيارة ترمب لبكين محكومة بسقف واقعي، وحوار هدفه الأساسي منع انزلاق التنافس إلى مواجهة مفتوحة، أكثر من كونه محاولة لإعادة العلاقات إلى مرحلة "الانسجام" التي تبدو بعيدة عن المتناول في الظروف الراهنة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة