تزامن انعقاد القمة التشاورية الاستثنائية التي انعقدت في 28 أبريل/نيسان بمدينة جدة مع تداخل واضح بين التحديات الاقتصادية والاعتبارات الأمنية، في وقت استمرت فيه مفاوضات برعاية باكستان بين أطراف النزاع ضمن هدنة اتسمت بالهشاشة، الأمر الذي طرح تساؤلات حول مدى قابليتها للاستمرار أو البناء عليها.
وبينما ذهبت بعض التقديرات إلى إمكانية تحقيق تقدم في المسار التفاوضي، كشفت المعطيات عن محدودية النتائج، ما أعاد طرح إشكالية جوهرية: هل مثلت تلك الجهود مسارا حقيقيا نحو التسوية، أم إنها اقتصرت على إدارة مؤقتة لأزمة ممتدة تجاوزت آثارها الإطار الإقليمي لتطال الاستقرار الدولي.
أفرزت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران مفارقة إستراتيجية بالغة الدلالة؛ فقد نجحت الآلة العسكرية في توجيه ضربات قاسية للبنية الدفاعية للنظام الإيراني عبر استهداف قياداته العليا وتفكيك جزء كبير من منظوماته البحرية والصاروخية والدفاع الجوي، إلا أن هذه الضربات لم تترجم إلى انهيار مس بنية النظام أو إنهاء وجوده السياسي.
فبدلا من تحقيق الحسم الذي روج له الخطاب السابق للحرب، انتهى المسار إلى طاولة تفاوض تبحث عن إطار جديد للعلاقة، كاشفا بذلك حدود القوة العسكرية البنيوية في إنتاج تسويات سياسية نهائية، ومؤكدا صحة التحليلات التي طالما اعتبرت أن دفع النظام الإيراني الذي يقاد من قبل الملالي إلى "موقع الضعف" سيظل هدفا عصيا على التحقيق.
ومن رحم هذه المفارقة برزت مرحلة يصعب تصنيفها ضمن الثنائية التقليدية للحرب والسلام، وتقترب في جوهرها مما رسخته الأدبيات الإستراتيجية بوصفه حالة "لا حرب ولا سلام" أو الصراع المجمد.
بقاء النظام كتحول لا كاستمرارية
لا يمكن اختزال بقاء النظام الإيراني في صورة كيان سياسي منهك؛ بل ينبغي قراءته بوصفه انتقالا نوعيا من نمط المواجهة المفتوحة إلى نمط أكثر تعقيدا وغموضا.
فعلى الرغم من حجم خسائره، ما زال النظام يحتفظ بأدوات تأثير غير تقليدية، تشمل شبكات الوكلاء الإقليميين، والتهديدات البحرية، والهجمات المحدودة التي يصعب ردعها بالوسائل التقليدية.
كما تمنحه الجغرافيا أوراق ضغط لا يسهل تآكلها، وعلى رأسها إشرافه المباشر على مضيق هرمز وتأثيره غير المباشر على مضيق باب المندب عبر الحوثيين، ما يؤكد أن تراجع القدرات العسكرية التقليدية لا يسلب طهران قدرتها على زعزعة استقرار المنطقة.
في ضوء هذه الأطر المقارنة، تتجه السياسات تجاه إيران نحو إستراتيجية "إدارة التهديد" بدلا من الحسم النهائي. فبدلا من السعي إلى تغيير النظام، قد تميل القوى الكبرى إلى تنفيذ ضربات دورية تعيق إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية، وهو ما يعرف في الأدبيات الإستراتيجية بسياسة "جز العشب".
غير أن هذا النهج، رغم ما يبدو فيه من عقلانية في خفض الكلفة وتجنب الحرب الشاملة، يعاني خللا أساسيا يتمثل في عدم معالجة جذور الصراع، بل احتوائه فقط، ما يرسخ حالة "لا حرب ولا سلام" ويبقي المنطقة في توتر مزمن دون أفق واضح لتسوية نهائية.
إعادة تعريف الردع في البيئة الإقليمية
تفرض هذه الواقعية إعادة تعريف مفهوم الردع في البيئة الخليجية؛ فالردع التقليدي القائم على التهديد بحرب شاملة فقد كثيرا من فاعليته بعدما أدركت جميع الأطراف الكلفة الباهظة للمواجهة الواسعة.
ويتحول الردع هنا إلى آلية تسلب الهجمات المحدودة جدواها السياسية والاقتصادية، عبر اصطدامها بجدار من الحصانة الدفاعية والمرونة البنيوية.
ويتطلب ذلك تعزيز الدفاعات الجوية والبحرية، وتأمين البنية التحتية الحيوية، وحماية استمرارية الاقتصاد؛ فكلما فشلت أدوات الضغط في تحقيق نتائج ملموسة، تراجعت فاعليتها، وهو جوهر الردع في عصر صراعات المنطقة الرمادية ذات الطابع "الهجين" الممتد من الفضاء السيبراني إلى شبكات الإمداد اللوجيستي.
إلى جانب الردع، يبرز مفهوم "المرونة الإستراتيجية" كعامل حاسم في إدارة هذا النوع من الصراعات. فالخبرة الدولية تؤكد أن الطرف الأكثر قدرة على الاستمرار والنمو تحت الضغط، هو من يحقق الغلبة على المدى الطويل.
وفي السياق الخليجي يعني ذلك الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، وضمان تدفق الطاقة، واستمرار ثقة الأسواق والمستثمرين رغم التوترات.
وقد راهنت إيران خلال العقدين الماضيين على عامل الزمن واستنزاف خصومها؛ ومن ثم فإن الرد الأكثر فاعلية يكمن في بناء القدرة على الصمود والاستمرارية، لا مجرد القدرة على الرد العسكري.
لذا، وعلى مستوى إستراتيجي أعمق، تدفع هذه المرحلة دول الخليج إلى إعادة النظر في نموذجها الأمني والانتقال من الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية إلى نموذج "الاستقلال الردعي النسبي".
ولا يعني ذلك التخلي عن التحالفات، بل إعادة تشكيلها كأطر داعمة لنمو القدرات الوطنية بدلا من أن تكون بديلا عنها، على غرار المسار الذي سلكته كوريا الجنوبية خلال العقود الماضية.
فالدول التي تمتلك قدرة ردع مستقلة أقل عرضة للاختبار وأكثر قدرة على احتواء الأزمات، وهو توجه يتماشى مع تسارع جهود توطين الصناعات الدفاعية والاستثمار في مراكز الدراسات الإستراتيجية في الخليج.
لقد أصبح الانتقال من سياسة إدارة المخاطر إلى إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي نفسها ضرورة تفرضها البيئة الجديدة.
قنوات الاتصال والانضباط الإستراتيجي
في بيئة عالية المخاطر، تكتسب قنوات الاتصال السياسي أهمية استثنائية حتى في ذروة التوتر؛ فالحوار في هذه الظروف لا يعكس بالضرورة الثقة المتبادلة، بل يشكل أداة لإدارة الأزمات وتقليص هامش سوء التقدير.
فغياب الاتصال في فضاء مكتظ بالصواريخ والطائرات المسيرة والوكلاء يضاعف احتمالات الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة أوسع، ما يجعل التواصل ضرورة إستراتيجية لا خيارا دبلوماسيا فقط.
ويرتبط ذلك بالحاجة إلى الانضباط الإستراتيجي في الردود، إذ تسعى إيران غالبا إلى استدراج خصومها نحو تصعيد تدريجي يمزج الردع بالاستنزاف، الأمر الذي يتطلب إدارة إيقاع الرد بحيث يتم الرد حين يكون مجديا سياسيا، وتجاهل الاستفزازات عندما يكون هدفها جر الطرف الآخر إلى حرب استنزاف مفتوحة.
في بعده البحري، يتجاوز الصراع كونه تحديا عسكريا ليصبح منافسة على الثقة الدولية وسمعة النموذج الاقتصادي الخليجي؛ إذ يشكل مضيق هرمز شريانا حيويا للاقتصاد العالمي، وأي تهديد له ينعكس مباشرة على الأسواق ومؤشرات الطاقة.
ومن هذا المنظور، فإن نجاح دول الخليج في ضمان حرية الملاحة واستمرارية تدفقات الطاقة يقلص فاعلية هذه الورقة الإيرانية كأداة ضغط، ويعزز موقعها المحوري في بنية الاقتصاد العالمي، خاصة بعدما تحول استقرار المنطقة من قضية إقليمية إلى ركيزة للاستقرار الاقتصادي العالمي وحركة التجارة الدولية.
وبذلك ينتقل الأمن البحري من ملف تكتيكي إلى عمود فقري لمنظومة الردع الإقليمي الجديدة.
كما يبرز الأمن الداخلي بوصفه جبهة لا تقل أهمية عن مسارح العمليات العسكرية التقليدية؛ فالهجمات المعاصرة لم تعد تستهدف المنشآت الحيوية فقط، بل تمتد إلى الثقة العامة والاستقرار الاجتماعي والاقتصاد الرقمي، لتطال مراكز البيانات والموانئ والمصافي والمطارات المدنية في العواصم الخليجية.
وعليه، أصبح تعزيز التماسك المجتمعي، وضمان استمرارية الخدمات، وحماية البنية التحتية الرقمية عناصر أساسية في منظومة ردع شاملة قادرة على مواجهة التهديدات الهجينة.
فصراع المنطقة الرمادية لا يعترف بالفصل بين الداخل والخارج، ما يفرض مقاربة متكاملة للأمن الوطني تدمج الأبعاد المدنية والعسكرية ضمن رؤية واحدة.
الخلاصة
إن بقاء النظام الإيراني لا يمثل نهاية الصراع، بل تحولا في طبيعته وأدواته؛ فمرحلة "لا حرب ولا سلام" ليست محطة عابرة، بل قد تتصلب لتصبح نمطا مستداما كما تشير النماذج الدولية المقارنة.
وفي هذا الإطار لا يكمن التحدي أمام دول الخليج في إنهاء الصراع سريعا، بل في إدارته بفاعلية عبر مزيج متوازن من الردع والمرونة والانضباط الإستراتيجي والحضور الدبلوماسي.
وعندما تقتنع إيران بأن أدوات الضغط المتاحة لها لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية، يتحقق الهدف الأبعد مدى: بيئة ردع مستقرة دون حرب شاملة، واستقرار إقليمي دون سلام كامل.
وقد تكون هذه المعادلة، على تعقيدها، الخيار الأكثر واقعية في عالم تتراجع فيه الحروب الحاسمة وتتزايد فيه صراعات المنطقة الرمادية، حيث تتحول إدارة التهديد إلى فن إستراتيجي قائم بذاته، يستدعي من دول الخليج إعادة تعريف مفاهيم القوة والأمن والسيادة في ضوء هذه اللحظة التأسيسية الجديدة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة