آخر الأخبار

أوروبا البيضاء المسيحية تصطدم بالجدار

شارك

الانتخابات العامة للمجر، التي انتهت بهزيمة رئيس الوزراء، فيكتور أوربان وحزبه المعروف بحروفه الأولى باللغة المجرية "فيدس" (تحالف الديمقراطيين الشباب)، لم تكن بالنسبة لزعيم شاب هو بيتر ماجار، وحزب حديث النشأة، مجرد شأن محلي، بل هو حدث ذو بعد دولي.

انبرت بعض المنابر الدولية في تعليقاتها بالقول إن الانتخابات المجرية الأخيرة هي انتصار لسانشيز، الوجه الجديد لأوروبا، وهزيمة لترمب، وعنونت أخرى بأن التصويت كان لصالح الأمل على حساب الخوف، فيما علقت أخرى بأن انتخاب غريم أوربان الشاب بيتر ماجار، هو العودة إلى البيت الأوروبي.

كان أوربان شخصية مثيرة للجدل، فبلاده عضو في الاتحاد الأوروبي، والمفارقة أنه يرتبط بعلاقات وثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويمارس نوعا من الفيتو على المفوضية الأوروبية في سياستها الاجتماعية والهجرة- رغم أن بلده ليس مستقبلا للمهاجرين- وبالأخص في علاقاتها بأوكرانيا، إذ كان يرفض تقديم قروض ومساعدات لهذا البلد الذي يوجد على خط المواجهة الحربية.

بيد أن ما يثير الانتباه، هو أن أوربان واحد من منظري الشعبوية اليمينية، ومن أمدّها بمفاهيم ومرجعيات، ومنها مصطلح الديمقراطية غير الليبرالية، ومفاده أن الديمقراطية ليست مقترنة بالضرورة بالليبرالية، بل لا تكون الديمقراطية ديمقراطية عندما لا تكون ليبرالية، بمعنى أن خيار الشعب يتعارض مع الاتجاهات الليبرالية سواء على المستوى الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الثقافي.

فالديمقراطية النابعة من الشعب، تفضي، من وجهة نظر أوربان، إلى الحمائية الاقتصادية والاجتماعية، ضد الليبرالية الأخلاقية وما يرتبط بها من تحرر، وضد الهجرة، وتؤول إلى الحمائية الثقافية، بالدفاع عن اللغة والدين. ولذلك تمحور البعد غير الليبرالي حول قيم الأسرة، والدين، وتشجيع النسل.

حمل أوربان ضمن ما حمل، شعار أوروبا بيضاء ومسيحية، وهو الشعار الذي أضحى يافطة الشعبويين اليمينيين، ليس في أوروبا وحدها، بل حتى في الولايات المتحدة.

إعلان

انتصب منتقدا لليبرالية التي تمثلها المفوضية الأوروبية، أو "أوليغارشية بروكسل" كما كان يسميها، والتي لا تعبر عن مطالب الشعب؛ لأن القيّمين عليها لم يتم انتخابهم، وهو ما ينعت بالليبرالية غير الديمقراطية.

وإلى جانب المتن أو النص، أثرى أوربان التجربة الشعبوية بأسلوب عمل من خلال محورية القائد، ووضع اليد على المؤسسات المهمة، من قضاء، وإعلام، ومؤسسات اقتصادية ومالية، وهو الأمر الذي انتهى إلى احتكار الحياة السياسية، أو ما يسميه بعض علماء السياسة بـ"الديمكتاتورية"؛ أي ظاهر ديمقراطي، وباطن دكتاتوري، وكذلك أفضى إلى تحلل السلطات المضادة.

وتنبع قوة أوربان من أنه كان عنصرا فاعلا فيما يمكن أن نسميه بأممية شعبوية يمينية، تضم إلى جانب شعبويات أوروبا عناصر من خارج أوروبا، منها نموذج نتنياهو، في إسرائيل، وناريندرا مودي في الهند، وتقع كلها تحت غطاء ترمب.

لم تُخف الإدارة الأمريكية الحالية رعايتها الاتجاهات الشعبوية اليمينية، وتماهيها معها، وتراها المعبرة عن القيم الأوروبية الحقيقية، من "حرية التعبير"، و"الديمقراطية الحق"، و"المقاومة الثقافية"، وهي من ينتصب ضد ما تسميه الإدارة الأمريكية بـ"المحو الحضاري"، وكان خطاب نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في مؤتمر الأمن بميونخ 2025، تزكية لهذه التوجهات، ودعما سافرا للاتجاهات الشعبوية اليمينية.

ظل المد الشعبوي اليميني في صعود، وتولت أحزاب شعبوية يمينية السلطة كما في السويد، وإيطاليا، وحققت أحزاب يمينية اختراقات مذهلة كما التجمع الوطني في فرنسا، أو البديل الألماني في ألمانيا، ولكن تلك الاختراقات لم تكن لتطمر عيوب الشعبوية اليمينية، ومنها الزعم الحديث باسم الشعب، واحتكاره في نهاية المطاف، مما يفضي إلى تحييد كل المكونات السياسية، وشل الهيئات الوسيطة.

وكانت المفارقة هي أن الذين يزعمون الدفاع عن الشعب لم يتورعوا عن الإثراء بطرق مشبوهة، والارتباط بما تسميه المعارضة في المجر، بمافيات مؤسّسة، والوقوع في حالات فساد بيّنة وتنازع المصالح، وتقويض الديمقراطية.

كانت تلك العلل القاسم المشترك لكل التجارب التي تولت فيها أحزاب شعبوية يمينية السلطة.

وإلى جانب الانزياح المؤسسي، وقرصنة الديمقراطية، وإضعاف السلطات المضادة، غذّت الأحزاب الشعبوية اليمينية التوترات الداخلية باستعداء شرائح معينة، ودفعت بصفاء عرقي مزعوم، ودعت إلى نزوع سيادي، وآخر هوياتي، ومن ذلك ما تدفع به الأحزاب اليمينية المتطرفة ضد المهاجرين في أوروبا، أو ممن هم من أصول أجنبية.

وحتى خارج أوروبا نجد النفخة ذاتها في استعداء الآخر كما في قانون الجنسية في الهند، أو قانون الهوية في إسرائيل، الذي يشرعن عمليا أبارتيد فعليا.

قد لا تكون طبيعة الاتجاهات الشعبوية اليمينية مفاجأة بالنسبة للباحثين والدارسين، ولكن جانبها السلبي وخطرها المستتر لم يكن يبرز أمام قوة الدفع التي كانت تحظى بها.

لقد كانت تستمد قوتها من شعور الخوف، وتسعى إلى أن تغذيه، فضلا عن شبكة أممية تدعمها. كانت في مد تصاعدي، فهل تكون انتكاسة حزب شعبوي يميني في المجر، هزيمة عارضة، أم بداية العد العكسي للشعبوية اليمينية؟

إعلان

ولذلك لا يمكن أن ينظر إلى الانتخابات المجرية على أنها شأن معزول.

ينبغي القول إنه من العوامل التي تفسر هزيمة أوربان وحزبه، هو ما أسمته الصحافة الغربية بـ"عنصر ترمب المُنفّر"، من خلال الحرب التجارية التي يشنها على أوروبا، وتهديده بضم غرينلاند، وعلاقاته المشبوهة مع بوتين، والحرب التي يقودها في إيران، بل حتى إيطاليا ميلوني، والتي هي قريبة من ترمب، أخذت ترسم مسافة منه ومن سياسته، حتى في الشرق الأوسط، أمام رد فعل الرأي العام الإيطالي.

من دون شك أن الانتخابات المجرية الأخيرة تفتح نافذة في الحياة السياسية الغربية، وتُغلب شعور الأمل على الخوف، ولكن الأحزاب الشعبوية اليمينية لن تنحسر وتزول بيسر؛ لأنها ترتبط بشبكات قوية، بداخل المؤسسات الإدارية، وعالم المال، والإعلام، فضلا عن الشبكة الأممية، ويمكن أن تتمرس فيما يسمى بـ"المقاومة الثقافية".

يبقى الرهان بالنسبة لماجار تصحيح الزيغ الذي تعرضت له الديمقراطية في المجر، وعودة المؤسسات، والسلطات المضادة، لتغيير المنحى.

ويمكن أن يجد الدعم من بروكسل، ومن دول أوروبية ناقمة على ترمب. إلى ذلك ينبغي انتظار الانتخابات المقبلة في كثير من الدول الأوروبية لرصد توجه الاتجاهات الشعبوية اليمينية.

ومن دون شك أن عامل ترمب عنصر تفسير للحركات الشعبوية اليمينية، فهو الذي أعطاها قوة دفع قبل زهاء عشر سنوات، وقد يكون هو عامل الفرملة والانتفاش. والمحطة الفارقة في مسار الشعبويات اليمينية، هي انتخابات المجر الأخيرة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا