آخر الأخبار

ذكرى "بيت العنكبوت".. لماذا تطارد بنت جبيل جيش الاحتلال من جديد؟

شارك

لم تعد الخسائر الإسرائيلية في جنوب لبنان تُقرأ في تل أبيب بوصفها مجرد أرقام عسكرية عابرة، بل تُستحضر ضمن ذاكرة ثقيلة تختصرها مدينة واحدة هي بنت جبيل.

فمع عودة الجيش الإسرائيلي إلى محيط البلدة في أبريل/نيسان 2026، عاد معها شبح 2006، وعادت المقارنات بين الكلفة الحالية ومعارك سابقة تحولت في الوعي الإسرائيلي إلى رمز للفشل الميداني وكسر صورة الحسم.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 مسيّرات وصواريخ تضرب نهاريا و14 قتيلا في غارات إسرائيلية على لبنان
* list 2 of 4 ماذا يعني قرار إيطاليا تعليق تعاونها العسكري مع إسرائيل؟
* list 3 of 4 من العراق إلى إيران.. محللون: ما سر نجاح نتنياهو في جر أمريكا للحرب؟
* list 4 of 4 استهداف جريح بمسيّرة انتحارية إسرائيلية في لبنان يثير غضبا على المنصات end of list

مقارنة الخسائر

في التقديرات الإسرائيلية الحالية، تبدو جبهة لبنان أقل حجما من حرب شاملة على غرار 2006 من حيث الأرقام، لكنها أكثر حساسية من ناحية الدلالة السياسية والمعنوية.

فقد أفادت هيئة البث الإسرائيلية "كان"، في تقرير للصحفية ليات ريغف بمشاركة كرميلا منشيه نُشر يوم 14 أبريل/نيسان 2026، بمقتل رقيب الاحتياط أيال أوريئيل بيانكو في حادث انقلاب سيارة "هامر" خلال نشاط عملياتي في جنوب لبنان، مشيرة إلى أن عدد قتلى الجيش الإسرائيلي منذ بداية عملية " زئير الأسد" بلغ 13 جنديا.

ولا تكمن أهمية هذا الرقم في حصيلته فقط، بل في كونه يؤكد أن الجبهة اللبنانية عادت تُنتج قتلى إسرائيليين بوتيرة متصاعدة، وأن الاحتكاك البري ما زال يفرض ثمنا على الجيش رغم تفوقه الجوي والناري.

لكنَّ المشهد الإسرائيلي لا يختزل الخسائر في حصيلة القتلى فقط، بل في نوعية الحوادث التي تؤدي إليها. فالتقارير العبرية خلال أواخر مارس/آذار وبداية أبريل/نيسان 2026 تحدثت عن قتلى وجرحى في اشتباكات مباشرة، وكمائن لمقاتلي حزب الله، وصواريخ مضادة للدروع، إضافة إلى حوادث عملياتية ونيران صديقة.

مصدر الصورة تقول التقديرات الإسرائيلية إن الجبهة اللبنانية عادت تفرض كلفة بشرية متصاعدة (الأوروبية)

ففي تقرير نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 30 مارس/آذار بقلم إليشع بن كيمون، أعلِن مقتل 4 جنود من سرية الاستطلاع في لواء نحال خلال اشتباك مع مقاتلي حزب الله في القطاع الغربي من جنوب لبنان، مع إصابة عدد آخر في الحادث نفسه.

إعلان

كما ذكرت هيئة البث الإسرائيلية، في تقرير للمراسل العسكري روعي شارون بتاريخ الأول من أبريل/نيسان، أن أهالي جنود "سرية استطلاع نحال" وجَّهوا رسالة إلى رئيس الحكومة ورئيس الأركان مطالبين بتحويل مزيد من اهتمام سلاح الجو وقيادة الاستخبارات إلى جبهة لبنان، بعدما قُتل أربعة من جنود السرية هناك.

في مؤشر على أن بعض الأوساط الإسرائيلية ترى أن تركيز المؤسسة العسكرية على الجبهات الأخرى ترك القوات البرية في جنوب لبنان مكشوفة أكثر من اللازم.

وفي السياق نفسه، أشار تقرير آخر ليديعوت أحرونوت نُشر يوم 30 مارس/آذار إلى أن مقتل الجندي ليران بن تسيون بصاروخ مضاد للدروع في لبنان رفع عدد القتلى "منذ بدء التوغل" إلى حصيلة شملت قتلى في نيران مضادة للدروع واشتباكات وإطلاق صواريخ، مع إصابة أكثر من 30 جنديا إضافيا في القتال الدائر في جنوب لبنان.

وتوحي هذه المعطيات بأن نمط الخسائر الحالي يعيد إنتاج جزء من "الخبرة اللبنانية" القديمة للجيش الإسرائيلي: لا معارك حاسمة وسريعة، بل استنزاف تدريجي عبر كمائن قصيرة، ونيران مضادة للدروع، واحتكاك قريب في قرى وبلدات يعرفها حزب الله جيدا.

بيت العنكبوت

تبرز بنت جبيل هنا ليس هدفا عملياتيا فقط، بل عقدة نفسية وتاريخية داخل المؤسسة العسكرية والإعلامية الإسرائيلية.

فقد نقلت يديعوت أحرونوت عن محللها رون بن يشاي أن العملية في بنت جبيل ذات أهمية بالغة، فهي أكبر مدينة لبنانية شيعية قرب الحدود، وتبعد نحو 4 كيلومترات عنها، وهي المدينة التي أعلن منها حسن نصر الله عام 2000 أن إسرائيل "أوهن من بيت العنكبوت" -وهو توصيف أعاد تأكيده عام 2023- كما ارتبط اسمها بخسائر فادحة في حرب 2006.

وفي التقرير نفسه، وصفت المراسلة ليئور بن آري بنت جبيل بأنها أكبر مدينة شيعية قريبة من الحدود، وأن القوات الإسرائيلية تحاول استكمال الحصار عليها.

وفي تقرير آخر، ذُكر أن سلاح الجو يقصفها بعشرات الذخائر الثقيلة في إطار "المعركة لحسم البلدة"، مما يكشف أنها تُقدَّم ليس بكونها هدفا عسكريا فقط، بل بوصفها ميدانا لاستعادة "الهيبة".

أما الصحافة الإسرائيلية الأكثر نقدا فبدت أكثر حذرا. فقد أشارت هآرتس إلى أن الجيش أعلن تطويق بنت جبيل، لكنه يتوقع قتالا قويا داخلها، في حين كتب عاموس هرائيل أن الجيش بات يتباهى بهذا التطويق مع غياب إنجازات أوضح، في إشارة إلى خوف قديم من إعادة إنتاج خطأ 2006.

مصدر الصورة مشهد من حرب لبنان عام 2006 في مدينة بنت جبيل (أسوشيتد برس)

مقارنة بعام 2006

لفهم هذا الخوف الإسرائيلي، لا بد من العودة إلى حرب لبنان عام 2006. فبحسب الدراسة التي أعدتها الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي بنينا شوكر، في دورية "سايبر استخبارات وأمن" الإسرائيلية في سبتمبر/أيلول 2018، فقد استحوذت بنت جبيل على مكانة رمزية داخل القيادة الإسرائيلية لأنها عُدَّت "عاصمة حزب الله" والمكان الذي ألقى فيه نصر الله خطاب "خيوط العنكبوت"، وهي مركز الحرب على الوعي أمام حزب الله.

وتورد الدراسة أن قادة عسكريين إسرائيليين، بينهم دان حالوتس وبني غانتس وغادي آيزنكوت، تعاملوا مع المدينة بوصفها رمزا ينبغي كسره، لا مجرد هدف تكتيكي.

إعلان

لكنَّ الدراسة نفسها تذكّر بأن القتال في المدينة يوم 26 يوليو/تموز 2006 أسفر عن مقتل ثمانية جنود إسرائيليين، وأن العملية تعرضت لاحقا لانتقادات داخلية حادة بسبب ضعف جدواها العسكرية مقارنة بكلفتها البشرية.

تعيد بنت جبيل إلى الواجهة سؤالا إسرائيليا قديما: هل يتحول السعي إلى صورة انتصار جديدة إلى تكرار مكلف لخطأ 2006؟

أما على مستوى الحصيلة الأوسع، فيُظهر تقرير نشرته هآرتس يوم 7 يونيو/حزيران 2016 أن حرب لبنان الثانية كلَّفت إسرائيل 121 قتيلا من الجنود و44 قتيلا مدنيا خلال 34 يوما من القتال.

كما يشير تقرير نشرته يديعوت أحرونوت يوم 19 يوليو/تموز 2016 إلى أن إسرائيل خسرت في فترة "الحزام الأمني" بجنوب لبنان، بين يونيو/حزيران 1985 وبداية عام 2000، ما مجموعه 235 قتيلا من الجنود، من دون احتساب 73 قتيلا في كارثة المروحيتين.

هذه الأرقام تمنح المقارنة الحالية معناها الحقيقي، فخسائر الجولة الراهنة ما زالت أدنى بكثير من 2006 ومن سنوات الاستنزاف الطويلة قبل الانسحاب، لكنَّ عودة القتال إلى المسرح نفسه، وبالوسائل ذاتها تقريبا، تعيد في الوعي الإسرائيلي مخاوف التورط في مسار استنزافي جديد.

مصدر الصورة في بعض القراءات الإسرائيلية، لم تعد بنت جبيل هدفا تكتيكيا فحسب، بل ميدانا لمحاولة استعادة الهيبة (غيتي)

المصيدة ومرآة الفشل

تعزز هذا المعنى تقديرات مراكز الأبحاث الإسرائيلية. ففي ورقة صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) بعنوان "100 يوم من القتال ضد حزب الله: ميزان مرحلي"، كتبها أورنا مزراحي ويورام شفايتسر ونُشرت يوم 15 يناير/كانون الثاني 2024، أشار الباحثان إلى أن أبرز ما سبَّب الضرر لإسرائيل في الجبهة الشمالية كان الصواريخ المضادة للدروع وقذائف "بركان"، وأن حزب الله حرص على إظهار أنه يوقع بإسرائيل خسائر ثقيلة، حتى عندما يضخم بعض نتائج هجماته.

ورغم أن الورقة سبقت الجولة الحالية، فإنها تساعد في تفسير سبب استمرار الجبهة اللبنانية في إنتاج خسائر إسرائيلية مؤلمة: طبيعة السلاح، وضيق الميدان، وقرب الأهداف، والقدرة على المزج بين التأثير العسكري والنفسي.

وفي مقابل المدرسة الإسرائيلية التي تدفع نحو مزيد من الضغط العسكري، برزت أصوات إسرائيلية أخرى تدعو إلى عدم تحويل لبنان كله إلى رهينة لمنطق التوغل وحده.

الخوف الإسرائيلي لا يرتبط بالميدان فقط، بل بإمكانية أن تتحول بنت جبيل مرة أخرى إلى رمز يفوق أثره حجمه العسكري المباشر

ففي مواد منشورة على موقع معهد ميتفيم خلال أبريل/نيسان 2026، من بينها مقالات لإيلي فودا ونداف تمير وكسينيا سفيتلوفا، يظهر اتجاه إسرائيلي بحثي يحذر من أن التمادي في تثبيت مناطق عازلة أو الاعتماد الحصري على الأدوات العسكرية قد يفوّت فرصة الاستفادة من التغيرات الداخلية في لبنان، ويعيد إنتاج منطق "الشريط الأمني" بصيغة جديدة.

وعلى اختلاف هذه الطروحات، فإن الجامع بينها هو الإقرار بأن الجنوب اللبناني ما زال قادرا على استنزاف إسرائيل، وأن أي إنجاز عسكري لا يكتمل من دون مخرج سياسي.

لهذا بات الإعلام الإسرائيلي ينظر إلى الخسائر الإسرائيلية في جنوب لبنان بوصفها أكثر من مجرد وقائع ميدانية، إنها اختبار لذاكرة الجيش نفسه.

فحين يُقتل 13 جنديا منذ بداية العملية الحالية، وحين تسقط وحدات نخبة في كمائن واشتباكات جنوب لبنان، وحين تعود بنت جبيل إلى صدارة التغطية بوصفها "رمزا" و"مصيدة"، فإن الرسالة التي تتشكل في الوعي الإسرائيلي هي أن الجبهة اللبنانية لم تفقد قدرتها على فرض الكلفة.

وربما لهذا السبب بالذات تبدو بنت جبيل اليوم، في الرواية الإسرائيلية، أقل من "هدف" وأكثر من مرآة قديمة لحدود القوة الإسرائيلية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا