في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
رحل في العاصمة اللبنانية بيروت، اليوم، الفنان اللبناني أحمد قعبور عن عمر ناهز 70 عاماً، بعد صراع مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً فنياً وإنسانياً ارتبط بقضايا الحرية والكرامة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وُلد أحمد قعبور في بيروت عام 1955، وهو خريج معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. وبرز اسمه منذ سبعينيات القرن الماضي، في مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان والمنطقة، تداخل فيها الفن مع السياسة والالتزام الثقافي.
وكانت بداياته الفنية ضمن فرقة "الكورس الشعبي"، التي جالت على معسكرات القتال وبين الجرحى واللاجئين، ما أسهم في انتشار اسمه وتعزيز حضوره كصوت فني قريب من الناس وقضاياهم.
يُعد قعبور من أبرز رموز الأغنية الملتزمة في العالم العربي، حيث كرّس مسيرته الفنية منذ سبعينيات القرن الماضي للتعبير عن هموم الناس وقضاياهم، مبتعداً عن الطابع التجاري، ومتمسكاً بخط فني يجمع بين البعد الجمالي والرسالة الإنسانية.
برز اسمه عربياً من خلال أغنية "أناديكم"، المستوحاة من قصيدة للشاعر توفيق زيّاد، والتي تحولت إلى نشيد رافق التظاهرات والفعاليات التضامنية مع الفلسطينيين، وبقيت حاضرة في الذاكرة الجماعية مع كل حدث سياسي، "أناديكم" تحولت أيضاً إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، إلى واحدة من أبرز الأناشيد المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وردّدها جمهور واسع في العالم العربي، ولا تزال "أناديكم" حاضرة حتى اليوم في الاحتجاجات، كأحد أبرز أناشيد التضامن، إلى جانب أعمال أخرى منها "يا نبض الضفة"، و"سموني لاجىء".
إلى جانب مسيرته الغنائية، خاض أحمد قعبور تجربة تمثيلية لافتة في السينما والتلفزيون، حيث شارك في فيلم ناجي العلي، الذي تناول سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطيني، في عمل ينسجم مع توجهاته الفنية والسياسية. كما ظهر في أعمال درامية حديثة، من بينها مسلسل "النار بالنار"، مجسّداً شخصيات قريبة من الواقع الاجتماعي والسياسي، إضافة إلى تجسيده شخصيات سياسية بارزة مثل وديع حداد، ما عزّز حضوره كفنان متعدد المواهب.
تميّز قعبور بأسلوب فني بسيط وعميق في آن واحد، حيث اعتمد على ألحان مباشرة وقريبة من الأذن، مع قدرة على المزج بين الغناء الفردي والكورال، ما أضفى على أعماله طابعاً جماعياً. كما اتسم صوته بالدفء وشيء من الخشونة الخفيفة، ما منحه صدقية عالية لدى الجمهور. ورفض طوال مسيرته الانخراط في المسار التجاري، متمسكاً بفكرة الفن كوسيلة تعبير ورسالة، لا كسلعة استهلاكية.
يُقارن قعبور برواد الأغنية الملتزمة في العالم العربي، ومن بينهم مارسيل خليفة، حيث شكّل صوته جزءاً من الوعي الجمعي المرتبط بالقضية الفلسطينية وقضايا الحرية. وكان لأعماله تأثير واضح على الحركات الطلابية والسياسية، التي اعتمدت أغانيه في التظاهرات والفعاليات.
في السنوات الأخيرة، واصل قعبور الظهور في حفلات رغم معاناته الصحية، فالصوت الذي غنى للناس "نحنا الناس"، لم يشأ أن تحول بينه وبينهم أوجاع المرض.
وبرز اسمه في مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان، حيث تداخل الفن مع السياسة والالتزام الثقافي، لتصبح أغانيه مرآة تعكس واقع الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975. في تلك السنوات، شارك أحمد قعبور في تنظيم اللجان الشعبية لدعم المواطنين ومواجهة ويلات الحرب، قبل أن يتحول مساره الفني نحو الالتزام الغنائي بشكل كامل.
كما شارك في أعمال سينمائية ومسرحية رفيعة المستوى مع الفنان الراحل زياد الرحباني.
وأثار خبر وفاته موجة واسعة من التفاعل، إذ نعاه فنانون ومثقفون وناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مستذكرين دوره في ترسيخ الأغنية الملتزمة. كما صدرت مواقف نعي من جهات ثقافية، من بينها وزارة الثقافة اللبنانية، أشادت بإرثه الفني ومواقفه الإنسانية. واعتبر كثيرون أن رحيله يشكّل خسارة لجيل كامل من الفنانين الذين ارتبطوا بقضايا الناس.
نعى رئيس الحكومة نواف سلّام الفنان أحمد قعبور، وكتب: "وداعاً أخي وصديقي الفنان الكبير أحمد قعبور. بغيابك خسرنا قامة إنسانية ووطنية كانت تشد على أيادينا وتضيء العتمة في قلوبنا وقت المحن. أحمد قعبور لن نعتاد على غيابك. نم قرير العين يا صديقي، فما زرعته في أجيال من أهل بلادي لن يذبل، وما أعطيته لهذا الوطن سيبقى حيا في كل قلب ينبض".
كما نعى رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري الفنان أحمد قعبور، وكتب عبر حسابه على منصة إكس قائلاً: "رحم الله الفنان المبدع أحمد قعبور، سيبقى اسمه علامة مضيئة في مسيرة الفن الراقي والملتزم، وستظل أحياء بيروت وشوارعها تحفظ ألحانه وتحافظ على إرثه، وتردد 'علوا البيارق علوها'، مثلما صارت 'أناديكم' نشيدا للالتزام النقي على مدى أجيال".
عُرف أحمد قعبور بأغنيات خصّ بها مدينته بيروت، إلى جانب أعمال ارتبطت بأجواء شهر رمضان والأعياد، وفي مقدمتها أغنية "علّوا البيارق" التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الأجيال حتى اليوم. كما تنوّعت أعماله لتشمل باقة من الأغاني ذات الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، من بينها "نحنا الناس"، "يا ستي"، "صبح الصباح"، "ارحل"، "بيروت يا بيروت"، "خيال"، "مع الإنسان"، و"يا حرش بيروت"، إضافة إلى "والله وطلعناهم برا".
وشكّلت القضية الفلسطينية محوراً أساسياً في مشروعه الفني، إذ ارتبط اسمه بالمخيمات الفلسطينية، خصوصاً في مناطق مثل مخيم عين الحلوة، حيث أحيا حفلات وشارك في فعاليات تضامنية. وتحولت أغانيه مع مرور الوقت إلى جزء من الذاكرة الجمعية للاجئين، تُستعاد في لحظات الألم والأمل، وتُردد في الساحات كصوت يعكس معاناة الإنسان الفلسطيني وتطلعه للحرية.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة