كشفت صحيفة "الغارديان" البريطانية، في تحليل استندت فيه إلى بيانات قانونية وسجلات عامة، أن إسرائيل لم تُحاكم أيًا من مواطنيها بتهمة قتل مدنيين فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة منذ مطلع هذا العقد، في ظل ما وصفته الصحيفة بـ"إفلات من العقاب خلق بيئة خصبة لحملة عنف متواصلة".
فخلال شهر رمضان الماض قتل مستوطنون إسرائيليون وعناصر شرطة 10 مدنيين فلسطينيين في الضفة، بينهم طفلان في الخامسة والسابعة من العمر ووالداهما.
وبحسب منظمة "يش دين" الإسرائيلية الحقوقية، فإن فرص توجيه اتهامات لعناصر الأمن الإسرائيليين في قضايا إيذاء الفلسطينيين تراجعت بين عامي 2020 و2024، لتصبح أقل مقارنة بتلك المتعلقة بالمستوطنين.
وخلال الفترة ذاتها، تقدّم الفلسطينيون بـ1746 شكوى ضد جنود إسرائيليين، تضمّن أكثر من 600 منها اتهامات بالقتل، غير أن أقل من 1% من هذه الشكاوى انتهت إلى توجيه لوائح اتهام.
وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن جنودًا إسرائيليين ومستوطنين قتلوا منذ عام 2020 ما لا يقل عن 1100 مدني فلسطيني في الضفة الغربية، ربعهم على الأقل من الأطفال، دون تسجيل أي تهم في هذه القضايا.
وبحسب سجلات عامة وبيانات "يش دين"، فإن آخر هجوم قاتل نفذته قوات الأمن الإسرائيلية في الضفة وأسفر عن توجيه لائحة اتهام يعود إلى عام 2019، في حين تعود آخر قضية قتل ارتكبها مدني إسرائيلي وأدت إلى اتهام إلى عام 2018.
وتشير المنظمة إلى أن أكثر من 96% من تحقيقات الشرطة في عنف المستوطنين بين عامي 2020 و2025 انتهت دون توجيه اتهامات، فمن أصل 368 قضية، أسفرت ثمانية فقط (نحو 2%) عن إدانات كاملة أو جزئية. وشملت الانتهاكات جرائم قتل وحرق وسرقة، إلى جانب حوادث موثقة بالفيديو وادعاءات باعتداءات جنسية، جميعها خلت من مساءلة تُذكر.
وفي تطور لافت، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت المحكمة الجنائية الدولية إلى التدخل لـ"إنقاذ الفلسطينيين والإسرائيليين" مما وصفه بعنف المستوطنين المدعوم من الدولة.
وقال أولمرت في تصريحات مكتوبة: "قررت ألا أبقى صامتًا، بل أن ألفت انتباه المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لاتخاذ إجراءات تنفيذية وإصدار مذكرات توقيف".
إلى جانب ذلك، طالب قادة سابقون في جهاز الأمن الإسرائيلي باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الهجمات "شبه اليومية" على الفلسطينيين، محذرين في رسالة علنية إلى رئيس الأركان الحالي إيال زامير من أن الفشل في مواجهة ما سموه "الإرهاب اليهودي" بات يشكل تهديدًا وجوديًا.
وضم الموقعون على الرسالة رئيسين سابقين للجيش (أحدهما شغل أيضًا منصب وزير الدفاع)، وخمسة رؤساء سابقين للموساد والشاباك، وأربعة مفوضين سابقين للشرطة. وجاء في نص الرسالة: "لم نعد نتحدث عن حفنة من المشاغبين المخالفين للقانون، بل عن نشاط منظم، يشمل أحيانًا أشخاصًا يرتدون الزي الرسمي، يطلقون النار على أبرياء ويحرقون ممتلكات ومنازل المدنيين".
ورغم أن أولمرت دعا إلى ملاحقة دولية للمستوطنين "الذين يحظون بالمساعدة والدعم والإلهام من دوائر حكومية"، فإن "الغارديان" تؤكد أن عنف المستوطنين في الضفة الغربية شهد تصاعدًا متواصلًا لعقود، شملت فترات تولى خلالها أولمرت وقيادات أمنية أخرى مناصبهم.
وقال أمجد عراقي، المحلل الأول للشأن الإسرائيلي-الفلسطيني في مجموعة الأزمات الدولية: "قد يرحب الفلسطينيون بهذا النقد الإسرائيلي، لكنهم لم ينسوا أن العديد من هؤلاء المسؤولين السابقين ساهموا في توسيع المشروع الاستيطاني وما رافقه من عنف".
وأضاف أن بعض النقاد الإسرائيليين يوحي بأن العنف يمكن احتواؤه بإقصاء الحكومة اليمينية الحالية فحسب، "لكن ذلك لا يعترف بأن الاستيطان مشروع دولة شُكّل وقادته أطراف من مختلف الطيف السياسي".
من جانبه، قال مدير منظمة "يش دين" إن أنظمة إنفاذ القانون الإسرائيلية، المدنية والعسكرية، تعمل كدرع للجناة أكثر من كونها آلية لتحقيق العدالة، إذ تنتج تحقيقات متعثرة وملفات مغلقة، ما يرسخ الإفلات من العقاب.
كما أوضح محامٍ إسرائيلي لحقوق الإنسان أن النظام "مُبرمج لإنتاج الإفلات من العقاب لا المساءلة"، مشيرًا إلى أنه كان يتيح سابقًا حالات نادرة من المحاسبة لاستخدامها كدليل على فاعلية النظام. لكنه أضاف أن القضاة والمدعين تعرضوا في السنوات الأخيرة لضغوط شديدة، وسط اتهامات بأن ملاحقة هذه القضايا تستهدف الإسرائيليين، ما أدى إلى تراجع شبه كامل في مقاضاة الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
في فبراير الماضي، وقّع وزيرا عدل سابقان من حزب الليكود الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو على رسالة اتهمت الحكومة الحالية بالسماح بعملية "تطهير عرقي نشطة ومروعة" بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وضمت الرسالة توقيع أكثر من 20 شخصية قانونية بارزة، أكدوا أن "المسؤولية القانونية والأخلاقية لوقف هذه الحملة تقع على عاتق الحكومة الإسرائيلية، لكنها لا تقوم بذلك".
وأضافت الرسالة: "كل من يساهم في هذه الاعتداءات، بالفعل أو بالتقاعس، يتحمل المسؤولية، بما في ذلك الجنود والقادة".
كما دعا رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الأسبوع الماضي، إلى اتخاذ إجراءات لوقف عنف المستوطنين، مطالبًا جميع الجهات في الدولة بالتحرك قبل فوات الأوان.
المصدر:
يورو نيوز