في تصعيد نوعي ينقل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى مستوى جديد من معادلة "الردع المتبادل"، تعرضت مدينة ديمونة جنوبي إسرائيل -التي تحتضن المنشأة النووية الرئيسية- لضربة صاروخية إيرانية خلفت دمارا واسعا، في هجوم أعلنت طهران صراحة أنه رد مباشر على قصف منشأة "نطنز" النووية الإيرانية.
وتُثبت هذه التطورات الميدانية أن طهران وتل أبيب دخلتا مرحلة متقدمة من الاستهداف المتناظر للبنى التحتية الإستراتيجية والنووية. فمن "نطنز" إلى "ديمونة"، ومن حقل "فارس الجنوبي" للغاز إلى مجمع مصافي "بازان" في حيفا، تبدو الضربات وكأنها تُختار بعناية لترسيخ رسالة واحدة: كل استهداف لبنية تحتية سيقابَل باستهداف لبنية موازية لدى الطرف الآخر.
سارعت طهران لربط استهداف مدينة ديمونة بصحراء النقب مباشرة بملفها النووي، إذ أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني أن القوة الصاروخية نفذت الهجوم ردا على "هجوم العدو على منشأة نطنز النووية" وسط إيران.
وكانت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية قد أكدت تعرض مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم لهجوم السبت، واصفة إياه بـ"الهجوم الإجرامي من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني"، مع التأكيد على عدم تسجيل أي تسرب إشعاعي.
وجاء الرد الإيراني سريعا ومباشرا على ديمونة، التي تحمل رمزية إستراتيجية قصوى، لكونها تحتضن المنشأة النووية الرئيسية لإسرائيل.
وأكد الجيش الإسرائيلي تعرض المدينة لضربة صاروخية مباشرة، بينما أظهرت لقطات متداولة ارتطام جسم متفجر سقط بسرعة هائلة من الجو، مُحدثا كرة لهب ضخمة وتدميرا واسعا لمبان في المنطقة.
وعلى صعيد الخسائر البشرية، تحدثت خدمات الإسعاف الإسرائيلية عن عشرات الإصابات في عدة مواقع بمنطقة ديمونة، في مشهد وصفه مسعفون بأنه اتسم بـ"أضرار جسيمة وفوضى عارمة"، بينما دوت صفارات الإنذار من النقب جنوبا حتى مناطق في الجليل شمالا، على وقع هجمات صاروخية متزامنة من إيران ولبنان.
وهذا مسار تصعيدي أكده مقر "خاتم الأنبياء" العسكري الإيراني، متوعدا بأنهم "إذا ضربوا بنيتنا التحتية فسنرد بضرب بنى تحتية أهم وأكثر".
وفي أعقاب الضربة التي طالت ديمونة مباشرة، صرح قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري بـ"التفوق الصاروخي لإيران في سماء الأراضي المحتلة"، متوعدا بإضاءة سماء إسرائيل لساعات طويلة، ومؤكدا أن "أنظمة الإطلاق الجديدة ستُدهش الأمريكيين والصهاينة".
ولا تقتصر معادلة "الردع المتبادل" على الجانب النووي، بل امتدت بقوة إلى البنية التحتية للطاقة.
وفي تطبيق عملي لهذه المعادلة، شنت طهران قبل يومين هجوما صاروخيا "دقيقا" استهدف مصافي النفط في خليج حيفا، في رد على الهجوم الإسرائيلي الذي طال الأربعاء منشآت الغاز في حقل "فارس الجنوبي" جنوبي إيران.
وعن تداعيات هذه الضربة، كشفت شركة "بازان" الإسرائيلية المشغلة للمصافي في حيفا، أن إصلاح الأضرار التي لحقت بمرافقها وبنيتها التحتية الكهربائية سيستغرق أياما، بعد أن تسبب الهجوم في اندلاع حرائق واسعة واضطرابات دفعتها لإغلاق بعض مرافق الإنتاج.
وقد أطّر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذه الإستراتيجية صراحة قبل يومين، وقال في تدوينة على منصة "إكس" إن لدى طهران معلومات استخباراتية تفيد بتخطيط إسرائيل لشن هجوم على بنيتها التحتية، مضيفا "إذا تعرضت بنيتنا التحتية للهجوم، فلن نتوانى عن الرد.. نحن لا نرد بقوة إلا عند التعرض للهجوم".
واليوم، مع انتقال التصعيد من قطاع الطاقة إلى مواقع التخصيب والمفاعلات النووية، تبدو طهران مصممة على محاولة إثبات قدرتها على فرض "ردع متناظر" يرفع الكلفة الأمنية والاقتصادية، ويحول وعود واشنطن بـ"حملة عسكرية سريعة" إلى صراع استنزاف مفتوح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة