في الحروب الحديثة، لا تقاس كثافة العمليات بعدد الطائرات المقاتلة وحدها، بل بعدد ناقلات الوقود التي تبقيها في الجو. فكل ضربة بعيدة المدى تحتاج إلى شبكة دعم لوجستي معقدة، تجعل من السماء مخزنا عائما للطاقة قبل أن تكون مسرحا للنار.
البيانات الملاحية التي رصدتها وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة خلال الأيام الثلاثة الماضية تظهر نشاطا مكثفا لطائرات التزود بالوقود الأمريكية فوق إسرائيل وسواحلها، بالتزامن مع القصف الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران.
لم يكن المشهد مجرد تحليق عابر، بل إنه نمط دوران متكرر لطائرات تتبادل الأدوار بين الإقلاع والوصول والتحليق الدائري.
رُصد خروج 9 ناقلات وقود أمريكية من مطار تل أبيب باتجاه الشرق، مقابل وصول 8 أخرى من قواعد مختلفة، إضافة إلى طائرات بقيت في الأجواء على المسار ذاته، يشير إلى معدل دوران مرتفع.
هذا النمط لا يرافق عادة ضربة واحدة محدودة، بل يواكب عمليات متعددة الموجات.
فالناقلة الواحدة قادرة على إبقاء عدة مقاتلات أو قاذفات في الجو لساعات إضافية، مما يسمح بتنفيذ ضربات متتابعة من دون الحاجة إلى العودة المتكررة للقواعد. وكلما زاد عدد الناقلات، زادت قدرة القوة الجوية على الحفاظ على ضغط عملياتي مستمر.
أظهرت البيانات مشاركة 3 طائرات من طراز "بوينغ ستارتوتانكر كيه سي-135 آر" (Boeing KC-135R Stratotanker) إلى جانب طائرة من طراز "بوينغ كيه سي-46 إيه بيغاسوس" (Boeing KC-46A Pegasus)، وهما من العمود الفقري لقدرات التزود بالوقود في سلاح الجو الأمريكي.
هذا التنوع لا يعكس فقط كثافة في العدد، بل مرونة تشغيلية، إذ تتيح هذه الطرز دعم مقاتلات وقاذفات مختلفة في آن واحد، وعلى ارتفاعات ومسارات متباينة.
ومع ظهور دوائر تحليق متكررة فوق إسرائيل وسواحلها في بيانات منصة "فلايت رادار"، يتضح أن الناقلات لم تكن في وضع عبور، بل في نمط انتظار ودعم.
لم يقتصر النشاط على الطائرات الأمريكية، فقد أظهرت البيانات إقلاع طائرة بريطانية من طراز "إيرباص كيه سي 2 فوياجير" (Airbus KC2 Voyager) من قاعدة أكروتيري في قبرص، بعد تعرض القاعدة لهجوم بطائرة مسيرة من طراز شاهد.
وحلقت الطائرة في مسار دائري قبالة السواحل القبرصية الجنوبية، بالتزامن مع رصد تهديدات بوجود مسيرات قرب مطار بافوس.
هذا النمط يوحي بتوزيع المخاطر وإبقاء الأصول الحساسة في الجو بدل تمركزها على الأرض، في بيئة توصف بأنها عالية التهديد.
وجود ناقلات بريطانية إلى جانب الأمريكية يعكس بعدا متعدد الجنسيات لشبكة الوقود الجوية، ويعزز فكرة أن الدعم لا يقتصر على مهمة محددة، بل يندرج ضمن إطار أوسع لإدارة المجال الجوي في شرق المتوسط.
في القراءة العسكرية، كلما توسعت شبكة التزود بالوقود، ارتفع مؤشر الاستمرارية. فالضربات الخاطفة لا تحتاج عادة إلى هذا العدد من الناقلات ولا إلى هذا الإيقاع في الاستبدال.
أما العمليات الممتدة، فتتطلب سلسلة دعم متصلة تضمن بقاء الطائرات الهجومية في الجو لأطول فترة ممكنة.
وبالتالي، فإن كثافة ناقلات الوقود قد تكون مؤشرا غير مباشر على أن ما يجري ليس مجرد رد محدود، بل إنه استعداد لإدارة تصعيد قابل للاستمرار.
فالوقود في الجو يعني زمنا أطول في السماء، وزمن أطول في السماء يعني قدرة أكبر على تكرار الضربات أو توسيع نطاقها.
بيانات ملاحية لاستمرار عمليات الإسناد بطائرات تزود بالوقود أمريكية في المنطقة (فلايت رادار)مع ذلك، لا يكفي نشاط الناقلات وحده للقول بوجود قرار بتوسيع الحرب. فقد يكون الهدف تعزيز الردع ورفع الجاهزية ومنح صناع القرار هامشا أوسع للمناورة، فالتموضع الجوي يمنح مرونة دون التزام فوري بضربة جديدة.
لكن ما تكشفه البيانات بوضوح هو أن سماء المنطقة لم تعد مجرد ممر عبور، بل تحولت إلى شبكة لوجستية معقدة. وفي هذه الشبكة، لا تكون ناقلات الوقود مجرد طائرات دعم، بل مؤشرا حساسا على حجم العمليات وقدرتها على الاستمرار.
ومنذ صباح السبت، تشن إسرائيل والولايات المتحدة هجوما عسكريا على إيران، أودى بحياة المرشد علي خامنئي ومسؤولين أمنيين وعسكريين بارزين ومدنيين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة