من قاعة مؤتمر ميونخ للأمن الذي اختتم أعماله أمس الأحد، خرج الأوروبيون هذا العام وهم يحملون سؤالا أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: أي نسخة من الولايات المتحدة تقف إلى جانبهم؟
في تحليل إخباري، قدّمت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إجابة عن هذا السؤال -من وجهة نظرها- حيث رصدت في ثناياها مشاهد لما دار في المؤتمر وكيف تحولت منصته إلى مرآة تعكس ارتباك العلاقة الأمريكية الأوروبية.
وذكرت أن القادة الأوروبيين استمعوا، خلال عام واحد فقط، لـ3 خطابات أمريكية، بـ3 لهجات مختلفة، كشفت عمق التحول -وربما التناقض- في رؤية إدارة الرئيس دونالد ترمب للتحالف عبر الأطلسي، بين قيم حضارية، ومصالح باردة، ورسائل أيديولوجية موجهة إلى الداخل الأمريكي بقدر ما هي موجهة إلى الحلفاء.
وبحسب التحليل، كان الخطاب الأول، الذي ألقاه جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي العام الماضي، "لاذعا وصادما"، إذ وجّه انتقادا مباشرا للديمقراطيات الأوروبية، معتبرا أن الهجرة وصعود اليمين المتطرف المقيد في أوروبا أخطر من روسيا نفسها.
أما الخطاب الثاني، الذي ألقاه وزير الخارجية ماركو روبيو السبت الماضي، فجاء بنبرة "أكثر سلاسة وقبولا"، لكنه لم يكن -برأي الصحيفة- أقل إشكالية، إذ بدا وكأنه يروّج لفكرة أن الغاية من إستراتيجية الأمن القومي هي حماية "حضارة واحدة: الحضارة الغربية".
ورغم أن هذا الطرح قوبل بالتصفيق في قاعة المؤتمر، ولاقى ارتياحا أوليا لدى بعض القادة، فإنه سرعان ما أثار قلقا عميقا في الأوساط السياسية والفكرية الأوروبية، التي رأت فيه محاولة لإعادة صياغة التحالف على أسس ثقافية إقصائية، قد تجعل أوروبا أكثر عزلة عن بقية العالم، وأكثر انقسامًا داخليا، وفقا للتحليل الإخباري.
ثم جاء الخطاب الثالث في المؤتمر نفسه، الذي ألقاه وكيل وزارة الحرب الأمريكية لشؤون السياسات، إلبريدج كولبي، ليقدم مقاربة مختلفة تماما تركز على المصالح المشتركة والواقعية الإستراتيجية، لا على القيم أو الهويات.
وقد لاقت هذه الرسالة صدى أفضل لدى الأوروبيين، لأنها تعيد التحالف إلى منطق الدفاع الجماعي والردع، وتؤكد استمرار الضمانة النووية الأمريكية، مع إقرار بأن على أوروبا تَحمُّل عبء أكبر في أي صراع تقليدي مستقبلي.
وفي معرض تعليقه على خطابي نائب الرئيس ووزير الخارجية الأمريكيَّين، أشار رئيس مؤتمر ميونخ للأمن، فولفغانغ إيشنغر، إلى أن فانس تحدث عن حلف شمال الأطلسي (ناتو) بصيغة "هم"، بينما استخدم روبيو صيغة "نحن". ومع ذلك، وصف إيشنغر خطاب روبيو بأنه "رؤية أمريكية صارخة للعالم".
ومن جانبه، وصف لوك فان ميدلار، المؤرخ الهولندي والمسؤول السابق في الاتحاد الأوروبي، خطاب روبيو بأنه "محكم الصياغة، ولهذا فهو أكثر خطورة على الأوروبيين".
لوك فان ميدلار:
الوزير الأمريكي عرض ميثاقا جديدا قائما على حضارة مشتركة، لكنه تجاهل خطاب فانس قبل عام، وما يحمله من اصطفاف أمريكي مع حلفاء حركة ( ماغا) اليمينية في أوروبا
وأرجع ذلك إلى أن الوزير الأمريكي عرض ميثاقا جديدا قائما على حضارة مشتركة، لكنه تجاهل خطاب فانس قبل عام، وما يحمله من اصطفاف أمريكي مع حلفاء حركة (ماغا) اليمينية في أوروبا.
وخلصت نيويورك تايمز إلى أنه في حين يدرك بعض الأوروبيين أن فانس وروبيو يخاطبان جمهورين مختلفين، أحدهما أوروبي والآخر أمريكي، فإن كولبي ليس سياسيا. فهو "باحث محافظ" في شؤون الدفاع "وجد نفسه مكلفا بشرح إستراتيجية أمن قومي لترمب تتغير ملامحها أسبوعا بعد آخر".
وبعد انتهاء المؤتمر، نقلت الصحيفة عن إيفان كراستيف، الباحث البلغاري في العلوم السياسية وزميل معهد العلوم الإنسانية في فيينا، أن ثمة سؤالا واحدا بقي يلاحق الأوروبيين: "أي أمريكا هذه التي نتحالف معها؟".
وختم بالقول إن ما يقلق الأوروبيين حقا هو أن الإدارة الأمريكية الحالية أصبحت ذات نزعة "شديدة الأيديولوجية"، مضيفا أن الجديد هو استعداد الولايات المتحدة للتدخل في السياسة الداخلية الأوروبية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة