"مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (مت 4:4)، كلمات قالها يسوع المسيح بعد أن "صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة" في البريةّ (الصحراء)، أثناء التجربة على الجبل، بحسب إنجيل القديس متى، تسلط الضوء على ضرورة ارتقاء النفس البشرية من "الماديات" إلى "الروحيات"، وتبرز الجوهر الذي تتأسس عليه الحياة والطقوس الدينية في الإيمان المسيحي، والتي من أبرزها الصوم الكبير.
الصوم الكبير أو "المقدّس" واحد من أهم وأطول الأصوام وأقدسها في حياة المؤمنين في مختلف الطوائف المسيحية التقليدية، الشرقية والغربية، إذ يمثل رحلة روحية خاصة تبدأ بما يعرف بـ "الصوم الأربعيني"، نسبة إلى 40 يوماً صامها المسيح نفسه في البريّة، يعقبه "أسبوع الآلام"، وصولاً إلى عيد "القيامة المجيد"، الذي يمثّل تذكار قيامة يسوع المسيح من بين الأموات، بحسب الإيمان المسيحي.
وتزداد خلال فترة الصوم الكبير الصلوات وحضور القداسات، فضلاً عن ألحان ذات طابع حزين (في الطقس القبطي)، كما يحرص فيه المؤمنون على قراءات يومية للكتاب المقدس لكل ما يبرز مفاهيم روحية عن التوبة والرجوع إلى الله.
وتنبع أهمية الصوم الكبير من كونه "وسيلة تغيير وتجديد داخلي للنفس البشرية"، لا تركز على الامتناع عن تناول أطعمة لفترة زمنية فحسب، بل تشمل صوماً للحواس والفكر والقلب، والسعي وراء أعمال الرحمة والمحبة تجاه الآخرين، فيها يتهيأ المؤمن لعبور "أسبوع الآلام" بقلب متواضع، وصولاً إلى اختباره ما يعرف بـ "فرح القيامة".
ويصف القمص بيشوي وديع في دراسته "الصوم الكبير كنيسة ملتهبة" أهمية هذه الفترة الخاصة بأنها: "حياة روحية بالدرجة الأولى، يتجمّل فيها الصائم بفضائل وجهادات روحية عميقة، وقد اعتبر الآباء هذه الفترة بمثابة موسم الخزين الروحي للعابدين".
ويضيف: "المؤمن يتجرد بالصوم من الحياة حسب الجسد ليحيا حسب الروح" عملاً بما قاله القديس بولس في رسالته لأهل رومية "إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو 13:8)، ومن ثم تصبح "الحياة مع الله هي الغذاء والشبع الحقيقيين".
ونستعرض هنا أهم السمات المشتركة والمميزة للصوم الكبير في الكنائس التقليدية، الشرقية والغربية، مع إبراز أهم الفروق بين الطوائف المسيحية المختلفة، ثم تسليط الضوء على الهدف من الصوم عموماً في الكنيسة الجامعة، وطقوس وروحانية طقس الصوم الكبير في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، على نحو خاص.
يختلف الصوم الكبير بين الكنائس التقليدية، الشرقية والغربية، من حيث بداية الصوم ومدته، رغم اشتراك هذه الطوائف في الهدف الأساسي منه واتفاقها على ممارسة روحانية خاصة والتوبة إلى الله والاستعداد لاستقبال عيد القيامة.
تبدأ الكنائس الغربية الكاثوليكية، بحسب الطقس اللاتيني، صومها دائماً يوم الأربعاء المعروف باسم "أربعاء الرماد"، حيث تُرسم على جباه المؤمنين علامة الصليب برماد أغصان النخيل الزيتون، المحفوظة من أحد الشعانين العام السابق، كعلامة للتوبة، بينما تبدأ الكنائس الشرقية الأرثوذكسية صومها يوم الإثنين، ويرجع هذا الاختلاف بين الكنائس إلى الطريقة التي تعتمدها كل كنيسة في حساب مدة الصوم.
تركّز الكنيسة الغربية على صوم لـ40 يوماً فعلياً قبل "أسبوع الآلام"، في حين تركز الكنيسة الشرقية في صومها على تقسيم الفترة إلى أسابيع متكاملة، يحمل كل أسبوع اسماً وموضوعاً روحياً محدداً، وتضيف الكنيسة القبطية على فترة الصوم الكبير ما يعرف بـ"أسبوع الاستعداد"، لتصل المدة إلى 55 يوماً وهي (أسبوع الاستعداد، والصوم الأربعيني، وأسبوع الآلام).
ولا تحتسب الكنيسة الكاثوليكية أيام الآحاد ضمن فترة الصوم، ومن حيث الصوم عن الطعام، ويُلزم القانون الكنسي المؤمنين بعدم تناول اللحوم في يومين أساسيين هما الأربعاء والجمعة، ويكون الطعام بكميات معتدلة دون إسراف، لذا يركز الصوم الكاثوليكي بدرجة أكبر على البعد الداخلي والروحي للمؤمن، وعلى أعمال الرحمة والتقشف الشخصي، وهكذا لا تمثل فترة الصوم قانوناً غذائياً صارماً فحسب، بل كزمن لتغيير قلب وسلوك الفرد.
بينما يُعد الصوم الكبير في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أطول وأشد أصوام السنة صرامةً، فهو صوم من الدرجة الأولى "سيدي"، لأن المسيح صامه شخصياً، وتنظر إليه الكنيسة باعتباره مسيرة روحية متكاملة تُعاش أسبوعياً، لكل منها قراءاته الخاصة في الكتاب المقدس وموضوعه الروحي الخاص به.
ويلتزم الأقباط بالانقطاع اليومي عن الطعام والشراب طوال فترة الصوم حتى الظهر أو بعده بحسب القدرة والتدبير الروحي، بإرشاد أب الاعتراف، ومن حيث النظام الغذائي، يكون الطعام نباتياً بالكامل، إذ يُمتنع تماماً تناول اللحوم والدواجن والأسماك ومنتجات الألبان والبيض طوال فترة الصوم الكبير دون أي استثناءات.
كما يتميّز الصوم في الطقس القبطي بروح نسكية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتكثيف الصلوات والقداسات والتسابيح، لا سيما في "أسبوع الآلام"، والهدف أيضاً ليس مجرد الامتناع عن الطعام، بقدر ما هو لتدريب النفس على التحكم في إرادتها وشهوتها وضبط الحواس والدخول في عمق معنى التوبة.
أما الروم الأرثوذكس فيبدأون الصوم يوم الإثنين، ويعرف باسم "الإثنين النظيف"، ويمتد أربعين يوماً، ثم يتبعه "أسبوع الآلام"، وينظر إلى هذا الطقس كرحلة توبة جماعية، تتدرج روحياً عبر أسابيع تحمل موضوعات لاهوتية وروحية خاصة بها.
ويمارس المؤمنون انقطاعاً يومياً حتى منتصف النهار أو بعده بحسب الإرشاد الروحي، ويعتمد النظام الغذائي على الامتناع عن اللحوم ومنتجات الألبان طوال فترة الصوم، مع وجود استثناءات محددة في عيد البشارة وأحد الشعانين حيث يُسمح بتناول السمك، ويغلب على صوم الروم الأرثوذكس الطابع النسكي التقليدي، مع التركيز على الصلوات والمشاركة في القداسات الخاصة، وهكذا يتكامل الصوم الجسدي مع العبادة الجماعية في إطار روحي طوال الفترة.
أما الكنائس البروتستانتية فهي تختلف من حيث أنها لا تفرض طقوساً واجبة للصوم، مقارنة بالكنائس التقليدية في الطوائف الأخرى، إذ يكون التركيز فيها على ما يعرف بـ"الصوم التطوعي"، وفيه يختار المؤمن الامتناع عن أشياء معينة مثل الطعام أو عادات كتعبير منه على مدى التزامه الروحي، وبهذا المفهوم يكون الصوم بمثابة تعبير إيماني شخصي، دون ارتباط صارم بطقوس معينة تفرضها الكنيسة.
تعود الجذور التاريخية للصوم الكبير إلى العصر الرسولي، إذ ارتبط الصوم ارتباطاً وثيقاً بحدثين هما تذكار صوم يسوع المسيح أربعين يوماً في البريّة، والاستعداد لعيد القيامة، وبناءً عليه تطوّر عبر قرون عديدة داخل الكنائس، وتنوّعت مدته وطرق تنظيمه حتى استقر في داخل طقوس الكنائس التقليدية بصورته المعروفة حالياً، اعتماداً على تراث الآباء.
ويتتبع القمص تادرس يعقوب ملطي، بكنيسة مارجرجس القبطية الأرثوذكسية، سبورتنج بالإسكندرية، في دراسته "الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والروحانية"، تحت عنوان "الأصوام في الكنيسة القبطية: الصوم الأربعيني" أهم الجذور التاريخية للصوم الكبير ويقول إن الصوم الأربعيني تمتد جذوره التاريخية إلى العصر الرسولي، مستشهداً بما "جاء في كتابات القديس إيريناؤس، في القرن الثاني الميلادي، بأن بعض المؤمنين (كانوا) يصومون يوماً قبل الفصح وآخرون يومين والبعض فترة أطول، كما أشار (القديس إيريناؤس) إلى أن البعض (كانوا) يحسبون اليوم أربعين ساعة".
ويضيف أنه في منتصف القرن الثالث "جاءتنا شهادة عن امتداد الصوم لمدة ستة أيام (من الإثنين إلى السبت)"، ثم في سنة 325 ميلادياً، "جاء الحديث عن الصوم الأربعيني في مجمع نيقية كأمر مستقر في الكنيسة الجامعة، وليس كأمر مستحدث في كنيسة أو بعض الكنائس".
ويضيف القمص تادرس يعقوب ملطي أنه "في منتصف القرن الرابع نجد اهتمام القديس أثناسيوس الرسولي بكتابة رسائله الفصحية ... ويلاحظ في الرسائل التي وصلتنا أنه يدمج الصوم الأربعيني بأسبوع الآلام وإن كان يبرز التميز الواضح بينهما".
يكمُن الهدف من الصوم الكبير في كونه "رحلة توبة وتجديد عهد المؤمن مع الله"، لذا يصفه البعض بأنه زمن تنقية القلب، وضبط الحواس، والتغلب على سلطان العادات السيئة، كي يستعيد الإنسان "صورته الأولى في المسيح"، مقترناً بالصلاة وقراءة منتظمة للكتاب المقدس، مع تدريب النفس على ما يعرف باسم "الجهاد الروحي"، ليتهيأ المؤمن في نهاية الفترة لعبور أسبوع الآلام باتضاع بغية اختبار "فرح القيامة".
ويقول القمص تادرس يعقوب ملطي في دراسته السابقة إن الصوم، خاصة الصوم الأربعيني "يلزم أن تكون غايته الشهادة للسيد المسيح والصلاة الدائمة لأجل تقديس البشرية، ففي كل صوم أربعيني يذكر المؤمن كيف صامت الكنيسة لأجله وجاهدت لتكسبه إناءً مقدساً وهيكلاً للرب، فيرد الحب بالحب عاملاً هو أيضاً لأجل خلاص غيره".
ويتحدث المتنيح الأنبا غريغوريوس، أسقف عام الدراسات اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي في مصر، في مقال "الصوم الكبير" ، المنشور على الموقع الرسمي للمعلم إبراهيم عياد، عن الهدف من الصوم الكبير، مستشهداً بما ورد في (مجموعة القوانين لابن العسال، الباب 15، فقرة 34)، قائلاً: "الصوم ليس هو عن الخبز والماء، بل الصوم المقبول أمام الرب هو القلب الطاهر، وإذا كان الجسد جائعاً وعطشاناً، والنفس تأكل في الأعراض، والقلب يتنجس باللذات، فما هو الربح الذي لصومك؟".
الصوم الكبير هو فترة انقطاع ليس عن الطعام والشراب فحسب، بل عموماً هو انقطاع عن كل "التطلعات الشهوانية ومسرات الجسد وملاهي الدنيا"، بحسب دراسة القمص بيشوي وديع، مضيفاً أن الانقطاع في الصوم "له وجهان أحدهما سلبي والآخر إيجابي، ويليق بالمؤمن أن يعيش الوجهين معاً".
ويفسر: "سلبياً ننقطع عن اللحم والشحم والدسم الحيواني ونلتزم بما هو نباتي وفيه نسك وتقشف. وإيجابياً – وهذا ما يهم بالأكثر – التفرغ للعبادة والشبع بالسماويات، ومن هنا تعتبر فترة الصوم بمثابة تكريس للنفس: فيها تكريس الزمن لحساب الله والحواس كلها من أجل الشبع بالرب".
والصوم في الاصطلاح الكنسي، بحسب دراسة "الصوم في كنيستنا القبطية الأرثوذكسية" للقس شنودة حنا هو "الانقطاع عن الطعام لفترة من الزمن يأكل بعدها الصائم طعاماً خالياً من الدسم الحيواني".
ويُفهم من هذا التعريف أنه يجب على الصائم أن ينقطع عن الطعام لفترة معينة، وهنا يتحدث المتنيّح البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية السابق، في دراسته "روحانية الصوم"، عن الانقطاع قائلاً: "لابد من فترة انقطاع، لأننا لو أكلنا من بدء اليوم دون انقطاع، لصرنا نباتيين وليس صائمين، وحتى الصوم في اللغة هو الامتناع أو الانقطاع، فلابد إذن أن نمتنع عن الطعام لفترة معينة".
كما يضيف حنا في دراسته أن الصوم "ليس مجرد حرمان من أطعمة معينة وإنما فيه عنصر الجوع، فـ(المسيح) عندما صام يقول عنه الكتاب (المقدس) إنه (جاع أخيراً) بحسب إنجيل متى 2:4، وبطرس الرسول يقول عنه في سفر أعمال الرسل 10:10 (فجاع كثيراً واشتهى أن يأكل)، وفي العهد القديم نجد أن موسى النبي عندما صام (لم يأكل خبزاً، ولم يشرب ماء) بحسب سفر (الخروج 28:34)".
بيد أن الكنيسة القبطية، على سبيل المثال، من منطلق أن "الله يدعونا أن نذلل الجسد لا أن نقتله"، تصرّح بعدم الانقطاع "للعجائز والمرضعات والحوامل والمرأة النافس والمرضى والضعفاء والصغار، والذين لهم حالة خاصة تمنعهم فيأكلون لا ترفهاً، ولكن عن ضرورة"، بحسب دراسة حنا.
وتُحدد فترة الانقطاع بحسب إرشاد أب الاعتراف في الكنيسة التابع لها المؤمن، والسبب في ذلك بحسب دراسة البابا شنودة الثالث "حتى لا يبالغ فيها البعض فتتعبهم جسدياً، وقد تتعبهم روحياً أيضاً إذ تجلب لهم أفكاراً من المجد الباطل"، ويضيف أن "البعض من الناحية الأخرى قد يتهاون بطريقة تفقده الصوم، والأفضل أن يشرف أب اعتراف على هذا الأمر".
وتُستثنى أيام السبت والأحد لجميع المؤمنين من الانقطاع، فمن الخطأ، بحسب دراسة حنا، "الانقطاع يوم الأحد عن الطعام لأنه يوم فرح نحتفل فيه أسبوعياً بقيامة السيد (المسيح) له المجد. لذلك يمكن الأكل عقب القداس مباشرة"، ويضيف أن "السبت الوحيد الذي ينقطع فيه الصائمون عن الطعام هو السبت الكبير قبل عيد القيامة مباشرة".
ورداً على سؤال لماذا لم تحدد الكنيسة القبطية فترة انقطاع موحّدة، يقول حنا في دراسته: "وجدت الكنيسة أنه ليس من الحكمة ولا العدل أن تحدد فترة انقطاع واحدة بالنسبة للجميع. ففي الواقع أن جميع الناس ليسوا متساوين في حالتهم، فمن حيث السن نجد ما يحتمله الشاب غير ما يحتمله الشيخ غير ما يحتمله الصبي، ومن حيث الصحة يحتمل الشخص القوي فترة انقطاع أطول من الفترة التي يتحملها الضعيف".
ويقول البابا شنودة الثالث في دراسته إنه "لاهتمام الكنيسة بالصوم الكبير جعلت له طقساً خاصاً. فله ألحان (قبطية) خاصة، وفترة انقطاع أكبر. وله قراءات خاصة، وطقس خاص في رفع بخور باكر، ومطانيات (سجود) خاصة في القداس ... يقال فيها بالقبطية (إكلينومين تاغوناطا – أي نحني ركبنا)، ولهذا يوجد للصوم الكبير قطمارس (كتاب قراءات كنسية) خاص. كما تُقرأ فيه قراءات من العهد القديم. وهكذا يكون له جو روحي خاص".
كما جعلت الكنيسة القبطية أسبوعاً تمهيدياً يسبقه، حتى لا يدخل الناس إلى الأربعين المقدسة مباشرة بدون استعداد، كما مهَّدت له الكنيسة أيضاً بصوم يونان (3 أيام)، أو "صوم نينوى"، قبله بأسبوعين، ويكون بنفس الطقس تقريباً وبنفس الألحان، حتى "ينتبه الناس لقدوم الصوم الكبير ويستعدون له بالتوبة التي هي جوهر صوم نينوى" بحسب دراسة البابا شنودة الثالث.
ويبرز سؤال لماذا الامتناع عن تناول الطعام الحيواني تحديداً خلال فترة الصوم دون الطعام النباتي؟
يجيب البابا شنودة الثالث في دراسته عن السؤال مشيراً إلى رد الإنسان إلى طبيعته الأولى النقية خلال فترة الصوم، ويلفت إلى أن الطعام النباتي في الصوم "نظام إلهي، وأنه الأصل في الطبيعة، إذ أن أبانا آدم كان نباتياً، وأمنا حواء كانت نباتية، وكذلك أولادهما إلى نوح".
ويضيف أن الله "خلق الإنسان نباتياً، فلم يكن آدم وحواء يأكلان في الجنة سوى النباتات: البقول والأثمار"، مستشهداً بما ورد في الكتاب المقدس في سفر التكوين (29:1) عندما قال الرب لآدم وحواء "إني قد أعطيتكم كل بقل يبزر بزراً على وجه كل الأرض، وكل شجر فيه ثمر شجر يبزر بزراً، لكم يكون طعاماً"، بل حتى الحيوانات إلى ذلك الحين، بحسب البابا شنودة مستشهداً بما ورد في الكتاب المقدس، كانت نباتية أيضاً، "ولكل حيوان الأرض وكل طير السماء، وكل دابة على الأرض فيها نفس حية، أعطيت كل عشب أخضر طعاماً" (التكوين 30:1).
قسمت الكنيسة القبطية الصوم الكبير إلى سبعة أسابيع (بخلاف أسبوع الآلام) يبدأ كل أسبوع بيوم الإثنين وينتهي بيوم الأحد، وجعلت القراءة كلها خلال فترة الصوم تدور حول موضوع "الجهاد الروحي"، كما جعلت الكنيسة قراءة كل أسبوع تتناول موضوعاً واحداً تشكل جميعها سبع حلقات، وتقسم تلك الحلقات إلى حلقات أصغر يومية تُتلى كل منها في يوم من أيام الأسبوع السبعة.
ويقول الأنبا متاؤس، في دراسته "روحانية طقس القراءات في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية" تحت عنوان "قراءات الأيام في الصوم الكبير المقدس" إن الكنيسة "قسمت كل أسبوع إلى قسمين أولهما الأيام الخمسة التي تصام انقطاعياً، وثانيهما يومي السبت والأحد اللذان لا يصامان انقطاعياً لأنهما عيدان للرب".
ويضيف: "القراءات الموضوعة لكل من هذه القسمين وحدة قائمة بذاتها، فقراءات الأيام الخمسة تمثل الجهاد الروحي المطلوب وقراءات السبوت (أيام السبت) والآحاد (أيام الأحد) تمثل نعمة المخلص (المسيح) التي يفيضها على من يجاهد روحياً، وقراءات السبوت تابعة لقراءات الآحاد ومرتبطة بها".
وتتميّز آحاد الصوم بروحانية عميقة، وتشكّل في حد ذاتها ما يمكن أن نطلق عليه "محطات إنجيلية" متصلة تقود المؤمن في رحلة توبة وتجديد داخلي، فكل أحد يحمل اسماً خاصاً ورسالة خاصة، في الطقس القبطي، بدءاً من الدعوة إلى الجهاد الروحي في أحد الكنوز، مروراً بتطهير القلب في آحاد التجربة والابن الضال والسامرية والمخلّع وأحد التناصير أو الاستنارة (المولود أعمى)، وصولاً إلى إعلان النُصرة في أحد الشعانين الذي يدخل ضمن أسبوع الآلام ثم أحد القيامة.
وفيما يلي نبذة مختصرة عن هذه الآحاد وموضوعها بحسب الكنيسة القبطية:
أحد الكنوز
هو الأحد الأول من آحاد الصوم الكبير، وفيه تضع الكنيسة أمام المؤمنين وصية المسيح عن "الكنز الحقيقي"، كما جاء في إنجيل القديس متى (6: 19-20) "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون، بل اكنزوا لكم كنوزاً في السماء"، ويؤكد موضوع هذا الأحد على أهمية العطاء وعمل الرحمة ومساندة الفقراء.
أحد التجربة
سجل إنجيل القديس متى في الإصحاح الرابع أنه بعد أن صام المسيح أربعين يوماً انقطاعياً، جربه الشيطان بثلاث تجارب، لكنه (المسيح) انتصر عليه في كل مرة بقوة كلمة الله، قائلاً له بعد كل تجربة بحسب الترتيب: "مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله"، ثم "مكتوب أيضاً: لا تجرب الرب إلهك"، وفي التجربة الثالثة والأخيرة قال "اذهب يا شيطان! لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد"، وبناء عليه تركز الكنيسة في موضوع هذا الأحد على أن النصرة والغلبة ليست بالقوة البشرية، بل بالتمسك بكلمة الله.
أحد الابن الضال
يركز هذا الأحد على التوبة، مسلطاً الضوء على مَثَل "الابن الضال" الذي عاد إلى أبيه بعد غربة وجوع، فقبله الأب من جديد بفرح عظيم، في رمزية تشير إلى أن السماء تفرح بكل تائب يعود إلى الله من خطيئته، كما ورد عن المسيح في إنجيل القديس لوقا البشير (7:15) "أقول لكم: إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة".
أحد السامرية
في منتصف الصوم تقدم الكنيسة القبطية قصة "المرأة السامرية" وحوارها مع المسيح كما ورد في إنجيل القديس يوحنا الإصحاح الرابع، لتسلط الضوء على أن الخلاص متاح لجميع الناس، وأن كل إنسان له فرصة للتوبة والرجوع إلى الله والحصول على ما أطلق عليه المسيح "الماء الحي".
أحد المخلّع
تركز الكنيسة القبطية في هذا الأحد على موضوع معجزة "شفاء مريض بيت حسدا" الذي كان مشلولاً طوال 38 عاماً، وعندما مر بجانبه المسيح سأله، بحسب ما سجله القديس يوحنا (6:5)، "أتريد ان تبرأ؟"، بعدها أمره المسيح قائلاً: "قم. احمل سريرك وامش"، فقام في الحال وتعافى، وتركز الكنيسة قي موضوع هذا الأحد على قوة كلمة المسيح القادرة على إقامة الإنسان من ضعفه وعجزه.
أحد التناصير أو الاستنارة
يرتبط موضوع هذا الأحد بمعجزة "شفاء المولود أعمى"، التي وردت في إنجيل القديس يوحنا الإصحاح التاسع، وفيها رد المسيح لرجل مولود أعمى بصره، وهي معجزة ترمز إلى ما يطلق عليه "الاستنارة الروحية" و"نور الإيمان".
أحد الشعانين
هو الأحد الأخير خلال فترة الصوم الكبير قبل أحد القيامة وتركز فيه الكنيسة القبطية على موضوع دخول المسيح إلى أورشليم كملك تحقيقاً لنبوة وردت في سفر زكريا (9:9) "هوذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومنصور ووديع، وراكب على حمار وعلى جحش ابن اتان"، ويتميز هذا العيد بفرح خاص، إذ يحمل المؤمنون سعف النخيل وغصون الزيتون، كنوع من الاحتفال مثلما فعلت الجموع في أوشليم عند دخول المسيح المدينة، كما ورد في الإنجيل.
أحد القيامة
هو ختام رحلة الصوم الكبير، فيه تعلن الكنيسة "فرح القيامة" و"الحياة الجديدة"، وفي هذا اليوم، بحسب الإنجيل والإيمان المسيحي، ظهر المسيح لتلاميذه بعد قيامته مؤكداً "نصرة الحياة على الموت".
يظل الصوم الكبير بطقوسه وروحانياته أكثر من مجرد مناسبة دينية أو فترة موسمية للامتناع عن الطعام ومغريات الحياة، بل زمن مقدس عند الطوائف المسيحية تميزه روح التوبة الجماعية، الكل يسير على خطى صوم المسيح 40 يوماً في البريّة، بجذور تمتد إلى القرون الأولى، وهو ما دفع إلى حرص الكنائس، غرباً وشرقاً، إلى وضع طقوس وقراءات تقود المؤمنين في رحلة جهاد روحي بغية مراجعة القلب قبل الجسد، ومصالحة النفس وإعلان توبتها مع الله في صخب هذه الحياة.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة