في ليلة باردة من شتاء مدينة حماة السورية، استيقظ أبناؤها على أصوات لم يألفوها من قبل، دبابات وألوية عسكرية كاملة دخلت المدينة، وبدأت واحدة من أعنف العمليات العسكرية في تاريخ سوريا في الثاني من فبراير/شباط 1982. وعُرفت بمجزرة حماة.
في ذلك اليوم شرع نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في تنفيذ مجزرة بحق حماة، عبر قصف وحشي وممنهج استهدف المدينة بقيادة شقيقه رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع.
وكانت الذريعة اتهام نظام الأسد الأب مجموعات مسلحة تدعى "الطليعة المقاتلة" بالسيطرة على أحياء داخل المدينة، لكن العملية تحولت خلال أيام إلى حصار كامل، انقطعت عنها الكهرباء والماء والاتصالات، وأغلقت الطرق، وأصبح أهل المدينة محاصرين داخل شوارعهم.
واستمرت الحملة 27 يوما، نفذتها عدة فرق وألوية من جيش الأسد وعلى رأسها قوات سرايا الدفاع، بهدف القضاء على المعارضة في المدينة، وأدت وفقا لعدة روايات إلى مقتل نحو 40 ألف شخص وأكثر من 17 ألف مفقود، في حين وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما يقارب من 10 آلاف منهم، كما وثقت أسماء 4 آلاف مفقود.
واليوم يحيي أهالي حماة والسوريون الذكرى الـ44 للمجزرة، والثانية بعد سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد. حتى إن بعضهم قام بنشر صور أبنائهم أو أقربائهم الذين قتلهم جيش الأسد وسرايا الصراع للمرة الأولى.
وكتب مدونون: "اليوم، إحياء ذكرى المجزرة علنا ومن داخل حماة وعلى كل الأصعدة يؤكد أن الحق لا يموت، وإن كانت للباطل جولة فللحق جولات. أين حافظ الأسد؟ أين رفعت؟".
وعلّق آخرون بالقول: "نحيي ذكرى الشهداء بصمت مؤلم، وبالتزام بأن تبقى الذاكرة حية، لتذكرنا بحقوق الإنسان، ولتعلم الأجيال القادمة أن السلام والعدل هما السبيل الوحيد لبناء مستقبلنا".
وقال ناشطون من أبناء مدينة حماة: إنه في شباط 1982 لم تكن "أم النواعير" ساحة معركة، بل كانت مدينة تُعَاقب لأنها أرادت أن تبقى حية. أيام من القصف والقتل والاختفاء، بيوت سويت بالأرض، وعائلات محيت من السجلات وبقيت في قلوب الأهالي.
وأضاف هؤلاء أنه لم يكن الهدف إسكات تمرد، بل كسر روح مدينة كاملة. ولكن بعد أكثر من 4 عقود، حماة ما انكسرت، وذاكرتها ما صمتت.
وأكدوا أنهم "ليسوا مجرد شهود على التاريخ، بل حراسه. يرون القصة كما عاشها أهلها، حتى لا تُروى بلسان الجلاد، وحتى لا تتكرر المأساة".
وأكد سوريون أنه في واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في التاريخ السوري الحديث، اُستخدمت المجزرة وسيلة لكسر إرادة شعب طالب بالحرية والكرامة. وبعد 44 عاما، تبقى مجزرة حماة جريمة لا تسقط بالتقادم، ووصمة عار في سجل نظام الأسد، وشاهدا على صمود مدينة لم تنحن رغم المجازر والدمار".
وقالوا: "إننا في هذه الذكرى نؤكد أن الذاكرة واجب، وأن العدالة حق، وأن دماء الضحايا أمانة لن تُنسى".
وطالب سوريون بإنشاء متحف في مدينة حماة للمجزرة وأسبابها، وتوثيقها بشكل حقيقي وصادق، وعرض أسماء الضحايا وسرديات الأهالي الموثقة مع ضرورة المطالبة الدائمة بمحاكمة كل من شارك فيها، وأكدوا أن المتحف للذكرى واستخلاص العبر، ولمنع التأسيس لأي استبداد جديد.
المصدر:
الجزيرة