إعلان أنثروبيك اكتشاف شبيه بـ"كريسبر" يثير جدلًا بشأن الذكاء الاصطناعي
(CNN) -- يُراهن مسؤولون في شركات الذكاء الاصطناعي على إحداث تحوّل جذري في الأبحاث البيولوجية، على غرار ما حقّقته نماذج اللغة الكبيرة في البرمجة وتطوير البرمجيات والرياضيات. لكنّ إعلان أنثروبيك، المطوّرة لنموذج Claude، أنّها توصلت إلى اكتشاف بيولوجي جديد أثار جدلًا بشأن أصالة الاكتشاف ومدى استقلالية الذكاء الاصطناعي في التوصل إلى اكتشافات علمية.
وقالت الشركة إنّ وكلاء الذكاء الاصطناعي لديها اكتشفوا "نظامًا إنزيميًا جديدًا" في الشفرة الوراثية للفيروسات، قد يُمثّل آلية جديدة لتعديل الجينات، على غرار تقنية CRISPR-Cas9 المستخدمة على نطاق واسع في المختبرات، التي فاز مبتكروها بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2020.
ووصف الرئيس التنفيذي للشركة، داريو أمودي، الاكتشاف، بأنه يتمتّع بإمكانات علمية كبيرة، وكتب على منصة "إكس": "أعلنّا اليوم اكتشافًا قاده Claude لآلة جزيئية نعتقد أنها قد تُمثّل آلية جديدة لتعديل الجينات".
وقالت أنثروبيك" إنّ الاكتشاف تحقّق "بتوجيه عام فقط من علمائنا"، لكنّ خبراء لم يشاركوا في البحث، أكّدوا أنّ النتائج لا تزال أوّلية، ولا تُثبت حدوث تعديل للجينات أو توضح الآلية التي تقف وراءه. كما لم يُنشر البحث في مجلة علمية تخضع مقالاتها لمراجعة الأقران.
ادّعاءات بشأن أصالة الاكتشاف
وقال آرون إنغلهارت، الأستاذ المساعد في جامعة مينيسوتا، إن النتائج "أولية ومثيرة للاهتمام"، لكنها لا تثبت حتى الآن حدوث تعديل للجينات. ولم يُحدّد الباحثون وظيفة التسلسلات الفيروسية المكتشفة، أو ما إذا كان يمكن استخدامها عمليًا.
بعد أيام من إعلان أنثروبيك، قال ماريو رودريغيز ميستري، الذي استخدم Claude على نطاق واسع في بحث الدكتوراه الذي أنجزه أخيرًا في جامعة كوبنهاغن، إن بحثه غير المنشور يتناول الأنماط الفيروسية ذاتها.
وقال ميستري لـCNN: "إنه الاكتشاف نفسه تقريبًا، وليس مجرد دراسة مجموعتي عائلات بروتينية مترابطة أو أنظمة بيولوجية متشابهة".
وأوضح أنه سبق أن شارك عبر حسابه الخاص في Claude مسودات أطروحته وتحليلات ومواد تصف هذه الأنظمة، لكنه شدّد على أنه لا يتهم الشركة بالاستيلاء المتعمّد على عمله، قائلًا: "لا أزعم أنّ أنثروبيك استولت عمدًا على عملنا، ولا أستطيع إثبات ذلك".
وأضاف أنّ المعلومات المتعلقة ببحثه ربما وصلت إلى النموذج خلال تدريبه، لكنه يرى أن الاحتمال الأرجح هو أن عملية البحث استندت إلى معرفة علمية سابقة وتوجيه بشري أكبر بكثير ممّا يوحي به وصف "الاكتشاف المستقل".
ولم ترد "أنثروبيك" على طلب للتعليق. وقال إيليا فينكلشتاين، أستاذ العلوم البيولوجية الجزيئية في جامعة تكساس، أوستن، إن توصل مجموعات بحثية مختلفة إلى النتائج عينها أمر وارد، لكن ادعاء ميستري خطير، وقد يدفع العلماء إلى التردد في مشاركة نتائج أبحاثهم غير المنشورة مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
كيف توصل Claude إلى الاكتشاف؟
قال باحثو "أنثروبيك" إنهم طلبوا من Claude البحث في قاعدة بيانات ضخمة لتسلسلات الحمض النووي عن "أمثلة جديدة مثيرة للاهتمام" لإنزيم النسخ العكسي (RT)، الذي ينسخ الحمض النووي الريبي (RNA) إلى الحمض النووي (DNA).
وبحسب الشركة، أمضى 950 وكيلًا للذكاء الاصطناعي، قادرًا على التخطيط للمهام وتنفيذها بشكل مستقل، 21 ساعة في تحليل البيانات، وحددوا 3500 إنزيم، قبل تضييق القائمة إلى 20 إنزيمًا واعدًا. وأضافت أن تحليلًا من هذا النوع قد يستغرق أسابيع أو أشهرًا من قبل عالم متمرّس.
وقالت الشركة إنّ أحد الوكلاء رصد نمطًا متكرّرًا من تسلسلات الحمض النووي بجوار جين مسؤول عن إنزيم نسخ عكسي غير مألوف. وبعد تحليل إضافي، خلص إلى أنه اكتشف نظامًا بيولوجيًا جديدًا، ورفع تقريرًا لمراجعته بشريًا.
ثم حلّل علماء المختبر النتيجة واختبروها، ووصفوا النظام بأنه "لم يسبق توصيفه"، ويوجد في العاثيات، وهي فيروسات تهاجم البكتيريا، ويشبه في بنيته نظام CRISPR الموجود طبيعيًا في البكتيريا.
وأشار فينكلشتاين إلى أن أربعة من مؤلفي الدراسة الستة علماء أحياء جزيئية وخبراء في المجال، وأن الباحث الرئيسي، بيتر يون، عمل سابقًا في مختبر جينيفر دودنا، إحدى رائدات تقنية CRISPR-Cas9 والحائزة جائزة نوبل في الكيمياء عام 2020 بالمشاركة مع إيمانويل شاربنتييه. ويرى أن ذلك يعني أن وكلاء الذكاء الاصطناعي استفادوا من توجيه خبراء بارزين.
وكتب فينكلشتاين في تدوينة على موقع مختبره أن تزويد الخبراء بقدرات حوسبة ضخمة ونماذج متقدمة قد يؤدي إلى مزيد من الاكتشافات في المعلوماتية الحيوية.
لكن باحثين آخرين يرون أن الحديث عن اكتشافات مستقلة يقودها الذكاء الاصطناعي مبالغ فيه. وقال غوستافو سودري، أستاذ التصوير العصبي الجينومي والذكاء الاصطناعي في كلية كينغز لندن، إن تحليل البيانات على نطاق يفوق قدرة البشر يسهم في تقدم الأبحاث، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق طفرة علمية.
وأضاف: "من واقع خبرتي، فإنّ معظم العمل يكمن في سدّ الفجوة بين رصد نمط مثير للاهتمام والوصول إلى معرفة مفيدة".
حدود الذكاء الاصطناعي في العلوم
أطلقت "أنثروبيك" في وقت سابق من هذا العام أداة Claude Science المخصصة للأبحاث، فيما كشفت شركات منافسة عن أدوات مماثلة، منها GPT-Rosalind من OpenAI، وQuine من Microsoft، وCo-Scientist من Google DeepMind. وتجمع هذه الأدوات بين نماذج اللغة الكبيرة وبيانات علمية متخصصة، مثل تسلسلات الحمض النووي.
لكن موثوقيتها تعتمد على البيانات التي دُرّبت عليها. فعلى سبيل المثال، تستمد أداة AlphaFold من Google DeepMind، التي فاز مطوّروها بجائزة نوبل في الكيمياء عام 2024 لإسهامها في التنبؤ بالبنى البروتينية، قوّتها من بيانات متخصّصة جُمعت على مدى عقود.
وفي ظل تصاعد المخاوف من خروج وكلاء الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، قد تُتيح الاكتشافات البيولوجية للشركات تقديم صورة أكثر إيجابية عن منتجاتها. غير أن تحقيق نتائج علمية ملموسة قد يتطلب دمج هذه النماذج في التجارب المخبرية باستخدام الروبوتات.
وقال يوفال إيلاني، الأستاذ المساعد في التقنيات الكيميائية الحيوية بكلية إمبريال لندن، إن علم الأحياء يختلف عن الرياضيات، وإن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى التجسد في العالم المادي عبر روبوتات قادرة على تنفيذ المهام التجريبية الدقيقة.
وأضاف: "استنادًا إلى ما رأيته في مجال الروبوتات والأتمتة، لا نزال بعيدين عن تحقيق ذلك. لذا، سيمر بعض الوقت قبل أن نتمكن من تبرير الضجة المثارة حول الذكاء الاصطناعي في علم الأحياء".
وتُقر "أنثروبيك" بحدود ما يمكن للذكاء الاصطناعي إنجازه بمفرده، وتستثمر في تطوير أجهزة تتيح لوكلائها تشغيل معدات مادية بأمان.
ويؤكد سودري أن دور البشر في البحث العلمي لا يتراجع، محذرًا من أن الخطر لا يكمن في إقصاء العلماء، بل في أن يتوقفوا عن استخدام حكمهم لتقييم أهمية النتائج.
وتتمثل الخطوة التالية أمام باحثي أنثروبيك في إجراء تجارب مخبرية لفهم النمط المكتشف وتحديد ما إذا كان يمكن توظيفه عمليًا في التكنولوجيا الحيوية.
وقال سودري: "بالتأكيد، يمكن إسناد بعض هذه المهام إلى الروبوتات مستقبلًا. لكن الأسئلة الجديرة بالبحث العلمي لا تبقى مخفية في قواعد البيانات بانتظار اكتشافها، بل تنبع منا، مما نهتم به وما يقلقنا".